آخر بوسطجي في ضيعتي!
آخر بوسطجي في ضيعتي!
أنطوان السبعلاني
أنطوان السبعلانيو جورج باخوس
-1-
أمسِ سمعتُ الضيعة تقول: مسكين جورج باخوس صار مثل المجنون..
مسكين البوسطجي فهو لا يزال يعتبر نفسه بوسطجياً فيحمل كل صباح شنطته ويمشي على دروب الضيعة كما في أيام زمان!
يمشي مبتسماً من حيَّ إلى حي فلا يقوم إليه أحد.. وكان مروره حدثاً وتاريخاً في الضيعة!
أهلاً وسهلاً
حلوينة من هنا ومن هنا بوسة
صبايا يلوحنّ على الشبابيك
وعجائز يحملن له الشكر والدعاء
ومن سنين سمعت الضيعة تقول: مسكين الطحان العتيق فقد صار مجنوناً..
وكذلك قالت من قبل ضيعة "الفونس دوديه"...
أتكون ضيعتي سبعل مثل الضيعة الفرنسية؟
أيكون صديقي جورج مثل ماريو الإيطالي ILPOSTINO صديق الشاعر نيرودا؟
ويوم مات شاعر الضيعة أسعد السبعلي في العام 1999 قلت: ماتت الضيعة...
وغريب أمرها ما عمرت الألفين!
ويا طول ما كان البوسطجي يملي على السبعلي القصيدة تلو الأخرى... قلت: كان خزان شعره..
"يا بو جميل" هو ديوان المكاتيب الروائع بين الشاعر في الضيعة وبين كل مغترب تحت كل سماء:
* * *
-2-
كان البوسطجي في الضيعة شغلة كبيرة...
ثلاثة كانوا الضيعة: البوسطجي والناطور والشاويش. وبدونهم لا ضيعة ولا أبناء ضيعة!
يا بوسطجي الضيعة يا موزع الأحلام والأموال كما بابا نويل...
والغرام كما بنو عذرة!!،
يا بياع السعادة ببوسة أو حلوينة أو دعاء!
أنت يا بنك الضيعة
ويا جسرها عبر البحار
يا بئراً عميقة... وكرسي اعتراف.
أصحيح أن لا مكاتيب في شنطتك التي تمشي على دروب الضيعة؟
أصحيح أن صبايا الضيعة ما عدن ينتظرنك على الشبابيك؟
أصحيح أن شعراء الضيعة كسروا الأقلام بعد طاحونة المي وطيارة الورق وبعدك وراحوا...؟
* * *
-3-
أمسِ زارني صديقي البوسطجي جورج فقمت له كما أيام زمان.... فخفق قلبه فرحاً.. وقلبي. ثم قال: ليس لك مكاتيب اليوم، يا أستاذ....
ربما لأنك لا تسكن في الضيعة في هذه الأيام!
أنا ما زلت أذكر كم مرة حملت إليك مكاتيب مضمونة مع بطاقة حمراء. هذا توقيعك هنا.. وهنا! أصحيح يا أستاذ كانت مكاتيب صرف من الخدمة؟
لتغفر لي سيدة سبعل!!
الضيعة ما عادت تكتب مكاتيب يا أستاذ.
وأنا متأكد أنها تخلّت عني وهي تتعامل مع بوسطجي غريب... أنا البوسطجي الشرعي الحقيقي.. أنا ورثت "البوسطجية" عن أخي لويس الذي ورثها عن والدنا الذي عينوه لها سنة 1938. وقدم لي فرمان التعيين بتوقيع مدير البريد في ذلك الحين الدكتور نقولا فياض وبتعويض شهري قدره تسعون غرشاً لبنانياً سورياً ورقاً..
قلت: يا زمان الوصل بالأندلس!
ويا علاقة الغروش المميزة!
أنا الشرعي يا أستاذ، أنا عينني الوزير جميل كبي وكنت أتقاضى خمسين ل.ل.
ومن السنة 2000 حتى اليوم لم أقبض قرشاً واحداً... أنت يا أستاذ تكتب بالجرائد.. أكتب عني
أنا الشرعي.. ليسألوا عني الوزير كبي...
ليسألوا أياً كان... الضيعة تتعامل مع الغريب!
قلت له: يا صديقي العزيز الوزير كبي – رحمه الله مات من زمان.. والضيعة تموت معك أنت يا آخر البوسطجيين...
أنت يا آخر الهنود الحمر...
وآخر الأباش
وآخر الأحلام والأشعار التي كانت ترمى على دروب الضيعة..
وأنا أشهد يا جورج، أمام الناس وأمام الله أنك أنت بوسطجي السعادة وكل آخر سواك فتزوير لها...
يا عائلة باخوس
يا شبيهة آل سرجون في بلاط الأمويين، وآل حيمري في بلاط بعبدا،
يا هذه العائلة أنت ذاكرة الضيعة وصندوق أسرارها وأحلامها في سبعين عاماً.
المفاتيح في يدك...
شدي عليها.
ودعني البوسطجي وودعته بقول السبعلي:
مكتوبــك بيسوى الدني يا بو جميــل
بستو قريتــو وقلت: يا ريتو طويــل
ومن فرحتــي بوَّست خد البوسطـجي
والله بيشـهد شــو رْبِحتلك جميــل
أنطوان السبعلاني 2009