إلى ميشال أبو جوده - "النهار" الطبقة السادسة
إلى ميشال أبو جوده
"النهار" الطبقة السادسة
*
أنطوان السبعلاني
-1-
عدت مساء اليوم من الزلقا إلى سبعل بعدما زرت بيتك المحبوب هناك! بيتك المتواضع والطيب مثل بيوتنا، بيوت الشعب اللبناني الطيب. عرفت أن المسافة بينه وبين سيدة النجاة هي أخت المسافة التي تفصلنا عن سيدة سبعل، ورسم أم داود المالئ صدر البيت يملأني الساعة ورسمك!
إنْ أنا ما كتبتُ إليك الليلة لن يجيئني النوم، أنا المؤمن إيمان أستاذك العظيم انك تقرأني حيث أنت والسلام عليك حيث أنت.
عائلتي انتظرتني في السيارة، قرب بيتك، تحت الشمس، وكانت مسرورة جداً لزيارتي بيتك المحبوب، وهي وأنا لا نعرفك، وأنت لا تعرفنا. ومع ذلك فأنت منذ ارتحالك في 17 أيلول نازل معنا، ساكن فينا: نحكي أخبارك لأولادنا، للجيران، للزائرين، ونصلي لسيدة سبعل. لأجلك نحن نصلي، كما الزلقا لسيدة النجاة!
إذاً لن أنام الليلة قبل الحديث إليك.
كم الساعة الآن عندكم، يا أستاذ؟
وهل ينامون عندكم بدون حبة نوم؟ أو كأس نشربها مثل حبة النوم؟
بعدما رحتَ أنت من عندنا إلى حيث أنت، سألني ابني:
هل تكتب عن ميشال أبو جوده، الله يرحمه؟
قلت: كلا، لأن بعد الذي قاله عنه غسان تويني، علينا جيمعاً أن نسكت!
لكن زيارتي لبيتك تملي عليَّ الآن فاكتب. وشفيعي أني أكتب بحب ورسالات الحب تدخل قلوب الغائبين، وإن بعيدين كثيراً.
أنا أحببتُ بيتك كثيراً، والوصول إليه سهل، والدخول إليه سهل، وناسه الطيبون كأنهم أهل. الزائروه اليوم كثيرون: منهم بالزي الرسمي والسيارات الفخمة وبالمرافقين، ومنهم مثلي بالقميص العادي والسيارة الشعبية، ترافقنا حبات القلوب. نحن الزائرين بيتك في الزلقا، كلنا أمام رسم أم داود ورسمك أنت، يا أستاذ، متأملون متأملون!
أنا أجزم أنك من ها هنا انقلبت إلى الطبقة السادسة في "النهار"... من بيتك المتواضع على عنفوان، من بساتين الزلقا الخضراء، من شميمها، من صلوات أمك، من حكاياتها عن عروس الجن، ولبنان، وطانيوس شاهين، ودقات جرس سيدة النجاة، من الفقر الغني، وبيتك المتكئ على جيرة جبل، والشبعان من خضرة، وزرقة، واتساع مدى، كما هي الحرية في اتساع مداها، كل ذلك مكّن لك ما مكّن هناك في الطبقة السادسة المشهورة.
-2-
مكتبك كرسي اعتراف!
أيّ كرسي!
قلت: مختص بخطايا أهل السياسة. يأتونه خاشعين، يعترفون لبطرك المحللين بحلالها من حرامها، للمبصر الرائي هم يعترفون وطوال أربعين عاماً ظلوا يفعلون. خطاياهم تكبّها، في الليل، في بحر الزلقا كي تبقى أسراراً، وكي يبقى حضن أم داود نظيفاً نظيفاً.
مكتبك برج مراقبة لمطارات سياسة كرة الأرض!
والجالس فوق، خبير عتيق، ربّان عتيق، عيناه اتساع مدى، عيناه تدلانه الى تقلبات الدول وهو يعلم علم اليقين لماذا سمّوها دولاً.
وهنا، بلى هنا، سر اللعبة الكبرى.
