محاضرة الدكتور مفيد مسُّوح عن الأدب المسرحي للأخوين رحباني

جماليا قرأها 8
  

السيدات والسادة الأعزاء

مساء الخير

اسمحوا لي بداية أن أشكر حضوركم اللطيف وأن أتقدَّم باسمكم من الأخوة في هيئة رئاسة الرابطة والسيد "عيسى الزُريبي" بالشكر الجزيل على دعوتهم الكريمة لي ولكم إلى هذه الأمسية التي أراها حجر أساس لبرنامج ثقافي اجتماعي أتمنى أن يتكلَّل بالنجاح فيجد كلٌّ منَّا نفسه قريباً إلى جانب أخوته وأصدقائه في بيئة ثقافية اجتماعية متطورة تترجم زهراتُها حنيناً صادقاً يملأ القلوب وفخراً بتراثٍ ثقافي اجتماعي إنساني تربَّينا على نفحاته الوطنية. وحضورُنا معاً الآن، في هذه الأمسية وفي هذا المكان دليلٌ قويٌّ على تمسكنا به بمرونة فائقة نستطيع بها الحفاظ على جماليات وإيجابيات هذا التراث بينما نعيش في مجتمع كبير يميِّزه التنوع الثقافي واللاعنف.

واسمحوا لي أن أعتبر هذه الأمسية احتفالاً "متواضعاً" نحيي به معاً ذكرى مرور عشرين عاماً على غياب واحد من أبرز الشخصيات الأدبية والفنية على ساحة بلاد الشام في القرن العشرين وهو عاصي الرحباني.

في الوقت الذي تتعالى في سماء بيروت اليوم أصوات السياسيين المتخاصمين يطلع صوت فيروز من مجمَّع "بيال" مخترقاً الضجيج السياسي صارخاً "بْحبك يا لبنان يا وطني بْحبَّك .. بشمالك بجنوبك بِسهلك بْحبك .. وْحبة من تْرابك بكنوز الدّني". تذكِّرنا فيروز بكلمة عاصي التي طالما ردَّدها (نحنا ع طول منشتغل تـ نْصلِّح أخطاء السياسيِّين".

قبيل حرب 12 حزيران، وفي احتفالات لبنان بعشرينية عاصي الرحباني توجَّهتُ إلى اللبنانيين عبر الإعلام بتساؤلي: "كم هي صغيرة أسباب خلافات المتكتِّلين في لبنان أمام إجماعهم على محبَّة الأخوين رحباني وفيروز .. إنني لا أفهم كيف تنمو الكراهية في بلد منه فيروز؟!".   

أحبائي ..

قد يكون البعد الجغرافي والزمن تمكَّنا من محو شيء من ذاكرة بعضنا فنسي حكاية عاصي ومرضه ووفاته في أول أيام صيف 1986.. ولكنَّهما ما استطاعا ولن يستطيعا محو حضور الأخوين رحباني والسيدة فيروز من ذاكرتنا الطيبة ونحن نستمع يومياً إلى أغاني وحوارات من الأدب الرحباني الجميل رابطين جوانب الحياة ببعضها البعض وحياتنا بالفضاء الروحي الفسيح الذي شكل الجنَّةَ تتراقص في رياضها قيمُ الخير والمحبة والسلام والفرح وحب الوطن والتفاني لصَونه وتطويره وتعزيز مكانته الحضارية.

في واحدة من قرى لبنان الجميل ظهر الأخوان عاصي ومنصور، عبقريَّين فريدَين في ظاهرة فريدة وفي وقتٍ كان أهالي بلاد الشام بحاجة ماسَّة إليها. كانت أيام الحرية بعد الإستقلال في النصف الأول من الخمسينيات أعياداً للناس في سوريا ولبنان وكان الفن الرحباني الوليد المنبر الناجح للتعبير عن فرحهم وعن تطلعاتهم.

كما تتحد في قلوب الأبناء صورة الأبوين اتَّحد اسم عاصي ومنصور في قلوبنا مذ كنا صغاراً. وأجمل ما كانت تنتظره دمشق والناس القادمون إليها من جميع أطراف سوريا والأردن والخليج وجميع المصطافين من المغتربين السوريين وغيرهم العرض المسرحي أو الفني الذي يقدمه الأخوان رحباني وفيروز ضمن مهرجان معرض دمشق الدولي مع إطلالة كل خريف.

كانت الإطلالة الرحبانية موسم فرح لقلوب الناس المتلهِّفين لحضور أو سماع الإبداع الرحباني الجديد الذي تكرَّر كل عام ليصبح عيداً غالياً.

مع هذه المواسم نبت في رأسي حلمٌ غير محَدَّد الموعد.

كانت قناعتي منذ تلك الأيام أن عبقرية الأخوين رحباني هي عمودُ مسرحهما الغنائي وأن تاجَ هذا العمود لبنانيتُهما وأن إنسانية هذين العلمين، التي وصلت إلى مرتبة القداسة في تبني هموم الوطن وهموم الناس وتكريس الذات بقيمتيها الروحية والجسدية من أجلهم، هي جوهر حجارته. أما فيروز فهي زُخرُفُ العمود البعلبكي وجماله وعنوان مرونة مكوناته الصلبة وتماسكها وتعانقها مع الأيادي الماهرة والعقول المبدعة لتتحف أيامنا بمنحوتات خالدة تصدرت واعتلت صروح التراث الفكري والأدبي والفني في ساحة ممتدة زماناً ومكاناً وعمقَ تأثير.

