الالتزام وحرية البحث والتفكير

عطية مسوح قرأها 5
 

من أعقد المشكلات التي واجهتها الأحزاب والحركات اليسارية في القرن العشرين، مشكلة العلاقة بين الالتزام والتفكير. إذ إن بينهما تناقضاً طبيعياً أساسيا.

فالالتزام يقتضي من عضو الحزب أن ينفِّذ ما يقرّره حزبه، أي قيادة حزبه، أو مؤتمراته. وأن يتقيد في سلوكه اليومي وعلاقاته وأحاديثه ونشاطه السياسي، تقيداً كاملاً بالخط العام للحزب، سياسياً وفكرياً، وأن يبدع، إن كان قادراً على الإبداع، في إيجاد الحجج والبراهين التي تجعل شرحه لسياسة حزبه وأفكاره أكثر إقناعاً للناس. بينما يقتضي التفكير أن ينعم عضو الحزب النظر في سياسة حزبه وأفكاره ومواقفه، وأن يقارنها، كل يوم، مع مستجدات الحياة، مع الأحداث والأفكار والأفعال التي يطلع عليها أو يراها، أو التي تثيرها لديه علاقاته بمن حوله، أي أن ينظر إلى سياسة حزبه ومواقف قياداته، وإلى الأفكار المعتمدة أيضاً، نظرة نقدية ساعياً إلى الكشف عما فيها من أخطاء أو نواقص أكانت كبيرة أم صغيرة.

وظنت الحركات والأحزاب أنها وجدت حلاً لمثل هذا التناقض الأساسي، حين توصلت، فيما يتضمنه مبدأ (المركزية الديمقراطية) إلى أن لعضو الحزب الحق، كل الحق، في طرح تساؤلاته أو انتقاداته أو آرائه المخالفة لما هو مقرّر، ولكن داخل الهيئات الحزبية حصراً، أي في الفرقة أو اللجنة القيادية إن كان عضواً فيها، أو أمام ممثل الهيئة الأعلى إن حضر، أو في رسالة يوجهها إلى القيادة. وقد لا يقتنع صاحب الرأي المختلف بما يجاب به، وهذا حقه أيضاً، لكن عليه أن يحتفظ برأيه، ويضعه جانباً في نشاطه العملي، مغلباً الالتزام على التفكير.

خلاصة ذلك أن عضو الحزب لا يستطيع أن يعلن رأيه المخالف للمقرّر خارج إطار هيئته، لا يستطيع أن ينشره في الصحافة أو يطرحه أمام رفاقه وأصدقائه وغيرهم، لأن هذا يلغي وحدة العمل ويهزّ صورة الحزب في أعين الناس.

كان لهذا المبدأ أثر سلبي كبير على علاقة الأحزاب بالمثقفين والمفكرين الذين انضموا إليها في مختلف المراحل. ويدل هذا على أن الأحزاب لم تستطع أن تجد صيغة للتعامل البنّاء مع التناقض الطبيعي بين الالتزام والتفكير. فإضافة إلى أن الصيغة التي يتضمنها مبدأ المركزية الديمقراطية لا توصل إلى التعامل البناء المطلوب، فإن للقادة وأمزجتهم دوراً سلبياً إضافياً إذ يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان مدفوعين إلى الحذر من الرأي المخالف، ولا سيما رأي المثقف أو المفكر، فيلجؤون إلى (وضع حد له) بأشكال وأساليب مختلفة.

ولقد ذكر الرفيق يوسف الفيصل، رئيس الحزب الشيوعي السوري في كتابه (ذكريات ومواقف) الكثير من المعلومات التي تثبت ذلك، وبيّن دور نزعة القائد الفردية وضعف الديمقراطية الحزبية في إقصاء الكثيرين من أعضاء الحزب ومفكّريه عن مواقع القرار أو التأثير، بسبب اختلاف آرائهم عن الرأي الرسمي المقرر، الذي هو رأي القائد الشخصي.

ولعل التناقض الذي ذكرناه يكون أشد تأثيراً وأفدح ضرراً حين يتعلق بباحث أو عامل في الحقل الفكري من أعضاء الحزب. فمن البديهيات أن البحث في الفكر والفكر السياسي يحتاج إلى حرية للباحث في طرح الفرضيات والوصول إلى البراهين، ومناقشة الأحداث والوقائع والمواقف، والتمحص بعموميات الفكر وتفاصيله، فتاريخ الحركة ومواقفها ومواقف قادتها، أشخاصاً وهيئات، وسياسة الحزب وقرارات مؤتمراته وغير ذلك، هي كلها بالنسبة للمفكر أو الباحث الحزبي مادة للدراسة والنقد والتقويم، بعيداً عن التقريظ والمدح والانحياز أو التجني. إن عليه أن يضع جانباً عواطفه الإيجابية التي يولّدها انتماؤه، وأن يسعى بقدر ما يستطيع من الموضوعية كي يصل إلى استنتاجات يراها صحيحة، ويعلنها، بغض النظر عن تطابقها أو عدم تطابقها مع ما هو رسمي مقرّر في هيئات الحزب. فواجب الباحث والمفكر هو واجب نقدي بالدرجة الأولى، انطلاقاً من أن النقد هو وسيلة تخليص الأفكار والمواقف والسياسات من أخطائها.

ولا شك في أن الباحث أو المفكر قد يخطئ، وقد تخطئ مجموعة باحثين ومفكرين، لكن هذا لا يلحق ضرراً أو أذى، لأن ما يضعه المفكر أو مجموعة المفكرين هو أيضاً مادة للنقد والدراسة، وقد ينقد باحث ما توصل إليه وصاغه باحث آخر، وقد يعود الباحث ذاته إلى رأيه مدققاً أو مغيّراً، لأنه يطبق منهجه النقدي على ذاته أيضاً.

قد يخرج الحزبي الباحث أو المفكر على المألوف، وقد لا تتطابق بعض استنتاجاته وآرائه مع تفاصيل سياسة حزبه أو مع بعض مواقفه، أو مع بعض جوانب خطه العام، وتعامل القيادة الحزبية مع مثل هذه الحال تعاملاً إيجابياً جوهره الإقرار بالتنوع وحرية التفكير والتعبير، هو دليل صحة وحيوية، ويعود على الحزب أو الحركة بالفائدة، والفائدة فقط.

أما التزام المفكر والباحث فهو ضروري ومطلوب، ولكنه التزام بالخيار الذي اختاره، بالضفة التي وقف فيها، إنه لدى المفكر والباحث الماركسي، التزام بالعدالة والخيار الاشتراكي والنزعة الإنسانية والمصلحة الوطنية العليا، وحرية الإنسان وحقوقه، وحقوق الكادحين بأدمغتهم وسواعدهم، التزام بالمنهج النقدي الجدلي التاريخي، مستلهماً إياه في كل أبحاثه، وفي قراءته لكل الظاهرات، ومنها نشاط الحركة التي ينتمي إليها.

تلك هي حدود حزبية المفكر أو الباحث، وعلى هذا الأساس فإن الصيغة الوحيدة القادرة على احتضان المفكرين والمثقفين ودفع الحركة الفكرية والثقافية إلى الأمام، هي صيغة الإقرار بالتنوع وصون حرية التفكير والتعبير على نطاق الحزب والدفاع عنها على نطاق الوطن.