"اللوحة الكاريكاتيرية أقوى الوسائل التعبيرية على الإطلاق" - حوار مع الفنان محمد العافية (محمد البراق)
الفنان محمد العافية(محمد البراق):
اللوحة الكاريكاتيرية أقوى الوسائل التعبيرية على الإطلاق
حاوره: بسام الطعان
رسام كاريكاتير وفنان تشكيلي مغربي، من مواليد 1952 بين السف في شمال المغرب، يحمل شهادة بكالوريوس علوم اقتصادية 1970
يمارس العمل التربوي التشكيلي المتمثل في التدريس والأنشطة المتنوعة، ساهم في الكثير من المعارض التشكيلية والكاريكاتيرية داخل المغرب وخارجه.
معه كان لنا هذا الحوار:
ـ من هو محمد العافية، متى كانت البدايات الفنية، ولماذا اخترت الفن كوسيلة تعبيرية؟
- أشكرك على طرح هذا السؤال، لأنني أود توضيح شيء مهم، اخترت اسم محمد العافية لأوقع به الرسوم الكاريكاتيرية، وجعلت أسمي الحقيقي لتوقيع اللوحات التشكيلية وهو محمد البراق. كان اختياراً صعباً ولكنه ساعدني على العمل بنظام وحرية مطلقة في التعبير، سواء في مجال النقد الاجتماعي والسخرية أو عبر التعبير التشكيلي الذي ينبني على الخيال والتأمل العميق.
ـ ما سبب توجهك نحو رسم الكاريكاتير والفن التشكيلي معاً، وأيهما تفضله على الآخر؟
- الواقع كانت بدايتي بالكاريكاتير، خلال سنوات الدراسة بالتعليم الإعدادي والثانوي. كنت أوظفه كسلاح للدفاع عن نفسي ومقاومة كل من تخول له نفسه الاستهانة بي. وكنت أحمل معي الكنانيش الكاريكاتيرية وكأنها أسلحة فتاكة. واقتنعت وقتذاك بالفكرة التي تقول إن الريشة أقوى وأخطر من السيف. أعتبر أن جميع الفنون البصرية وسائل تعبيرية هامة، لا سيما التشكيلية منها، لأنها تهتم بالصورة: الوسيلة الأكثر تأثيراً في العصر الحاضر.
ـ ما أهمية الفن بالنسبة إليك؟
- الفن بالنسبة لي هو الحياة، أقضي الوقت كله بين اللوحة وكتب ومجلات تاريخ الفن، وبين الرسم الكاريكاتوري وقراءة الصحف والاطلاع على آخر الأخبار. ومن جهة أخرى أمارس مهنة التأطير التربوي في مادة التربية التشكيلية، وأشتغل في ورشات ومشاغل تشكيلية مع المدرسين والتلاميذ. أحسّ بثقل المهمة التي أتحملها، وكأنني سيزيف يدفع ثلاثة أكياس ضخمة يحاول حملها إلى قمة الجبل.
ـ برأيك أي نوع من الفنون يعتبر الأرقى والأكثر رفعة وقيمة؟
- كل الفنون الراقية المهتمة بقضايا الإنسان. لا مكان في الفن لا يقترح قضية ويدافع عنها، وباعتماد أنجع الطرق: أي الوضوح والإقناع.
ـ هل اللوحة الكاريكاتيرية لها نفس قيمة اللوحة التشكيلية؟
- اللوحة الكاريكاتيرية أقوى الوسائل تعبيرية على الإطلاق. ويعتبر فن الكاريكاتير السهل الممتنع. بواسطة أدوات بسيطة وفضاء للعمل محدود، ووسائل نشر عبر وسائط تقليدية كالصحيفة والكتاب أو أدوات تكنولوجية حديثة كالتلفزيون والكومبيوتر، يمكن للرسام أن يصل إلى أبعد القرى في العالم.