كنت أشعر بأنني أريد أن أقول شيئاً في تراث الأخوين عاصي ومنصور قبل أن يرحل عاصي. وإذا كان رحيله قد أرجأ تحقيق رغبتي فإن الحضور المستمر لمنصور في الساحة الفنية والأدبية أحيا هذه الرغبة. وأصدقكم القول أنني كنت كلما هاتفت منصور، الذي نتمنى له العمر المديد، أشعر بأنني أتحدث إلى الأخوين رحباني اللذين امتدَّا بنبلهما وكرمهما عبر الأزمنة والأمكنة وبقي لهما عندي ذات التأثير الذي جعلني أحلم بالكتابة عنهما وأنا شابٌ.

ما هو كتاب "جماليات الإبداع الرحباني"؟

يتكون كتاب "جماليات الإبداع الرحباني" من جزأين يقع كلٌّ منهما في 432 صفحة من القطع الوسط كتب فيه نص المؤلف باللون الأسود بينما جاءت الشواهد ونصوص الحوار وكلمات الأغاني باللون الأزرق.

يستعرض الكتاب مسرحيات الأخوين عاصي ومنصور الرحباني التي قدماها على خشبات المسارح اللبنانية والسورية والأردنية بين عامي 1960 و 1977 بمشاركة عدد كبير من الفنانين والفنانات من مغنين ومسرحيين وممثلين وعاملين في الإخراج والإضاءة والديكور والأزياء واللوحات الثابتة والمتحركة وغير ذلك وبالاشتراك مع فرق مختلفة للرقص الشعبي كانت (الفرقة الشعبية اللبنانية) على رأسها.

ويسلط الكتاب الضوء على القيم الجمالية الكبيرة في محاور هذه المسرحيات ونصوصها وموسيقاها ورقصاتها ولوحاتها وفي تقنيات الإضاءة والحركة والديكور وغير ذلك محلِّلاً هذه الجماليات ورابطاً إياها بالمغزى الفكري وبالدور الفني ومبرزاً مابين المشاهد أو ماخلفها إظهاراً لما قد لا يكون من مهمة المشهد المسرحي إبرازه كلاماً.

الهدف الرئيس من الكتاب يتلخص بالمساهمة في جهود الأدباء والنقاد والدارسين لإحياء التراث الأدبي والفني للأخوين رحباني ولنقله مشروحاً للأجيال البعيدة عن بيئته وزمانه ولتوسيع رقعة المهتمين به كأدب وطنيٍّ إنسانيٍّ ذي قيمة تربوية عالية إضافة إلى القيمة الفنية الكبيرة.

صدر الكتاب بمناسبة إحياء ذكرى عاصي الرحباني بتاريخ 21 حزيران 2006، يوم مرور عشرين عاماً على رحيله. والكتاب صادر عن دار بيسان للنشر والتوزيع.

قدَّم "جماليات الإبداع الرحباني" الشاعر اللبناني الكبير الأستاذ هنري زغيب وكتب كلمة غلافه الخلفي الأستاذ منصور الرحباني، وقد جاء فيها:

"الدكتور مفيد مسُّوح حقَّق في هذا السفْر الموسوعي ما قد يكون في لا وعينا، عاصي وأنا، حين كنا نكتب ونكتب ونكتب غير ملتفتَين إلى الشَّذا الذي سيتناثر حولنا من تلك الكتابات. مفيد مسُّوح لَملَم هذا الشَّذا. في دقَّة عجيبةِ الصَّبر لَملَمَه. بإخلاص عالٍ وحبٍّ كثيرٍ لَملَمه، حتى ليعود إلينا اليوم، من هذه المسرحيات كما أعاد عرضَها على الورق، واضحة الجمال، متقنة الجماليا في الأداء".

ويضيف منصور:

"مع مفيد مسُّوح أعدتُ قراءة الأعمال الرحبانية بعينَي القارىء لا المؤلف، فإذا بها على قلم هذا الباحث الأمين إضافةٌ عاليةٌ راقيةٌ إلى الرسالة الرحبانية، التي كم كنا، عاصي وأنا، نحلم أن تَبلغَ الناس كما أردناها لهم.

مفيد مسُّوح أوصل الرسالة في أمانة".

من سيقتني كتاب "جماليات الإبداع الرحباني"؟

سيقتني الكتاب جميع محبي المسرح الغنائي الرحباني وعشاقُ الأغنية اللبنانية وملوكِها السيدة فيروز والسيدة صباح ووديع الصافي والراحل نصري شمس الدين وغيرِهم من عشرات المغنين والفنانين اللبنانيين الذين عملوا في هذا المسرح المتميز والمستمر في جيليه الثاني والثالث مع منصور الرحباني وأولاده وأولاد الأستاذ الياس الرحباني. وسيجدون فيه بالإضافة إلى التفسير الذي يحتاجونه وكنز المعلومات الواسع والعميق، مرجعاً ممتازاً للنصوص الرحبانية القيِّمة الجميلة ولجميع الأغاني التي قدَّمها عناصر المسرح الرحباني في أعمالهم.

وسيلبِّي الكتاب رغبات الفنانين العرب من الممثلين المسرحيين إلى المطربين والمؤلفين والعازفين والفنيين السينمائيين والمسرحيين وكتاب السيناريو والمخرجين بأنواعهم وسيقتنيه أيضاً النقاد والأدباء والكتَّاب والموسيقيون والمثقفون العرب وطلاب الكليات الفنية والأدبية في الجامعات والمعاهد المتخصصة. وسيجد الكتاب مكاناً له فوق رفوف المكتبات العمومية وهيئات حفظ وإحياء التراث الأدبي والفكري والفني. كما سيجد فيه المهتمون بتاريخ منطقتنا وبالمسرح السياسي وبالمسرح الناقد وكذلك العاملون في الصحافة الفكرية والأدبية والفنية مادةً مرجعية معقولة.

