حول الشِّعرِ والشّاعر
حول الشِّعرِ والشّاعر
إيلي مارون خليل
ألشِّعرُ، كموضوع، لا ينتهي الحديث عنه وفيه، ولا يقال إنّه بات موضوعًا قديمًا بهُتَ فلا يؤتى فيه بجديد، أو مُغايِر، أو شخصيّ، أو مبتكَر... فمنذ فجر العاطفة والفكر، فجرِ الوِجدان، والإنسان يتحدّث شِعرًا بالعينَين وملامح الوجه والابتهالات الرّوحيّة والإشارات الجسديّة... فلا فصلَ، حياةً، بين روح وجسد، وإلاّ فموت محَتَّم، ويباس وجمود. وأتت الكتابة تجسيدًا لِما في الذّات البشريّة من انفعالات وأمنيات وآهات وفِكَر ومعتقدات وأمور أخرى...
والشِّعرُ، بما هو تعبير وِجدانيّ صادق حميم، هو، في الوقت عينِه، شكلٌ من أشكال الصّلاة الحارّة، الخاشعة؛ ونوعٌ من أنواع المناجاة الحالمة، المتوهِّجة؛ وانحيازٌ عميق إلى العصف، حينًا، والرّقّة حينًا؛ إلى الانفجار الثّائر، مرّة، والاستكانة الهادئة، مرّات؛ إلى القلق الدّافق، المثمِر، لحظة، وإلى الطُّمأنينة المسالمة، الوادعة، لحظات... وهو، في كلّ حالة، إشراقُ بَيانٍ، وحُسْنُ إيقاعٍ، ومتانةُ تركيبٍ، وصَوابُ فكرٍ، وعمقُ عاطفةٍ، وغِنى وِجدان.
وليكون الشِّعر كذلك، على الشّاعر، بِدَوره، أن يكون شخصيّة راقية، نفسيّة غنيّة، قلبًا دافقًا، فكرًا نيِّرًا. فكيف يتأمّن له ذلك؟ وإلّم يحصُل هذا، فما تكون النّتيجة؟
من جهة، هذا لا يتأمّن. ومن جهة، يكون موجودًا. ليتأمّن، يعني أن يأتي من مكان، أيِّ مكان؛ أن "يسقط" من "خارج". أيّ خارج. وليكون موجودًا، يعني أنّه "مولود" بالفطرة، هذه الّتي يقال إنّها الموهبة. لكنّ الموهبة، إلى ذلك، مِراس وتقنيّة، إرادة ووعي، دُربةٌ في كلّ حال. هذه "تتأمّن" لأنّها "موجودة". إذًا هي "موجودةٌ" ل"تؤمِّن" المطلوب. ألمطلوب: موجودًا ومؤمَّنًا، جوهرُ المعاناة الإنسانيّة الصّادقة، يُعَبَّر عنها بكلمات/صوَر/إيقاعات/تراكيب، جديدة كلُّها، شخصيّة، خصيبة، رائية، مبتَكَرة. وهذه ليست بالسّهولة المُتَصَوَّرة. إنّ الأمر لَصعبٌ، بل غايةٌ في الصّعوبة. إلاّ بعد طول جهد في المِراس والدُّربة لاكتساب التّقنيّة بإرادة واعية. هكذا "يبلغ" الشّاعر "نضجَه"، فينسكب شِعرُه، يسيل، يترقرق: هانئا، صافيا، كأنْ لامتناهي العفويّة والسّهولة. أقول: كأنْ، لأنّ الأمر ليس كذلك. يتراءى لك أنّه بسيطٌ، سهل، عفويّ، لأنّ الشّاعر، متمرِّسٌ، وقادر، وصائغ، وماهر، يستطيع أن يُخفي عذابَه "الجميل"، وألمَه "الخَلاّق"، فيظهر كالنّهر المنساب حرًّا، أصيلا، مؤثِّرا، موحِيا. على أنّ الشِّعر "موحى"؟ لا يُظَنّ! هذه قديمة. لا "شياطين" تُلّقِّنه، ولا "جنّ". ألشِّعر لا "يسقط" ولا "يأتي". ألشِّاعرُ "صيّادُ" رؤيا، رؤية، صورة، فكرة، لفظة، تركيب... ألشِّعر "يطلع" من الذّات. يتفجّر فيها، ومنها يتدفّق. ألشّعر إتقانٌ داخليّ، رصينٌ همجيّ، هادىء ثائر، لكنّه منتهى الصّدق، كلَّ آن.
وعليه، فإنّ الشِّعرَ فنٌّ ونِعمةٌ ورؤيا.
هو فنٌّ سامٍ، راقٍ، مميَّز؛ يسمو بصاحبه إلى الأرقى، ويجعله مميَّزًا في مُحيطه وأيِّ محيط. وصاحبُ الشِّعرِ، هنا، ليس الشّاعرُ فحسب. إنّه القارىُ والسّامعُ. إنّه المُتَذوِّق. ألمُتَلَقّي الشّفيف. خصوصًا المُثقَّفُ، المُحَلِّلُ، المُؤوِّل.
ألثّقافةُ تُغني القصيدة. تُغني التّحليل. تُفَرِّعه. ترى، في القصيدة، ما قد لا يكون مرئيًّا فيها. ما قد توحي إليه أو تشير؛ وما قد لا تكون توحي إليه ولا تشير. كيف ذلك؟ ألثّقافةُ مشاركةٌ في الكتابة الرّاقية. والقصيدةُ، في ذاتها، كاشِفةٌ لثقافةِ شاعرِها والمتلقّي، معًا، وإلاّ فلا قيمة لأيٍّ منهما.
