كأس اللبن

د. ماهر صيَّادي قرأها 717
  

كأس اللبن

د. ماهر صيّادي

في إحدى الأيام، كان الولد الفقير الذي يبيع السلع بين البيوت ليدفع كلفة دراسته، قد وجد أنه لا يملك سوى عشرة سنتات لا تكفي لسدِّ جوعه، لذا قرر أن يطلب شيئاً من الطعام من أول منزل يمرّ قربه. ولكنه لم يتمالك نفسه حين فتحت له أول باب طرقه شابة صغيرة وجميلة.. وبدلاً من أن يطلب وجبة طعام، طلب كأساً من الماء.

وعندما شعرت الفتاة بأنه جائع، أحضرت له كأساً من اللبن، فشربه ببطء وسألها:

-       بكم أدين لك؟

فأجابته:

-       إنك لا تدين لي بشيء.. لقد علمتنا أمنا أن لا نقبل ثمناً لفعل الخير.

فقال:

-       أشكرك إذاً من أعماق قلبي.

وعندما غادر هوارد كيلي المنزل، لم يكن يشعر بأنه بصحة جيدة فقط، بل أن إيمانه بالله وبالإنسانية قد ازداد، بعد أن كان يائساً ومحبطاً.

بعد سنوات، تعرضت تلك الشابة لمرض خطير، مما أربك الأطباء المحليين، فأرسلوها إلى مستشفىمتخصص في أقرب مدينة قريبة، حيث تم استدعاء الأطباء المتخصصين لفحص مرضها النادر. وكان على رأس أولئك الأطباء الدكتور هوارد كيلي للاستشارة الطبية، وعندما سمع اسم المدينة التي قدمت منها تلك المرأة، لمعت عيناه بشكل غريب، وأنتفض في الحال عابراً المبنى إلى الأسفل حيث غرفتها، وهو مرتدياً الزي الطبي، لرؤية تلك المريضة، وعرفها بمجرد أن رآها، فقفل عائداً إلى غرفة الأطباء، عاقداً العزم على عمل كل ما بوسعه لإنقاذ حياتها، ومنذ ذلك اليوم أبدى اهتماماً خاصاً بحالتها.

بعد صراع طويل، تمت المهمة على أكمل وجه، وطلب الدكتور كيلي الفاتورة إلى مكتبه كي يعتمدها، فنظر إليها وكتب شيئاً في حاشيتها وأرسلها إلى غرفة المريضة. كانت خائفة من فتحها، لأنها كانت تعلم أنها ستمضي بقية حياتها تسدّد قيمة هذه الفاتورة.

أخيراً .. نظرت إليها، وأثار إنتباهها شيءٌ مدونٌ في الحاشية، فقرأت تلك الكلمات:

"مدفوعة بالكامل بكأس من اللبن"

التوقيع: د. هوارد كيلي

  إغرورقت عيناها بدموع الفرح، وصلّى قلبها المسرور هذه الكلمات:

"شكرا لك يا إلهي، على فيض حبك ولطفك الغامر والممتد عبر قلوب وأيادي البشر".

لا تبخلوا بفعل الخير.. تذكروا أنه "أما تديِّنوا تستردوا" والحياة دينٌ ووفاء.

فإن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة إن شاء الله.