لمزيد من المعلومات عن الكتاب وحفلات إطلاقه وما كُتب عنه تفضلوا بزيارة موقع "جماليا" على شبكة الإنترنيت وعنوانه:

www.jamaliya.com

وهو موقع ثقافي متخصص بالآداب والفنون.

والآن!!

ما هو "مسرح الأخوين رحباني"؟

من أنطلياس، البلدة الوديعة على كتف بيروت الشمالي، انطلق الأخوان عاصي ومنصور في أربعينيات القرن المنصرم بإمكانيات شديدة التواضع وفي بيئة فقيرة وأسرة لا تملك سوى ما يثمر جهد أفرادها تحت إدارة الأب حنا الرحباني في مقهى بسيط استقطب أدباء وسياسيين ومفكرين تأثَّر الصبيَّان بهم بعد أن كانا قد أعجبا بشخصية الوالد الثوري المكافح والمناضل وذي الباع الطويل في مقارعة الدرك العثماني وكذلك بشخصية جدَّتهما التي أوصلت إليهما عبر حكاياها اللذيذة ثقافةً متوارَثة شكلت المنبع للخيال الرحباني الخصب الذي سيتفتق لاحقاً ليعطي أروع الأعمال الإبداعية.

وفي كنيسة "دير مار الياس" في بلدة أنطلياس تعلَّم عاصي ومنصور أسس الموسيقا الشرقية والتأليف الموسيقي على يد الأب "بولص الأشقر" وتسنَّى لهما فيما بعد تعلُّم الموسيقا الغربية على يد مدرِّس روسي ولسنوات متواصلة بذل الشابان خلالها جهوداً كبيرة وأبديا مواظبة متميزة على الرغم من صعوبة ظروفهما الحياتية. كان نهم القراءة وسماع الموسيقا الوسيلة التي عوَّضت الأخوين حرمانهما من التعلم في المدارس أو الجامعات، فأصبحا الشاعرَين والمسرحيَّين والمؤلفَين الموسيقيَّين اللذين أنارا بإبداعاتهما دروب المسرحيين والفنانين في النصف الثاني من القرن العشرين كما أسعدا قلوب الملايين مع سيدة الطرب والفرح فيروز.

في مراحلهما الأولى من التألق الفني، وبالإضافة إلى تأليف وتلحين عشرات الأغاني والقصائد، أنتج عاصي ومنصور عدداً كبيراً من الاسكيتشات الغنائية ذات المواضيع، وقد أصابت هذه الأعمال من النجاح ما مهَّد لما سمِّي فيما بعد بالمسرح الغنائي الرحباني. وإذا كانت الأغنية الرحبانية قد اعتبرت في تلك الحقبة ثورة في عالم الغناء العربي لما تميَّزت به من رشاقةٍ ونعومةِ لحنٍ وعذوبةِ كلماتٍ وقِصرٍ في وقت الأداء، فإن الاسكيتشات الغنائية كانت محبَّبة وقد انشدَّ الجميع إليها قوالبَ وموضوعاتٍ وأغانٍ وحوارات.

اعتباراً من عام 1960 بدأت المسيرة المسرحية الرحبانية مع مهرجانات بعلبك الدولية. كانت الشخصية الرحبانية قد تبلورت وعمَّ تأثيرها البنَّاء على الساحة الفنية في بلاد الشام ومصر من خلال عشرات الحفلات والاسكيتشات ومئات الأغاني باللغة الفصحى وباللهجة اللبنانية. وكانت الأوركسترا الرحبانية قد تكاملت عناصرها ومقومات تميُّزِها كما كانت خلفية الفكرية لعاصي ومنصور قد تبلورت تماماً على أسس الثقافة السورية العريقة المتمثلة بالنضال من أجل حرية الوطن وعزَّته ومن أجل مجتمع زاهٍ متطورٍ يسوده العدل والمساواة والديموقراطية والشفافية ويتألق بطاقات أبنائه وقدراتهم الإبداعية وبروح المحبة والسلام والفرح وبالاستعداد للتضامن مع المظلومين والمضطهدين. هذه الخلفية الفكرية الصريحة لدى الأخوين رحباني كانت المعيار الذي لم يفارق سطح مكتبيهما وهما يكتبان نصوص مسرحياتهما وكلمات الأغاني فجاءت الأعمال المسرحية الرحبانية مفعمة بالروح الثورية والوطنية الصادقة وبالنفحة الإنسانية المؤمنة بحتمية العدالة الاجتماعية والمساواة وبتقدير مكانة المرأة في المجتمع وضرورة الانطلاق كحدٍّ أدنى من مساواتها التامَّة مع الرجل وفي جميع القضايا.

لقد كان المسرح الرحباني منذ بدايته مسرحاً وطنيَّاً إنسانياً تقدمياً يحترم التراث الإنساني فيحيي جمالياته ويمتِّعنا بها ويتفاءل بمستقبل زاهرٍ للوطن الحر فيسلِّط الضَّوء على متطلَّباته ويحثُّنا على تأمينها وتمتينها في إطار مجتمع المحبَّة والسلام والبناء والفرح.