"أسداد رأي، أم إجابة فطنة أم ذا دهاؤك والسياسة ملعب"؟
هذا القول لأمين نخلة في رياض الصلح، استعيره منه لأقوله فيك مبدلاً "دهاؤك" بـ"نبوغك"
مكتبك المشهور يضيق بأهل الحل والعقد. قلت: زمرهم وأنت تخاطب الحكام، من مكتبك، وهم يجاملونك وفي بيتك الطيب، في الزلقا، كنت تعيش مع الناس الطيبين... الله، يا أستاذ ، كم مرة قرأت قصيدة "إذا" لكبلنغ؟ والأهم أنك مارستها في حياتك.
أتكون ابتسامتك الساخرة، فضحكتك المتفجرة، ضرباً من "الرجل" الذي بلغته على ضوء "ديوجين" الحكيم، "الرجل" العارف أشياء كثيرة كثيرة والمعتصم بالصمت بلاغة؟
في الطبقة السادسة من "النهار"، في جوار البنك المركزي، مكتبك أسرار وأسرار، كنت تكتب فرضك، "خوفاً" من أستاذك، وتحمل "شنطة المدرسة" وتعود إلى الزلقا مثل تلميذ الأمس، ترتمي في حضن أم داود. تنسى سياسات العالم، تنسى العالم كله. تحكي لك حكايا عروس الجن والطفل الذي كان يلعب في بساتين الليمون، في الشط، الطفل الذي خطفته عروس الجن. ولا تزال أمه تنتظره على الشط هناك. وكنت تنسى ما كتبت يداك هناك، تنام ملء جفونك عما كتبت، عن شوارد مقالك الذي يشغل في الصباح الملوك، والحكام، والانتليجنسيا اللبنانية والعربية.
الله، كم ألف قصيدة في السياسة أنتَ كتبتَ؟
وعلى طريقة فاليري المتعبة الجمال، أنت كتبت!
ويوم توقفت عن الكتابة قلّ الهمّ في أقصى يسار الصفحة الأولى من "النهار" وكبر عند أقصى اليمين...
"والعبء حيث الجدير".
واسمك، يا أستاذ، لا يزال حيث هو في رئاسة التحرير.
أيكون ذلك لتربحك "النهار" أربعين نهاراً أكثر.
وعفوك، بيار صادق، أنا أسرقك.
ومعلّمك، يا أستاذ، معلّمك الكبير غسان تويني، يشعر بعقدة الذنب تجاهك لكونه اكتشفك.
مغفورة "خطاياك" كلها أيها المعلّم الكبير، والمعلّم الذي يكتشف موهبة هو عطية سماء وله عند ربّه أجر عظيم!
وليس معلّما من ليس يشمّ ألف ربيع، ويرى ألف ربيع، في طلعة برعم أخضر. وصلوات أم داود صيّرتك تلميذاً لأمبراطور الصحافة الحرة!
-3-
ويا أستاذ ميشال،
تشرين على الأبواب، تشرين الحزين بورقه وناسه وتلاميذه على الأبواب.
غداً يدق جرس المدرسة.
غداً نخبر الطلاب عنك. لهم، طلابنا، ولنا، أن نشيل الرأس في معرض المفاخرة.
وحبك الأصحاب، في زمن الحب الأسود، كبَّرك في عيني كثيراًَ.
وقدمك الداعسة على رأس المال الذليل، كبّرك الف مرة أكثر.
ويا ميشال، بدون أستاذ إذا سمحت، وقبل نهاية حديثي معك، هذا السؤال أطرحه عليك، جاوبني عنه ساعة أنت تشاء:
الخميس 17 أيلول، هل نزعتَ عنك الخرزة الزرقا، و"قونة العدرا"؟
وهل عروس الجن، عصر ذاك النهار، مرّت بالزلقا في غياب أم داود؟
دارك الطيبة، التي كأنها داري، ودّعتها وأنا أتمتم مع البحتري:
"فلها أن أعينها بدموع موقفات على الصبابة حبس"!
الساعة عندنا حوالى الثانية بعد نصف الليل.
كم الساعة الآن عندكم، يا أستاذ؟
الليلة أنام بدون حبّة نوم. تصبح على خير.
• من كتاب تحت الطبع عنوانه: "رسالات حب كثار".