دراسة أوليّة لاقامة مشروع متحف خاص بالقطارات في رياق

الياس بطرس معلوف قرأها 2,586
  

دراسة أوليّة لاقامة مشروع متحف خاص بالقطارات في رياق

الياس بطرس معلوف

لمحة تاريخيّة

سنة 1891، سُمح للبنان، الذي كان جزءاً من السلطنة العثمانيّة، بإنشاء أول سكّة حديديّة، فكانت سكّة رياق التي أقامتها "الشركة الفرنسيّة للسكك الحديديّة" و"الشركة العثمانيّة الاقتصاديّة". وتمتدّ هذه السكّة من بيروت إلى دمشق فحوران.

في أول آب سنة 1895، انطلق أول قطار من مرفأ بيروت باتّجاه محطّة رياق الحديديّة حيث كانت بانتظاره عدّة شخصيّات رسميّة أتت من أوروبا ومن البلدان المجاورة للاحتفال بانطلاق ما عُرف بتاريخ السكك الحديديّة في الشرق الأوسط.

RRWBW01.jpg 

سنة 1912، تمّ وصل هذه السكة بالعالم العربي وبأوروبا وبأفريقيا. لقد كانت السكة تستعمل وسيلة نقل أساسيّة في ذلك الحين. وأصبحت أيضاً حلقة في شبكة السكك الحديديّة العابرة للقارات، التي كانت تنقل الناس والبضائع وحتى الملوك وجيوشهم.

عدا أن ريّاق تضمّ محطّة كبيرة للقطارات، فقد كانت تشتهر في ذلك الزمان بأحد أشهر مصانع القطارات في المنطقة. وكان بمقدور مهندسي المصنع أن يصمّموا ويحوّلوا القطارات القديمة ذات أنابيب عاملة على الفحم إلى قطارات تعمل على البترول.

 RRWBW02.jpg

خلال الحرب العالميّة الثانية، استُعمل هذا المصنع لإصلاح العتاد الحربي والأسلحة. في ذلك الحين، تمّ تكليف فريق من المهندسين في قاعدة ريّاق الجويّة العسكرية بتصميم وبناء قطع لطائرات للجيش الفرنسي، ثمّ تمّ نقلها إلى مطار رياق حيث ضمّها مهندسو القاعدة الجويّة إلى هياكل جديدة، وهكذا حلّقت في السماء طائرات رياق.

 RRWBW03.jpg

وفي العام 1976، أقفلت السكّة الحديديّة في ريّاق بسبب الحرب في لبنان، فتمّ القضاء على أكثر من خمس وثمانين سنة من النجاح والمآثر. لقد مرّت ثلاث وثلاثون سنة على هذه المؤسسة التي تناهز المئة عام، اضطرّت فيها إلى الصمت ثمّ الإضمحلال.

 RRWBW04.jpg

Rayak01.JPG

وصف الموقع

تقع مدينة ريّاق في وسط وادي البقاع بين مدينتي زحلة وبعلبك السياحيّتين. اشتهرت فيما مضى بمطارها العسكري، ومختبراتها الزراعيّة، ودُورها السينمائيّة القديمة، ومطاعمها ومدارسها الضخمة وقواعدها العسكريّة الدوليّة. لا شكّ أن سككها الحديديّة هي التي وفرّت لها كلّ هذه الشهرة والنجاح.

وتنقسم هذه السكة الحديديّة إلى قسمين: المحطّة والمصنع.

المحطّة:

تصل مساحتها تقريبًا إلى 35395 متراً مربعاً، وتتألف من تسعة مبانٍ: فندق كبير(L’Hôtel du Buffet)، مبنى المحطة الأساس، مبنى المكاتب، مبنى لقطع التذاكر والعلاقات العامة، نقطة عسكرية، مبنى البريد، إستراحة الموظفين، ومبنى لمكتب الأمن.

في الجهة الشرقيّة للمحطّة، هناك خطّان حديديّان، خطّ مستقيم وخطّ مقوّس. الخطّ المستقيم، الذي يصل المحطّة ببيروت وبقاعدة عسكرية بريطانيّة على تلّة تربل شرقي ريّاق، والتي كانت قائمة في فترة الحرب العالميّة الثانية حتى العام 1940؛ فيما الخطّ المقوّس يصلّ المحطة بالمصنع ومنه الى مدينة حمص وخطّ بيروت الجديد.  وكان على الجهة الغربيّة للمحطّة سكّة حديديّة تصل المحطّة بدمشق.

تنقسم جميع هذه السكك الثلاث إلى سبعة قضبان متّصلة الواحد بالآخر، في الجهة الشماليّة للمحطّة خمسة أقسام، ثلاثة منها استُعملت للركاب واثنان لنقل الأمتعة والمواد. أما القسمان الآخران فقائمان في الجهة الغربيّة للمحطّة وقد استعملا لإعادة توجيه القاطرات.