تطوَّر المسرح الرحباني مع الزمن .. لأنَّ من أولويات عاصي ومنصور الإيمان بأن كل شيء يسير إلى الأمام بحركة لولبية. ومع أن جميع مسرحياتهما كانت من الشمولية بحيث أخذتنا في مشاهدها إلى العمل في جميع حقوله ومهنه وإلى البيوت بتنوُّعها وإلى الضيعة وساحاتها ثم إلى المدينة وأحيائها وإلى جبهات الحرب كما إلى حلبات الرقص وإلى محافل السياسة ودور الحكومة إلخ .. فإن كل واحدة من هذه المسرحيات شكَّلتْ موضوعاً بذاته جعلتنا نصنِّفها بتصرُّف إلى وطنية أو تاريخية أو اجتماعية أو استعراضية، تراجيدية أو كوميدية. وجاء التطور الكبير الذي طبع مسرح الأخوين فكرياً وأدبياً وفنياً وتقنياً أيضاً.

حتى عام 1977، إذ قدَّم الأخوان عاصي ومنصور مع السيدة فيروز مسرحية "بترا" كان اصطلاح "الأخوين رحباني" يعنيهما مع فيروز. بعد تلك السَّنة قدَّم عاصي ومنصور عملين لا يقعان، من وجهة نظرنا، ضمن سلَّة مسرحهما التقليدي وهما: "المؤامرة مستمرة – 1980" بطولة رونزا وجوزيف عازار، و "الربيع السابع – 1982" بطولة ملحم بركات ورونزا.

وما من شكٍّ أن هاتين المسرحيتين جاءتا مختلفتين عن السبعَ عشرة مسرحية، ويعود ذلك لأسباب عديدة ليس أقلَّها غياب فيروز .. فقد كان مرض عاصي قد استفحل وكان الساحة الفنية والفكرية قد تغيَّرت كثيراً.

منذ أسبوع واحد من يومنا هذا فرغ منصور من إعداد مسرحية جديدة ستقدَّم في دبي في السنة القادمة. منصور الذي اقترب من الثانية والثمانين من عمره المليء بالعطاء الفني والأدبي مازال حتى الآن يعمل ويعمل وينجز المسرحية تلو الأخرى. ومسرح منصور هو مسرحٌ رحبانيٌّ مكمِّلٌ للرسالة العظيمة للأخوين يديره الجيل الثالث المتمثل بأبناء منصور والياس اللذين يشتركان في التأليف والتلحين والتوجيه أيضاً. 

ونحن هنا، إذ نحجم عن الحديث عن مسرح زياد الرحباني وإبداعاته، فلسبب وحيد هو تفرُّد هذا المسرح بنمطية خاصة تجعله غير معنيٍّ بدراسة تشمل أعمال الأخوين عاصي ومنصور.

ما هي مسرحيات الأخوين رحباني وما هي محاورها؟

أوَّل الأعمال المسرحية التقليدية لعاصي ومنصور هي مسرحية "موسم العز" التي قدِّمت في مهرجانات بعلبك عام 1960 مع الفنان الكبير وديع الصافي والفنانة الكبيرة صباح إضافة إلى الفنان الراحل نصري شمس الدين. محور المسرحية العمل ومواسمه في ارتباطه بالفرح .. وموسم العز هو موسم جمع القزّ الذي يتحوَّل بقيمته الغالية إلى رخاءٍ أولُ أشكاله العرس الذي تأتي به المسرحية عرساً تقليدياً له مكوناتٌ وشروط كانت تشكل ثقافةَ أهل الضيعة في الحبِّ والأسرة والمجتمع، وتصل بنا المسرحية إلى عقدة يحلُّها صعلوكٌ عاشق لم تمنعه سلوكيةُ تهميش أهل الضيعة له ونبذه والابتعاد عنه من التطوُّع، دون سواه، برجولةٍ وأريحية لإنقاذ عرس حبيبته "نجلا" وهي تُزَفُّ لغيره.

الحبّ كمحور رئيس في العمل المسرحي كان حاضراً في عدة مسرحيات تلت "موسم العز". في عام 1963 جاءت مسرحية "الليل والقنديل" التي حلَّ الحبُّ فيها مسألة الصراع بين النور والظلمة. والحبُّ هو محور مسرحية "بياع الخواتم" الرائعة التي أخرجت فيلماً سينمائياً استمتع الجمهور الرحباني الواسع في البلدان العربية وفي بلدان المهاجرة بمشاهدته بعد سنة من المسرحية، في عام 1965 وكانت من إخراج يوسف شاهين. وفي الحكاية التي عرَّفتها فيروز مع أول مشهد على أنها (لا القصة صحيحة وْلا الضيعة موجودة) شخصية ذات مغزى وتحمل الكثير من المعاني وهي شخصية "راجح الكذبة" في تفاعلها مع شخصية البطل – المختار خال ريما، الفتاة التي كانت تنتظر حبيباً في "عيد العزَّابة".

وكان الحبُّ موضوع المسرحية الثانية لصباح مع الأخوين رحباني عام 1965 وهي "دواليب الهوا" التي تعتبر مسرحية فكرية بامتياز. فقد عالج المؤلفان عقدة الحب في بيئة صراعٍ طبقيٍّ أثبت في محصِّلته أنْ "لا حبَّ من دون عدالة.. ولا عدالة بتسلُّط الإقطاعي على جهود الناس وسيطرته على خير الأرض وتحكمه بالفلاحين". ومن جماليات هذا العمل الوسيلة البسيطة والقوية في آن، التي ابتكرها المؤلفان لحلِّ عقدة الدراما في مواجهة أهل الضيعة لغطرسة الإقطاعي "فهد العابور"، وهي اللعبة الورقية "دولاب الهوا" والتي تمثَّلت في دوران قرصه الزوبعي باتجاه واحد حركة التطور التي ستنتهي لمصلحة الأهالي وعكس ما يرغب الإقطاعي. قالت حلا لفهد الذي هدَّد بتخريب خطط الناس: (الدَّواليب عَم بتـْدور .. والإيام عَمْ بـِتـْدور ..      وْمشْ رَح فيكْ تـْوَقـِّفـْها يا فهد العابور ).