ـ كيف تقرأ آفاق التواصل الفني بين المشرق العربي والمغرب العربي؟
- في منتصف السبعينات استبشر الفنانون التشكيليون خيراً لما انعقد البينالي العربي الثاني للفنون التشكيلية بالمغرب، بعد النجاح الذي عرفه البينالي الأول ببغداد. إلا أنه توقف مباشرة، نتيجة تعدد الاتجاهات التشكيلية السائدة والمتناقضة آنذاك. وكما يقول المثل تجري الرياح بما لا تشتهي السفن..
ـ هل يستهويك التجريد في الفن التشكيلي؟
- أحيانا يصعب عليّ تصنيف أعمالي. فاللوحة الخالية من أثر الواقع والبعيدة عن هموم المجتمع لا تثيرني لأن نقل مشاهد من الحياة هو الحافز الأساسي في عملي. وفي نفس الوقت الإنجاز الذي يخلو من التقنيات الجديدة والمعاصرة يجعل العمل مملاً ومتشابها.
ـ اللوحة التي تنجزها، ماذا تعني لك؟
- إنها التحدي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. اقتحام عالم الآخر وخلق حوار بناء معه، ليس بالأمر اليسير، ومع ذلك يستطيع بواسطة إبداعه أن يلج عوالم بعيدة ومختلفة وينفتح على أفكار جديدة مضيفاً تجربته وثقافته على المجتمعات الأخرى بأسلوب حضاري يخدم اللإنسانية.
ـ حدثنا عن أشهر لوحة لديك؟
- اللوحة التي تعالج موضوع الهجرة من القرية وتمثل تركيباً عمودياً يعكس فكرة النزول من الجبل إلى السهل ومن القرية إلى المدينة، عبر منعرجات خطيرة. إنها حادثة واقعية عشتها مع أسرتي عندما كنت صغيراً.
ـ ما الفرق بين الألوان الزيتية والألوان المائية سواء كانت على القماش أو على الخشب؟
- في أعمالي أفضِّل السند اللين والأملس، كما أميل إلى استعمال الألوان السائلة سواء كانت مائية أو زيتية أو حبر. العمل عندي يرتكز على الخطوط والحركية سرعة الإنجاز. المهم عندي في اللوحة هو التناسق والانسجام بين الشكل والمضمون، وبين المساحات السطوح والخطوط.
ـ ما هي الألوان المفضلة لديك؟
- ليس لدي ميول إلى ألوان معينة، ومفضلة دون أخرى. كل الألوان لها قوتها التعبيرية ودرجة إشعاعها. أحب جميع الألوان ما دامت هذه الألوان قادرة على التآلف والانسجام بينها. أظن هذا السؤال يهم خاصة شريك الفنان أي المشاهد للعمل الفني.
ـ هل الفن التشكيلي العربي يقف على خط واحد مع الفن التشكيلي الغربي، أم هو خلفه بكثير؟
- أظن أن الفرق شاسع بين التجربتين. فالفن التشكيلي بالمعنى الغربي للكلمة بدأ متأخراً في البلدان العربية، ويمكن للمرء الاطلاع على العدد الهائل من المعاهد والأكاديميات التي تدرّس الفنون التشكيلية بشُعَبها المختلفة والمتنوعة. وحالياً يغزونا توجُّهٌ جديد في الفن المعاصر الغربي، ويُقبِل عليه بعض الفنانين العرب الباحثين عن العمل المريح والسهل. وينسون أن حرق المراحل والقفز بسرعة لا يخدم الفن العربي بل يزيده اغتراباً وتعقيداً.
ـ هل من صعوبات تواجهك كرسام كاريكاتير؟
- طبعاً.. الخطوط الحمراء وما أكثرها. الخطر الأكبر على الرسام هو الرقابة الذاتية.
ـ ما هي المواضيع التي تعالجها أكثر من غيرها في لوحاتك؟
- الهجرة الجماعية بكل أشكالها، الازدحام، الاحتفال، العادات والطقوس.
