جريدة "أراب نيوز" تحاور الكاتب السوري إسلام أبو شكير
ما الذي دفعك لاختيار الإقامة في الامارات؟..
جيد أن نبدأ الحديث عن الإمارات، فوجودي في هذا المكان ربما كان من أفضل الأشياء التي فعلتها في حياتي. إقامتي هنا تجاوز عمرها الاثني عشر عاماً، وخلال هذا الوقت تبلورت الجوانب الأبرز في تجربتي الأدبية، وهي ما تهمني أكثر من سواها. التأسيس كان بطبيعة الحال في سوريا، لكن النضج واكتمال الشخصية (أدبياً طبعاً) كان هنا. قد يكون للبيئة الثقافية في الإمارات أثر في هذا المجال، من حيث إنها شديدة التنوع، وتتمتع بقدر معقول من الغنى والانفتاح، فضلاً عن وفرة المؤسسات الثقافية الفاعلة التي تقدم فرصاً كبيرة لإثبات الذات.. قد يكون ذلك أحد العوامل التي شجعتني على الاندماج والتفاعل..
طبعاً لا يعني ذلك أن التحديات هنا لا وجود لها.. لكن مقارنة مع بيئات ثقافية أخرى أرى أن ما تعيشه الإمارات يصلح لأن يكون نموذجاً ملهماً، وبدون أي مبالغات فإن الإمارات تحولت إلى واحدة من أهم المراكز الثقافية العربية النشطة والطموحة.. وعلى المستوى الشخصي أعتبر نفسي محظوظاً لأن الظروف قادتني إلى أن يكون لي وجود هنا مهما كان متواضعاً..
l
ـ تجربتك في نادي القصة الإماراتي.. ماذا عن أثر النادي على مستوى الكتابة والثقافة؟.. ماذا عن دوره في اكتشاف المواهب الشابة بشكل خاصّ؟..
فيما يتصل بنادي القصة (وقد تغير اسمه مؤخراً إلى منتدى السرد) فهو أحد التشكيلات الأدبية التي تتبع لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، لكنه يمتاز عنها في أنه أقدمها من جهة، وأكثرها ثباتاً واستمرارية من جهة أخرى. ومنتدى السرد يعقد جلسات أسبوعية منذ أكثر من عشرين عاماً، ودون توقف على الإطلاق. وجلساته أقرب ما تكون إلى ورش العمل التي استفادت منها مجموعة كبيرة من الشباب الإماراتيين والعرب المقيمين، وتحول المنتدى إلى منصة انطلقت منها أسماء أصبح لها فيما بعد حضور قوي وفاعل في مجال الكتابة السردية الإبداعية، وفي مجال النقد المتخصص بفنون السرد أيضاً. لكن الأنشطة لا تقتصر على هذه الجلسات، فالمنتدى نجح في إصدار كتاب غير دوري اسمه (بيت السرد)، ثم تحول هذا الكتاب إلى مجلة فصلية رصينة تستقطب كبار الكتاب من داخل الإمارات وخارجها، كما استضاف المنتدى وفوداً من بلدان عربية كثيرة، وقام بزيارات إلى بلدان أخرى.. وللمنتدى أيضاً مسابقة خاصة به في القصة القصيرة هي مسابقة (جمعة الفيروز)، وله علاقات وأنشطة مشتركة مع كثير من المؤسسات الأخرى داخل الدولة.
تجربتي مع منتدى السرد (نادي القصة سابقاً) ومع اتحاد الكتاب في الإمارات عموماً مميزة جداً، واحتكاكي بأعضائه والفاعلين فيه (وقد أصبحوا أصدقاء شخصيين لي) وفرت علي الكثير من الوقت والجهد، وساعدتني في الإطلالة على عالم الإبداع في كثير من السلاسة والبساطة، تماماً كما ساعدت آخرين غيري أيضاً..
l
ـ البدايات.. متى كان ذلك؟.. ماذا تتذكر عنها؟.. ما سبب اختيارك عالم الكتابة بالذات؟..
ليس لدي الكثير لأقوله عن البدايات.. هي بدايات عادية جداً، وتشبه غيرها.. الجو الأسري.. المدرسة.. الأصدقاء.. القراءات.. بعض الأشخاص المؤثرين.. بعض المواقف.. لا شيء أكثر من ذلك..