والحبُّ أيضاً كان محور مسرحية "ميس الريم" في عام 1975 وقد تمَّت معالجته في بيئة التناحر السطحي بين أهل العروس وأهل العريس .. ذلك التناحر المبني على الضعف البشري المرتبط أساساً بنزعة المراءاة والادعاء بالتفوق على الغير. وتُحلُّ عقدة الحب القلق الذي تعرَّض إلى أزمة بين الأهالي وإلغاء للزواج بتدخُّل "مختار المخاتير" الذي تطوَّع (على حساب كرامته، كما يقول: عْملت حالي رابوق منشانكُن) فأنقذ العرس بعد أن (هزَّ ميس الريم) كما قال.

والحب كان حاضراً في المسرحيات الباقية. كان له دور اجتماعي أحياناً (كما في مسرحية لولو) وكان مرتبطاً بالكفاح الوطني أحياناً أخرى (كما في أيام فخر الدين وبترا) .. وفي العموم كان الحبُّ إحدى صلوات السيدة فيروز بقيت على ألسنتنا تدغدغ مشاعرنا ونحلِّق بها صوتاً وموسيقا وكلماتٍ يرتسم بها أفقٌ فائق التألق ودائمه.

في عام 1962 قدَّم المسرح الرحباني "جسر القمر" ولم يكن من الصَّعب أن تصل رسالة عاصي ومنصور إلى الناس عبر مشاهد الاقتتال المتكرر بين أهالي "القاطع" وأهالي "الجسر"، بأن السلام شرطٌ أساسٌ للحياة السعيدة. كان الصراع على الماء، وكان الماء رمزاً للملكية التي تأتي فلسفات تبرير امتلاكها معاكسة ما تهوى الطبيعة التي يتقاسم أحياؤها أرزاقَهم عدلاً: (القمر بيضوِّي ع الناس .. والناس بيتقاتلو؟ .. ع مْزارع الأرض النَّاس ع حجار بيتقاتلو ..)  .. (قالوليْ الْبَلابلْ صبْحيـِّة: هَالِحْقُول وْساع والدِّني بِتْساع نِيَّال اللِّي بْيِرْجَعْ عَشيِّة    وْ عَ كلِّ الِبْواب   بْيـِتـْلاقى بِـ صْحاب).  وتُحلُّ مسألة الصراع بين الأهالي بتدخُّل القوة التي غيَّبتها أصلاً أنانيةُ المتحاربين وتعنُّتُ كل طرف ادِّعاءً بالأحقية والتميز عن الطرف الآخر. وكان لا بدَّ لإحلال السلام ونبذ العنف من تنازل أحد الطرفين (ولو بطريقة طوباوية أقنعته بأن مصلحته في السلام وليست في الحرب) والأمر بالبدء بتقاسم الخير (ديرو الميِّي ديرو الميْ.. خلِّي يشرب كل الحيّ..  خلاّ تشرب كل الدنيي وْيعلا الزَّرع ويحلا الفيّ). وتصل المسرحية بنا إلى القناعة بانتصار السلام والمسرَّة: (كلّ ضيعَة بَينها وْبَين الدِّني جِسر القَمَر ..        وْطالما فيها قلِبْ بيشدّ قلْبْ .. مهما تعـَرَّض للخطر ما بْينْهِدِمْ جِسر القمر). جديرٌ بالذِّكر أن هذا العمل الفني العظيم جاء مرتبطاً بأحداث دموية شهدتها الساحة اللبنانية في عام 1958.

في عام 1966 قدَّم الأخوان رحباني مسرحية تاريخية رائعة كانت دليلاً ساطعاً على المستوى الرفيع لقراءتهما تاريخ لبنان. كانت قضية الشعب الفلسطيني في الستينيات تتفاعل دولياً فتكتسب يوماً بعد يوم تأييد جميع بلدان حركة التحرر العالمية في حين كانت حكومة تركيا تقف إلى جانب حكومة إسرائيل في اضطهادها لأبناء الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. جاءت مسرحية "أيام فخر الدين"، التي احتجَّت حكومة تركيا على عرضها، تستعرض اضطهاد المحتلين العثمانيين لشعوب البلدان التي احتلَّت أراضيها بالقوة والكفاح الوطني اللبناني من أجل الحرية والاستقلال عن سلطة الباب العالي التي لم يرُق لها ما قام به (آل معن) من نشاطات عمرانية واقتصادية وتجارية وثقافية ظهر لبنان الكبير بفضلها بلداً حرَّاً سعيدَ الشعب بعد أن كافح أهلُه عقوداً طويلة ضدَّ المماليك ومن سبقهم. وتُظهر المسرحية قسوة ما عاناه اللبنانيون من ظلم العثمانيين ومَن تآمر معهم من ولاة الشَّام ومصر ونرى انتصار البطل فخر الدين المعني الثاني في معركة عنجر على فلول العثمانيين والجيوش الأخرى بقيادة والي مصر مصطفى باشا. ونرى الرخاء والتطور عقب هذا الانتصار وقد خيَّم على اللبنانيين الذين وقعوا ثانية تحت ضغط الباب العالي في استنبول وكان لا بدَّ لهم من المعركة لأنَّ: (مسكين اللي بيكبر بيتو بيصير يقطفو الحسد .. ومجبور يدافع عن بيتو). وبما أن الأشرار الدمويِّين يجنِّدون الناس بالقوة والإكراه ويستشرسون في هجومهم الذي حشدوا له من كل صوب واستخدموا الجواسيس وضعاف النفوس فقد انكسر المعنيون واعتقل فخر الدين الذي انتهى به الأمر بالإعدام كما كان مصير أبيه وجدِّه ولاحقاً بقية أفراد عائلته. وتنتهي المسرحية بزفَّة للشهيد تؤكد أن النَّصر لا بدَّ وأن يأتي لأن الشعب الذي يضحِّي بأرواح أبنائه لن يتنكَّر لحقِّ الوطن في الحرية ولأن الشهداء باقون في حياتنا: (راجع بـِ صْوات البلابل .. راجع بـِ غْناني الحصَّادين ... راجع بزنود الفوارس.. راجع بـِ إيام الأعياد .... طالِل من كتب المدارس  وبدُّو يخلق بقصص الولاد).