المصنع:

تصل مساحته تقريبًا إلى 133430 متراً مربّعاً، ويتكوّن من ثمانية وأربعين مبنى، تنقسم كلّها إلى وحدتين أساسيّتين: مخازن ومصنع: يتألف المخزن من ثلاثة وعشرين مبنى، واحد منها فقط كان يستخدم كمحطّة. أما قطع الغيار الموضوعة في هذه المخازن فهي التي يتمّ استيرادها وتوضيبها هناك؛ وكانت مرائب سبعة تحتوي على قطع غيار وعلى مواد أوليّة. فيما كان مبنى آخر يستعمل كغرفة تجهيز، وثمة ثلاثة أبنية للمكاتب، وتسع غرف للتخزين، وصالون لأمناء المخازن وغرفة لحرس المحطّة.

ويتألّف المصنع من خمسة وعشرين مبنى. ينقسم أحد المباني الذي يتكون منه المصنع الضخم إلى عدة أقسام. تحتوي هذه الأقسام قسماً لتذويب المعادن وغسلها، وآخر لإصلاح المعدات، وآخر للمكننة، وصالة أساسيّة للمخارط، ومشغلاً للسباكة، ومكتباً للتدقيق، وغرفة لضغط الهواء، ومركزاً للطلي والتلوين، وقسماً لإصلاح الفرامل، وثلاثة مصانع للسبك والتعدين وثلاثة أمكنة أيضًا للتجميع. أما المباني الأخرى فقد أطلقت عليها أسماء بحسب وظائفها: النجارة، غرفة إصلاح الساعات البخارية، مكاتب المهندسين، المستوصف الطبي، غرفة الكهرباء، موقف القاطرات، المطعم، قاعات النوم، مركز التحويل، مركز الجرّ، المرآب، مبيت المخازن، محطّة أصحاب العمل، مركز التسفين، الشفرة القاطعة، مكتب التذاكر، برجا الأمن مع أربع حجرات، مركز لتخزين الوقود، ومركز للتغذيّة.

في الجهة الشماليّة للمصنع، كانت ثمّة سكة تمرّ فوق طريق بعلبك الرئيسة لوصل المصنع بحمص وبيروت. وفي الجهة الغربيّة للمصنع كانت هناك سكّة توصل المصنع بالمحطّة الرئيسة.

وصف المشروع

تؤمّن السياحة للبنان المدخول الأساس، ولكن تنقصه المتاحف ولاسيّما تلك التي تُظهر تاريخه المعاصر والحديث. إذا ما حوّلنا محطّات القطارات ومصانعها إلى متحف كبير، فإنّ كلّ تاريخ موقع ريّاق وجماله سيجذبان آلاف السائحين من مشارق الأرض ومغاربها. وسيتمكّن المتحف العتيد أن يصبح أكبر متحف للقطارات في المنطقة.

لقد كان لسكّة ريّاق الحديديّة دوراً كبيراً في تاريخ لبنان كما هي تؤرخ لذاكرة منطقة تتعدى مدينة ريّاق الى المنطقة وخارجها، وما تبقّى من هذه السكّة التي بلغت 110 أعوام يُعيد ذكريات من ماضٍ رائع لموقع يمتدّ على مساحة 170000 متر مربّع تقريبًا، وتنتصب فيه مئات النحوت المعدنيّة على شكل قطارات إلى جانب مئات الأدوات والأجهزة المتناثرة هنا وهناك، وتشرف مبان عتيقة تحيط بها السكك الحديديّة من كلّ الجوانب. الكثير من الأشجار تحيط بذاك القطاع، ويتمتّع بعضها بقامة عملاقة تتخطّى الأمتار العشرة. كما أنّ حيوانات بريّة كالثعالب والبوم تلجأ إلى هذه المحطّة بعد هجرها. بعض القطارات عاشت أكثر من قرن في ريّاق. وهذه القطارات هي التي بقيت بعد الحربين العالميّتين وحملت معها قصص العساكر وحروبهم وأخبار المدنيّين وأسفارهم وقصص حبّهم ولقاءاتهم. ثمّة أكثر من ثلاثين قاطرة في مصنع رياق بالإضافة إلى مئتي عربة تقريبًا تنتظر أن تتحول الى حكايات يرويها من ركب عرباتها أو من عبر محطتها.