أما لماذا اخترت الأدب، فلا أعرف بالضبط ما هو السبب.. لكنه عالم مثير في الحقيقة، وقد يكون للوالد الذي كان قارئاً جيداً، وله محاولات سابقة في الصحافة، والسياسة، والأدب.. قد يكون له دور في توثيق صلتي بهذا العالم، ما ساعدني في ما بعد على اكتشاف المزيد من إمكاناته، وجعلني في النهاية جزءاً منه.. هذا إذا استثنينا الميول الفطرية التي يجري الحديث عنها في مثل هذا السياق.. وإذا استثنينا أيضاً عامل إدراك الإمكانات الذاتية في وقت مبكر، والتركيز عليها، والحرص على عدم استنزافها فيما هو بعيد عنها..
l
ـ والقصة.. ما الذي جعلك تنحاز إلى هذا الفن تحديداً؟.. هل لذلك علاقة بطبيعتك الشخصية، أم أن للأمر أسباباً أخرى؟
ما قلته عن البدايات يصح كذلك على القصة.. لماذا القصة دون غيرها من فنون الأدب؟.. لكن يضاف إلى ما قلته إحساسي بأن القصة فن بكر قياساً إلى الشعر.. معظم أصدقائي في مرحلة التكوين المبكر كانوا من الشعراء، وقد خلق لدي هذا الأمر تحدياً ورغبة بضرورة أن أكون مختلفاً.. هذا الميل إلى الاختلاف شجعني على البحث في عالم القصة، وأظن أن حدسي هذا كان في محله، حيث اكتشفت أن القصة ما تزال فناً مفتوحاً على آفاق كثيرة، وما زالت إمكاناته قائمة لم تستنزف بعد..
ومع أن الفنون السردية (والرواية بالذات) تعيش عصرها الذهبي، فإنها ما تزال محتفظة بقدرتها على الإدهاش، والتأثير، إلى جانب القدرة على استيعاب الفنون الأخرى، والتفاعل معها.
وما يجعل القصة فناً مغرياً أنها فن الذات والموضوع معاً، ففيها مجال للتعبير عن الشخصي الحميم، تماماً كالتعبير عن الواقعي العام، أو الإنساني، أو الكوني..
l
ـ ألا تعتقد أنك بدأت بالنشر متأخراً؟.. ما أسباب ذلك؟
نعم.. بدأت النشر متأخراً.. وكان يمكن أن أتأخر أكثر.. فقضية النشر لم تكن تشغلني في تلك الفترة بقدر ما كانت تشغلني قضية التكوين.. أن أكوّن ذاتي، وأمتلك الحد الأدنى المقبول من درجة النضج.. لا أضع نفسي مثالاً هنا، فقد يكون لسواي وجهة نظر مختلفة في هذا الموضوع، ولربما كانوا على صواب أكثر مني.. لكن هذا ما حدث.. انتظرت إلى أن أصبح لدي نوع من الطمأنينة الداخلية بأن النص الذي أكتبه يصلح لأن ينشر دون أن يؤذي ذائقة أحد..
لكن لهذه الحالة جانب آخر يتعلق بمنافذ النشر في سوريا.. سواء عبر الصحافة، أو عبر المؤسسات الرسمية، وهذه كانت لها اشتراطاتها الخاصة التي لم تقنعني، لذلك انكفأت طويلاً.. إلى أن كان وصولي إلى الإمارات، ووجدت أن الصحافة هي التي كانت تطلب مني الكتابة، وبإلحاح، وأن المؤسسات الثقافية هي التي تلاحق المبدع، وتعرض عليه أن يتفاعل معها.. جو مختلف، وهو جو إيجابي أخرجني من حالة الانكفاء، وشجعني على النشر فيما بعد..
l
ـ يقول غونتر غراس: على المثقف أن يقف دائماً إلى جانب المهزوم.. ما هو برأيك دور المثقف العربي، لا سيما في المحن الكبرى، أو في المنعطفات الكبرى، و كيف تقوّم أداءه في مرحلة ما سمي الربيع العربي؟..
مشكلتي أثناء الحديث عن المثقف ودوره أنني لا أجيد التنظير.. لكن لا بأس من المحاولة للتعبير عن الرأي.. قناعتي الشخصية أن الأزمات ترتب على المثقف مسؤوليات مضاعفة.. فهو من جهة صاحب حق في الانشغال بمشاريعه الشخصية التي يراها البعض منفصلة عن الواقع، وهو من جهة أخرى مطالب بأن يكون له موقف تجاه الحدث الراهن..
المرحلة التي نمر بها الآن سترتب على المثقف خسائر مؤلمة بكل الأحوال.. مزيد من الانعزال والتقوقع حول الذات ستكون له نتائج أخلاقية، إذ لا يعقل أن يجري سيل الدماء تحت قدميه، دون أن يشعر أو يتأثر.. وبالمقابل فإن الانشغال بالحدث والاستغراق فيه سيفرض عليه الانتقال من موقع المتأمل المحلل أو المستشرف الرائي أو صاحب المشروع بعيد الأمد إلى موقع الشخص المهتم باليومي والتفصيلي دون إمكانية النظر فيما هو عميق أو بعيد..