لم تعرض هذه المسرحية في دمشق كما لم تعرض مسرحيتا "موسم العز" و"دواليب الهوا" بينما عرضت مسرحيات "جسر القمر" و"الليل والقنديل" و"بياع الخواتم" في السنوات السابقة. وبدلاً عن "أيام فخر الدين" شاهد أهالي دمشق وضيوفهم في عام 1966 مهرجاناً فنياً ضخماً للأخوين رحباني وفيروز والفرقة الشعبية اللبنانية.

في عام 1967 عرضت في بيروت ثم في دمشق مسرحية "هالة والملك" وهي حكاية كوميدية رمزية لملك مخدوع بموظفي القصر الذين يتظاهرون بحبهم في حين تدفعهم مصالحهم الخاصة للكذب عليه ويُفتضح أمرهم بعد أخذ الملك دور الشّحاذ وهو يتأكَّد من حقيقة كان موظفو البلاط يوهمونه بها.

الحاكم وعلاقته بشعبه كان أيضاً محور مسرحيات أخرى. في العام التالي شاهد جمهور لبنان في مهرجانات بعلبك مسرحية "الشخص" ثمَّ قدِّمت في أواخر الصيف في مهرجانات معرض دمشق. وفي عام 1982 أعيد عرضها في الأردن مع الفنانة "رونزا" وفي مصر مع الفنانة "عفاف راضي" بدل فيروز. و"الشخص" مسرحية كوميدية سياسية ناقدة تسلِّط الضَّوء على الأسباب الحقيقية لمعاناة النَّاس خاصة من أجهزة الحكم المنتفعة والتي تفبرك الأشياء ضدَّ المواطنين سعياً للحفاظ على مصالحها. أما الحاكم فقد بنيت حوله جدرانٌ عالية تحجبه عن شعبه وتعزله (أنا قاعد فيِّي الـ مش أنا) وأصبح غير قادر على التحكُّم بالأوامر التي يصدرها بنفسه. هاهو يشكي حالته لبائعة البندورة التي صادفته فطلبت أن يساعدها في مشكلتها، ويقول: (شو هالحالة؟ بِحْكي الْكِلْمِة، بَعْطي الأمر، بْيتْحَرَّف وِبْيِتْغَيَّر .. مُشْ عَن قَصْد بْيِتْغَيَّر .. بَسّ الأمر بيْصيْر يْزَوْرِب لَحالُو ويِعْطي أمر لَحالُو وْيِتْغيَّر). وتنتهي المسرحية دون أن تستعيد الفتاة الفقيرة حقَّها في عربتها المصادرة لأنَّ ما حصل: (جِيْنا لـَ حَلاّل الْقِصَص      تـَ نْحِلّ قصِّتْنا   وِلْقِيْنا في عِنْدو قِصَّة   يا ما احْلَى قِصِّتْنا).

في العام التالي عرضت في بعلبك مسرحية تتميز بجرأة عالية فهي سياسية دون تسميات، وتاريخية بالتلميح، واجتماعية صريحة. إنها حكاية أهل "جبال الصوَّان" الذين تعرَّضت جبالهم إلى الغزو والاحتلال وتغيير ثقافة الأهالي التي وصلتهم عبر آلاف السنين ثقافةً للمحبة والفرح والعمل والإبداع والتمسُّك بالأرض والوطن. وقد مات المدافعون عن وطنهم انكساراً أمام جبروت وصلف الغزاة وبسبب ضعف الأهالي وخوفهم وهرب الكثيرين. ويعيد الأهالي تنظيم أنفسهم وقواتهم بعد أن تعود "غربة" ابنة الشهيد "مدلج" قائد "جبال الصوَّان" من (غربتها) ويبدأ الكفاح الوطني لاسترداد الوطن المحتل وطرد المحتلين. وتلعب غربة دوراً عظيماً في توعية الناس وطرد الخوف من نفوسهم إذ كانت السلطة القمعية تلجأ إلى أساليب بشعة لإخضاعهم .. فنراها تلومهم (هدِّتكُن الإشاعات؟) .. وتطمئنهم عندما يظهر عليهم الخوف من الاعتقالات (لا تخافو .. ما في حبوس تْساع كل الناس) ثم (قلال .. يْكون .. منكمِّل باللِّي بقيو) .. وتكمل غربة التحضير للثورة وتفلح بعد أن تقدِّم دمها رخيصاً لتراب الوطن.