إرث ثقافي

أينما حللتَ في محطة رياق الحديديّة يمكنك أن تجد مئات أنواع الأدوات المختلفة التي تمّ استعمالها في ذلك الحين. وإن معظم تلك الأدوات مصنوعة من المعادن والخشب استعملها عمّال المصنع لصيانة الخطوط الحديديّة والقطارات. في أيّامنا الحاضرة، وبعد اختراع أدوات آليّة جديدة ووسائل نقل حديثة، يمكن اعتبار تلك الأدوات والقطارات وسككها إرثاً ثقافياً وتاريخياً تصلح لضمّها إلى المجموعات الأثريّة لأنّها لم تعد تستعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود زمنيّة.

أمّا الأبنية المحيطة بالسكة الحديديّة فإنّها تضفي على الموقع الكثير من الرونق. لقد صمّم هذه البنايات مهندسون فرنسيّون وتمّ بناؤها في ثمانينات القرن التاسع عشر. وهذه المباني المنتشرة هنا وهناك في المحطّة ، كانت تستعمل كمصانع أو كفنادق المحطّة، ولمّا يزل معظمها في حال جيّدة.

أشجار ونباتات نمت وكبُرت على أرض المحطّة، بعضها نما في أماكن غير متوقّعة داخل المباني والقاطرات وتحت العربات. هذه التحولات حوّلت السكة الحديديّة إلى روضة طبيعيّة تعشّش فيها الطيور وتلجأ إليها بعض الحيوانات البريّة.

تشكّل هذه الوقائع عناصر أساسيّة للقيام بهذا المشروع الذي يحتاج لإعادة ترميم مبانيه وساحاته ليقدّم إلى زائريه إطارًا سياحيًّا حقيقيًّا ومميّزًا. ولا ريب في أنّه سيجذب إليه السائحين من أقطار العالم كافة.

مسار تطوّر المشروع

إن تحويل مصنع القطارات والمحطّة إلى متحف، عملٌ يتمّ في مراحل كثيرة. في البداية من الضروري القيام ببناء جدار عازل للحفاظ على أدوات القطار والتجهيزات المنتشرة هنا وهناك في ذلك الموضع. كما يساعد هذا الجدار العازل على مراقبة الزائرين والحفاظ على أمنهم. من الأفضل استعمال حائط حجري وذلك حفاظًا على حميميّة المكان. كما يلزم للمصنع حاجز بطول 2120 مترًا تقريبًا وبوّابتان كبيرتان للقطار وثلاث بوّابات للزائرين. أما بالنسبة إلى المحطّة فيلزمها جدار بطول 1720 مترًا مع بوّابتين للقطار وبوّابتين للزائرين. وبما أنّ المصنع والمحطّة يبعدان عن بعضهما ما يقارب الثلاثة كيلومترات، ينبغي ترميم قطار قديم لنقل الزائرين من المحطّة إلى المصنع والعكس بالعكس. وعدا الإثنين والثلاثين قطارًا الموجودة في رياق، ثمّة الكثير من القطارات القديمة في محطّات لبنانيّة. يمكن إذًا نقل هذه القطارات إلى محطّة رياق للحفاظ عليها. فتغتني مجموعة القطارات لدينا إذ يصبح في متحفنا حوالى الثمانين قطارًا.

لقد أشرفت السكّة الحديديّة اللبنانيّة على إدارة خطّ الترام الذي أنشئ سنة 1895 في بيروت. فإذا ما نقلت القاطرات المتبقية من بيروت إلى ريّاق، فإنّ مجموعة قطارات متحفنا ستغتني فتصلّ إلى 100 قاطرة أو أكثر.

ولتحقيق ذلك، يجب تكليف فريق من الأشخاص الإهتمام بالمتحف. وينبغي أن يدير هذا الفريق رئيس من ذوي الكفاءة. كما ينبغي أن يكون هناك فريق من المهندسين والمعماريّين المختصّين في القطارات لإعادة ترميم الموقع بغية استعادة مظهره القديم. كما يجب أن يضمّ الفريق مجموعة من رسّامي المشاهد الطبيعيّة لإعادة الحياة والنبات إلى الموقع. وينبغي أن يكون ضمن المسؤولين عن المتحف فريق من الميكانيكيّين والكهربائيّين والبستانيّين، لكي يهتمّوا بالأعمال اللوجستيّة اليوميّة. ويجب أن ينضمّ إلى المسؤولين أيضًا فريق آخر للاهتمام بالتنشيط السياحي والبرمجة والحفلات الموسيقيّة وعرض المجموعات وإلى ما هناك من أنشطة يمكن تنظيمها كلّ عام. كما ينبغي تنظيم جمع صور السكة الحديديّة القديمة لأنّ ذلك يساعد المتحف في الحصول على وثائق من الصور تساعده في تحويل أحد مبانيه الفارغة إلى متحف للوحات والرسوم والوثائق، فخلال الحرب احترق القسم الأكبر من وثائق المحطّة فقام عدد كبير من عمّال السكة بإخفاء بعض الوثائق في منازلهم والتي تعود الى أكثر من ماية عام.