والتّحليلُ يُغني القصيدة. يُخصِبها. يوَهِّجها. يرى إلى الموضوع والغاية، إلى النّفسيّة والدّافع، إلى الثّقافة والشّخصيّة. يرى إلى الأقسام وترابُطها. إلى البُنْيةِ الجميلة، الكلّيّة. يُفَكِّكُ التّركيب: كلماتٍ وتعابير، تقديمًا وتأخيرًا، بساطةً وإتقانًا، عفويّة وصياغة... ويُفَكِّكُ الصّورة: أسبابًا وملامح، معاني ورؤى، تجديدًا وابتكارًا... والوجوهَ البديعيّة: دورًا وإيقاعًا، مساواة أو إطنابًا، لفظًا أو معنى... إنّ التّحليلَ، بِدَوره، كتابةٌ جديدة، قراءةٌ، كلَّ مرّةٍ، جديدةٌ، مُجَدِّدة.
وكذلك التأويل. يجعلُكَ تفهمُ غيرَ ما يفهمُ الآخَرون. أعمقَ ممّا يفهم الآخَرون. أبعدَ ممّا يذهب الآخَرون. أجملَ ممّا يتوهَّم الآخَرون. كلُّ تأويلٍ للقصيدةِ، يجعلُها قصيدة جديدة، كلّ مرّة جديدة. فالقصيدة قصائد، وليس فقط بالنّسبة إلى القرّاء الكثيرين، إنّما وأيضًا، بالنّسبةِ إلى القارىء المُحلِّل المؤوِّل نفسِه.
هذا، لأنّ المُثَقَّفَ الحقَّ، خصبُ الخيال، غنيُّ الفكرِ، واعٍ، متنبِّهٌ، يَقِظٌ، مسؤولٌ، راءٍ... تمامًا كما الشّاعر.
والشّعرُ نِعمة. ألنِّعمةُ، هنا، ليست الموهبة. هذه طاقة موجودة لا فضل للشّاعر فيها. ألنّعمة، هنا، فضيلةُ الإرادة والصّبر. "يريد" الشّاعرُ أن يكتب قصائد. أن يكون "الشّاعر". يعمل على هذا الأساس. بالمطالَعة. بالتّثَقُّف. بالتَّحليل. ثمّ بالدُّرْبة. ألمطالعةُ رغبةٌ في الاكتشاف الجديد، إكتشاف المفيد. يختار ما يقرأ. في الاختيار تضحية. يعرف، الشّاعرُ، ذلك. فيعرف بماذا يضحّي، ومتى، ولماذا. كلُّ مطالعةٍ إضافة. كلُّ إضافة إفادة. كلُّ إفادة خدمةٌ للشّاعر، وخبرة. ألمطالعة تأتي بالثّقافة. ألثّقافةُ اختمار المطالعات فيه وقدرةُ تحليلها بعمق. هذا الاختمار ثروة الشّاعر، في لحظة الكتابة الّتي هي لحظة الخَلق. ألخَلْقُ ليس بسيطًا، ولا عفويًّا. ألخَلْقُ نتيجةُ ما سبقَ من مطالعات وثقافة وتحليلٍ واختمار، يزاد إلى ذلك الدّربة. ألدُّرْبةُ استمرار. إستمرارٌ صعب. ما يتطلَّبُ الصّبر. يفشل مرّة؟ أمر طبيعيٌّ في المحاوَلات، على امتداد العمر. يحاول من جديد. كلَّ مرّة بنفَسٍ جديد، بثباتٍ عنيد. وينجح. "ألعارفُ" يفهم أنّ النّجاح، مهما سما، يبقى "بعضَ" نجاح. لذلك تستمرّ محاولاتُه، على أمل أن تأتي، كلُّ محاولةٍ، أفضل من تاليتها. إلى ما لا نهاية، ومدى العمر الفنّيّ. ليقترب، أكثر ما يُمكن، من "مثاله" الأعلى للفنّ، للجمال، للكمال.
والشِّعرُ رؤيا. ذاتيّةٌ، وِجدانيّة، شموليّة، إنسانيّة. كلُّ شاعرٍ راءٍ. رؤيويّ. ألرّؤيا اكتشافٌ "صدفويّ"، عفويّ، للمخبوء. كما قد يكون "وليد" الإحساس والخيال والحلم و"قراءة" الأحداث. كأنّ ذلك يكون نتيجة طبيعيّة للمطالعات، للثّقافة، لقدرة التّحليل، للتّأويل: تأويل الأحداث، نتائج ومظاهر وأسبابًا.
إنّ الشّاعرَ يرى إلى البعيد، فالأبعد، فالغامض، فالمجهول، ببصيرةٍ نقيّة، شفيفة، صافية، صائبة. من هنا أنّ في كلّ شاعر نبيًّا. وإلاّ، فشِعرُه قصيرُ المدى، مختنِقُ النَّفَس، لا نبض فيه، فلا حياة له. يُخسِّرُ الشّاعرَ، شاعرَه، حياتَه الأهَمّ. فلكلّ شاعر(وتاليًا كلّ فنّان)، عمران: عمر الجسد وينتهي بموته، وعمر فنّيّ، ربّما بدأ بموت الجسد. هو الّذي يستمرّ.
تبقى الإشارة إلى أنّ الشِّعرَ نشوةٌ تُثير انتشاءً عند الشّاعر نفسِه، وعند المتَلَقّي. ولهذا حديثٌ آخر.
ألثُّلاثاء 25/8/2009
(لونغ بيتش/كاليفورنيا)