في هذه المسرحية كمية كبيرة من أجمل أغاني فيروز وفيها نفحة الثقافة السورية الإنسانية العريقة .. ثقافة حب الوطن والتمسُّك به والنضال من أجل حريته وحبِّ الفرح وصنعه وإحياء أعياده، وفيها روح الأمل بعودة هذه الثقافة لأن ما حققه الغزاة من انتصارٍ مبنيٍّ على العنف لن يدوم.

المسرحية التالية التي حضَّر نصَّها الأخوان عاصي ومنصور في خريف 1970 قدِّمت شتاءً في بيروت ولم تقدَّم في دمشق في صيف العام التالي بسبب خصوصيتها السياسية، بل عرضت بدلاً عنها مسرحية "صح النوم".

إنها مسرحية "يعيش يعيش" التي تستعرض حكاية دولة مفترضة خُلع أمبراطورها بانقلاب عسكري فلجأ بمساعدة عناصر من حزبه إلى منطقة حدودية مما وفر له فرصة الاحتكاك بالناس العاديين واكتشاف حقائق لم يكن يدركها وفرصة التعرُّف على زعيمٍ لمجموعات التَّهريب استطاع الاتفاق معه على القيام بانقلاب مضادٍّ باستخدام رجال التهريب وغيرهم من الملاحقين، أعاده حاكماً باسم آخر "برهوم" وتحت شعارات شعبية وديموقراطية، بعد أن صاغ لهم "البيان رقم واحد".

أما "صح النوم" فهي حكاية رمزية لعلاقة الوالي في ظل الحكم الوراثي بالإرث الذي وصله وقد تراكمت على سطحه أوساخ الماضي مما فرض على الشعب الإذعان لتقاليده رغم معاناتهم وهم يتطلَّعون إلى تطوير حياتهم والحصول على موافقة السلطة لتسيير أمورهم. وسيلة عرض الدراما هي "الختم" المتوارث أباً عن جدّ والمحفوظ في صندوق الوالي. نصل إلى العقدة عندما يكتشف المحققون أن المواطنة "قرنفل"، التي سرقت الختم وختمت طلبات الناس فبنوا المدينة التي ازدهرت خلال فترة نوم الوالي، ألقت الختم في البير المهجور وكان لا بدَّ من إنزالها في البئر لاسترجاع الختم الذي غسلته الماء فتجدَّد وأصبح ملائماً للحياة العصرية.

مسرحية عام 1972 هي "ناس من ورق" التي تبدو وكأنها استعراضية. محورها الرئيس حياة الفنانين الجوَّالين في مسرحٍ ضمن مسرح، ويدخل فيها موضوع الساعة آنذاك وهو الحملات الانتخابية في لبنان وتدافع المرشَّحين تحت رايات وشعارات منافقة وشراء أصوات الناس الذين قصد عاصي ومنصور إلقاء جزء من اللوم عليهم عندما قالت "ماريا" لواحد من أزلام المرشَّحين: (إنت بْتعمِلُّو شعبية وْهوِّي بْيقطف الشَّعبية .. إنتَ اللي بْتِحمِلُّو الكرسي  وْهُوِّي بْيقعد ع الكرسي) وتأتي الفراسة الرحبانية عبر عبارات نتذكرها الآن ونقول "كم هي صحيحة؟!" .. مثلاً: (نيابتي ما بْتخلص .. وإذا ما نفعت ما بتضرّ).

الحاكم في مسرحية "ناطورة المفاتيح" التي قدمت في بعلبك ودمشق عام 1972 مستبدٌّ قمعيٌّ أنانيٌّ ودمويّ، سخَّر الناس عبيداً له وجرَّم معارضيه. ولم يجد الناس حلاًّ إلا في الهجرة الجماعية التي أفرغت المملكة من سكانها ما عدا "زاد الخير" الفتاة القوية صاحبة الذكاء الفطري التي تساوم الملك في مصيره وقد أصبح ملكاً بدون رعية وتنتهي المساومة بتنازل الملك عن عرشه وعودة الناس إلى بيوتهم.

مسرحية عام 1973 التي عرضت أيضاً في بيروت ثم في دمشق هي "المحطَّة" وموضوعها العلاقة بين الحلم وانتظار تحقيقه ووسيلتها محطةٌ وهمية لقطار طال انتظاره ولكنَّ الإيمان بالحلم يضمن تحقيقه (مهما تأخَّر جايي .. ما بيضيع اللِّي جايي .. إيماني ساطع يا بحر الليل .. إيماني الشمس المدى والليل .. ما بْيتكسَّر إيماني).

في هذه المسرحية حكاية مرض عاصي قبل سنة وقد جاءت من خلال أغنية ألَّف لحنها زياد الشاب (17 سنة) وكتب كلماتها منصور وهي "سألوني الناس عنَّك ياحبيبي". وفيها الأغنية التي ألَّفها عاصي وهو في الطائرة إلى فرنسا للعلاج "رجعت الشتوية" وعدداً من الأغاني الجميلة .. ولكن من أهم وأجمل ما فيها حوار الحرامي والشحَّاذ الذي استعرض فلسفتيهما في السرقة والشحاذة:

الشحاد للحرامي:        عجيب، شـَكـْلـَكْ حْرامي!

الحرامي:               بـْرافـو، كيف عْرِفـْت؟

الشحاد:                 نِحـْنـا بـْشـَغـْلـِتـْنـا مـْنِـقــْوى بْعِلـْم النـَّـفـْس. مْنِدْرُس وْجوه النـَّاس هـِنـِّي وْمِلـْهِيـِّين. لأنـُّن ما بـْيحِسْبـونا شي، مـْنِتـْطـَّـلـَّع فِيـُن أكـْتـَر ما بْيــِتـْطـَّلـَّعو فينـا. إنـْت عْيونـَك عْيون حْرامي.