نجد بين الوثائق خرائط السكك القديمة، دليل إستخدام وتشغيل القطارات، تذاكر سفر، لوائح الموظفين والعمال، خرائط تصنيع القطارات، المراسلات بين أقسام وعمال المحطة، والعديد من الوثائق الأخرى. مما يتيح لنا فهم وتحليل دور المحطة في نمو رياق ومنطقتها إجتماعياً وإقتصادياً. كما يمكن عرض قسم من هذه الوثائق للزائرين في متحف المحطة.

كما يمكن للمدارس والجامعات أن تستفيد من الأوجه الثقافيّة والتاريخية لهذا المتحف. إذ يمكن القيام برحلات دراسيّة لجميع طلاب لبنان. وهكذا يطّلع هؤلاء الطلاب على تاريخ وطنهم الجديد، تاريخ بوسعهم الرجوع إليه وعيشه. كما ينبغي إعادة ترميم المطعم «L’Hôtel de Buffet» . لتشجيع السياح على المجيء وتأمين مسكنٍ لهم. كما أنّ بعض المباني الأخرى تصلح أيضًا لتصير مطاعم ومقاهٍ.

فحوى الرسالة

إن القطارات من صنع البشر، ولكنّ المدن تصنعها القطارات. فمدينة كريّاق مثلاً تموضعت على الخريطة بفضل المحطة والأنشطة التي قامت بها السكّة الحديديّة في قلب هذه المدينة. وبحسب شهادات كثير من العمال السابقين، كانت السكّة الحديديّة بالنسبة إليهم أكثر من مصدر للرزق ومن وسيلة نقل. لقد شكّلت بالنسبة الى آلاف العمّال والركاب والمسافرين طريقة حياة مملوءة شغفًا وفخرًا. فكم يطيب للمواطنين المسنّين في رياق أن يرجعوا بالذاكرة إلى تلك الأيام، أيّام كانت محطة قطارهم الضخمة ومصنعهم يعملان. فالعاملون القدامى يتباهون قائلين إنّهم كانوا في تلك الأيام قادرين أن يرمّموا خلال سنة واحدة قطارًا أكله الصدأ وأن يضيفوا الى محرّكه لمسة فنيّة تثير إعجاب زبائنهم الأوروبيّين. فبعض قطع هذه المحرّكات كان يتمّ تصنيعها يدويًّا في ريّاق، حتى أن بعض القاطرات تم تصنيعها بالكامل في رياق. كانت مدينة ريّاق تتمتّع بقوام كبير، وكانت مدينة مؤثّرة وذات حيويّة، ترقص على نغم متواصل لقطارات لا تحصى كانت تمرّ في محطّتها ومصانعها. ومع هذه القطارات أتى النمو.

عدا لياليها الضاجّة بالحياة، تفخر ريّاق بأنّها كانت موقعًا لأولى دور السينما والمسارح والمدارس الكبيرة في المنطقة. كما أنّ مصنع القطارات فيها كان يستعمل كمدرسة تقنيّة، وكان بوسع الطلاب أن يدرسوا في هذه المدرسة ويحصلوا على شهادات في مجالات مختلفة كالحدادة والثقب والميكانيكا والنجارة.

***

لقد مرّت 33 سنة على نهاية الأيام الذهبيّة للسكّة الحديديّة اللبنانيّة. واليوم، اتّخذت تلك الأيام الذهبيّة لونًا مرهقاً، لون الصدأ والإهتراء. وبسبب الطرقات المزدحمة بالعابرين، بسبب حوادث السير التي تتكاثر يوميًّا، أصبح لبنان بحاجة ماسة إلى سكته الحديديّة وذلك لتحسين وضعه الراهن. ولكن ماذا في الأفق بالنسبة الى هذه السكة الحديديّة؟

لا يمكننا الإجابة عن هذا السؤال طالما أن استعادة الماضي هو موضع تساؤل. يساعدنا في تحقيق التقدم معرفة تاريخنا ولا سيما المعاصر فيرشدنا إلى مستقبل أشدّ روعةً وأشدّ واقعيّة للأجيال الصاعدة. إن الحفاظ على الماضي في متحف قد يمهّد الطريق إلى مستقبل لامع. كما يمكن لهذا المشروع  أن يعيد الحياة إلى مدينة ريّاق، وأن يوفّر كثيرًا من فرص العمل، وأن يعيد الأمل إلى سكّانها وأن يحافظ على ذخيرة ثمينة قامت بدور أساس في تاريخ وطن ومدينة كانت مصدر وحي وإلهام لمنطقة بكاملها.

RRWTrStBeir01.jpg

RRWTrStSeki01.jpg