ـ هل الكاريكاتير شرٌ لا بد منه؟
- في المجتمع الذي لا يتقبّل فيه الحكّامُ والمسؤولون نقدَ أفعالهم، يصعب أو يستحيل، اللجوء إلى فن الكاريكاتير السياسي المباشر. بينما في التعبير بالرسوم الفكاهية والأشرطة المرسومة، حيث يوظِّف الرسام شخصيات من إبداعه، يمكنه بواسطتها انتقاد الأزمات وعيوب المجتمع.
ـ كيف على الفنان المبتدىء أن يطوّر نفسه؟
- أعتقد أن للطبيعة والمجتمع دوراً مهماً في تحديد المواهب. لهذا السبب فإن الدراسة والمال غير كافيين لخلق الفنان المبدع. لابد من الرغبة في التحدي، والغيرة على الهوية، والتضحية بالغالي والنفيس من أجل الحفاظ عليها.
ـ هل الرسم هو القادر على إبراز الفكرة أكثر من غيره من الفنون؟
- إن العصر الذي نعيش فيه يمجد الصورة ويستعملها في كل المجالات التي يشتغل فيها، سيما الإشهار والتواصل والاتصال. والرسام يستعمل الصورة لشرح المواضيع الجديدة. وتطوير الرموز والعلامات الشعبية والحفاظ على التراث المرئي وتشجيع المبدعين التقليديين.
ـ كيف تنظر إلى مستوى الكاريكاتير العربي، ومن هو الفنان العربي الأول في هذا المجال؟
- أصبح الرسم الكاريكاتيري يحظى باهتمام لا بأس به من لدن مدراء الصحف والقراء. الكاريكاتير يغزو، شيئاً فشيئاً، صفحات الجرائد. ومردُّ هذا إلى فضل عدد ضئيل من الرسامين المكافحين في صمت ضدَّ مقص الرقابة، والذين اختاروا التعبير بواسطة هذا الفن المشاغب. وأذكر من بينهم استافرو وحبيب وبهجت ومصطفى حسين والزواوي...
ـ هل رسام الكاريكاتير العربي حريته مقيدة من طرف الجهات الرسمية؟
- الجهات الرسمية لا تقبل الكاريكاتير وهذا أمر يمكن فهمه، لأنه يفضح سلوكها ويتّهمها بشكل مباشر. وأعتقد أن الرسام العربي بحاجة قوية لاستعمال بعض الدّهاء في تمرير أفكاره وبالتالي يعمل على تطوير هذا الفن وضمان بقاءه.
ـ لماذا لم يقف رسام الكاريكاتير العربي والمسلم موقف الرجولة في وجه من رسم ونشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم؟
- إنها رسوم تافهة قام بها رسامون معظمهم لا يتقن حتى فن الرسم، إنهم فقط جهلاء وعنصريون. أذكر أن موقع عرب كارتون اقترح إنشاء ملف خاص للرد على هذه السخافات وكانت هناك مشاركة قوية للكاريكاتوريين العرب وكنت ضمن المساهمين في هذا الرد.
ـ في أية مدرسة يمكن أن تصنف نفسك؟
- المدرسة التعبيرية والتلقائية المعتمدة على الخط والحركة.
ـ ما الذي يشدك إلى الرسم الكاريكاتيري؟
- التأمل في الحياة والمجتمع، محاولة فهم الواقع الدولي، والسياسي الداخلي. النقد عبر الفكاهة واقتراح وقفات تأمل.. ويعتبر الكاريكاتير الأقل خطراً، لفضح السلوك السيّئ عند المسؤولين والأشخاص العموميين..
ـ كنت أتمنى أن أسألك أسئلة كثيرة عن الفن التشكيلي وعن رسم الكاريكاتير، ولكن مساحة النشر لا تسمح أكثر من ذلك.. ختاماً ماذا تقول.. قل ما شئت؟
- أشكرك على هذه المبادرة الطيبة، لأنها تساعد على التلاقي بين الفنانين والأدباء، والتعاون فيما بينهم، خدمة للثقافة والفن في وطننا العربي العزيز.