تحدٍّ على المثقف أن يعيشه ويتحمل مسؤوليته..
l
ـ في سياق ما سمي الربيع العربي.. لماذا لم نشهد ثورات موازية على صعيد الثقافة، وكأن الثورات العربية محصورة فقط بتغيير أنظمة سياسية، مع الإبقاء على المجتمع على حاله من التخلف والتشرذم؟
الثقافة العربية ما تزال تقليدية للأسف، وهي بحاجة بكل تأكيد إلى مراجعة جذرية تعيد صياغتها وتشكيلها لتكون عصرية وحية وقادرة على التفاعل مع المستجدات في كل المستويات.. لكن هذا لا ينفي على الإطلاق ضرورة التغيير السياسي. الربيع العربي تعبير مباشر عن حاجة المجتمع إلى وضع حد لقوى التسلط والاستبداد، وفتح النوافذ أمام تغيير آخر يشمل البنى الثقافية والاجتماعية.. جزء أساسي من أزمة التغيير يكمن في تجذر القوى السياسية الحاكمة، وحرصها على خنق أي رغبة في الإفصاح حتى عن الحلم الشخصي..
ما حدث في المنطقة لم يكن استجابة لدعوة أطلقها طرف من الأطراف، بل كان نتيجة حتمية وطبيعية لحالة الحصار الخانق التي عانى منها الإنسان العربي على مدى عقود طويلة.. الأنظمة وحدها من تقول إنه بفعل فاعل.. ومثقفو الأنظمة وحدهم من يزعمون أن الربيع العربي جاء قبل أوانه، ويرون ضرورة أن يكون مسبوقاً بتغيير آخر أعمق في محاولة تهريجية لتبرير اصطفافهم مع القتلة..
l
ـ ما الذي قذف بك ـ وأنت الكاتب والمثقف ـ إلى أتون السياسة ومستنقعاتها؟..
أنا لا أعد نفسي جزءاً من عالم السياسة على الإطلاق.. وأرفض ذلك.. فأنا لم أنتم إلى أي حزب، أو تجمع، أو هيئة، كما لم أشترك في أي نشاط سياسي.. نعم.. كنت خلال السنوات الثلاث الأولى نشطاً في الإعلام، وكنت أتحدث دائماً عبر أكثر من فضائية، وأكتب في الصحافة، ولكن لم أكن أفعل ذلك من موقع السياسي، بل بدافع الإحساس بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه شعب يتعرض للإبادة.. وعندما شعرت أن هذه الظهورات الإعلامية يمكن أن تقودني إلى عالم السياسة توقفت عنها كلياً.
لا أدين السياسيين هنا، ولا أتهمهم، ولا أترفع عن عملهم، لكن إمكاناتي وطبيعة عملي مختلفة كلياً. أنا أعلم يقيناً أنني لا أصلح للسياسة، ولا تصلح لي.. لذلك كنت واضحاً مع نفسي في هذا الأمر منذ البداية، وقلت: إذا أردت أن يكون لي دور ففي مجال آخر مختلف..
l
ـ كيف تقرأ المستقبل السوري، وفق معطيات ما يحدث على الجغرافيا السورية، وفي مطابخ السياسة الدولية وفي خضم هيمنة قوى الارهاب والتطرف؟
قلت سابقاً إنني لست سياسياً، وليست لدي قراءات حول مستقبل سوريا، لكن رصيدي المتواضع من المعرفة والوعي يسمح لي أن أؤكد بأن القتلة يقامرون على المستحيل، وأن سوريا دفعت وستدفع أثماناً باهظة، لكن المقابل سيكون عظيماً أيضاً، وفي مستوى ما يحلم به السوريون. لن يكون ذلك غداً أو بعد غد. صحيح. لكن من قال إن شعباً حياً على مر التاريخ نام وهو مضطهد، واستيقظ في اليوم التالي وهو حر؟.. نحن نتحدث عن عملية تحول تاريخي معقد، أي عن ولادة عسيرة يتخللها الكثير من الألم..
l
ـ حدثنا عن روايتك الأخيرة التي قلت إنها كتبت خلال أسبوعين..
تسألني عن روايتي الأخير. والحقيقة أنه ما زال الوقت مبكراً لتصنيفها على أنها رواية.. لي عمل سابق اسمه (القنفذ)، وهو أقرب في بنيته الفنية إلى القصة الطويلة منه إلى الرواية. وكذلك الحال بالنسبة للعمل الجديد.

أنجزته خلال أسبوعين، نظراً لأن الحالة كما يبدو لي كانت مختمرة قبل ذلك بزمن طويل، لكن هذا لا يعني أن العمل اكتمل. سأتركه الآن شهراً أو أكثر، وسأعود إليه، وأنا واثق أن تغييرات كثيرة ستطرأ عليه. لا أريد ان أكرر تجربتي مع (القنفذ) الذي نشرته بعد الفراغ من كتابته مباشرة، وأدركت بعد ذلك أنه كان يمكن أن يكون أنضج لو ترك فترة أخرى من الوقت.
***