الحرامي:       مُش عاجْبَك الِحْرامي؟ أنـا وْإنـْت زُمـَلا .. الشـِّحـَّاد حرامي جبـان!

الشحـَّاد:       والحرامي شِحـَّاد وِقـِح! تـْنـَيـْنـاتـْنـا مْنـاخـُد مْن جـْياب النـَّاس. أنا بْمِدّ إيْدي وْباخـُد وْإنـْت بــِتـْمِدّ إيْدَك وِبْتاخـُد

الحرامي:       بسّ ما تِنـْسى يا أخ، الِحْرامي بْيـاخـُد مْن جـْياب النـَّاس بالقـُوِّة .. يعني بُطولـِة

الشحـَّاد:               والشِحـَّاد بْيـاخـُد مْن جـْياب النـَّاس بالإقناع .. يعني سياسِة

صحيح إنت بَطـَل أكـْتـَر مِنـِّي بس أنا سياسي أكتـَر مِنـَّـكْ! وِتـْنـَيـْنـاتـْنـا، السياسي والبطل، لازْمين لـَمـَصْلـَحْة الوَطن

في عام 1974 قدمت في بيروت ودمشق مسرحية "لولو" الاجتماعية الناقدة التي سلَّطت الضوء على فساد السلطة عبر حكاية لولو التي لفِّقت بحقها تهمة قتل وأثبتت براءتها بعد انقضاء فترة سجنها وهي خمسة عشر عاماً. وتحاول لولو استخدام تجربتها وقوة حجتها بعد إعلان براءتها لحثِّ الناس على محاسبة السلطة ولكنها تفشل وتعلن هزيمتها (جدِّي خدني لعندك)! وكأنها تتفق مع الشاعر نزار قباني في قصيدته (قراءة على أضرحة المجانين):

حاولـْتُ أنْ أدُقَّ في جـُلودِكم مِسْمار،

يـَئِسْت مـِن جلودكم

يـَئِسْت مـِن أظافري يـَئِسْت مـِن سماكة الجدار

مسرحية عام 1977 كانت "ميس الريم" وهي اجتماعية ترفيهية تشبه في حكايتها إلى حدٍّ ما مسرحية "روميو وجولييت" لوليم شكسبير. وفيها أيضاً نفحة من التشاؤم طبعت أواخر أعمال عاصي ومنصور وربما بسبب مرض عاصي وعجز الطب عن إنقاذ حياته. فالمسرحية انتهت بأغنية "هالسيارة مش عم تمشي" لأنَّ الميكانيسيان "نعمان" أهمل حاجتها للإصلاح بعد أن نال مطلبه وحصل على حبيبته "شهيدة".   

آخر أعمال الأخوين رحباني مع السيدة فيروز هو مسرحية "بترا" التي عرضت أولاً في مسرح قصر المؤتمرات بعمَّان ثم على خشبة مسرح معرض دمشق الدولي عام 1977 وبعدها بسنة عرضت في بيروت.

و "بترا" مسرحية تاريخية بامتياز، استحضرت تاريخ العرب الأنباط في عاصمتهم بترا في القرن الأول للميلاد، وإبان حكم نيرون لروما وحروبه القذرة ضدَّ شعوب الشرق ومن بينها دولة الأنباط الصغيرة والقليلة العدد. وقد جاءت المسرحية صرخة رحبانية مدوِّية في منتصف سبعينيات القرن العشرين صدىً لصرخة أناسٍ طيبين مسالمين منتجين رفضوا العدوان والخضوع لروما منذ ألفي عام ونادوا بالسلام والتآخي والمحبة من أجل ازدهار حضاري يخيم على الجميع. وتنتهي المسرحية بانتصار مملكة بترا الصغيرة على فلول جيوش الرومان ولكن الثمن كان باهظاً .. فقد اختطف قائدهم ابنة الملك وكانت تمثل حلم بترا المسالمة الصغيرة، ولم تقبل الملكة "شكيلا" المساومة لاسترداد ابنتها مقابل إعلان الولاء لروما وغنَّت حزينة (تاري الأحبَّة ع غفلة بيروحو وْما بْيعطو خبر .. انتصرت مملكة بترا وماتت بنتي بترا .. الشلاّل انْجرح) .. ثم: (بيقولو زغيَّر بلدي .. وبالغضب مْسوَّر بلدي .. الكرامة غضب والمحبة غضب والغضب الأحلى بلدي).

صديقاتي وأصدقائي الأعزاء

لا أعتقد أن محاضرة أو حلقة بحث عن أدب وفكر الأخوين رحباني تـنصفه أو تفي بالغرض. ولكنني على ثقة بأن الأيام القادمة ستشهد اهتماماً واسعاً من قبل الأوساط الأدبية والفكرية الإنسانية في العالم فتعقد المؤتمرات الخاصة والمهرجانات الفنية للإبداعات الرحبانية الخالدة .. فخر الفكر الإنساني النيِّر.

كنت أتمنى لو كان الوقت كافياً فأكمل محاضرتي في قسمها الثاني عن "الفرح والطبيعة في الأدب الرحباني". يمكن لمن يرغب، قراءتُها في موقع "جماليا" في قسم "مجلة جماليا" – العدد الأول الذي صدر تحيةً لعاصي الرحباني في عشرينية غيابه. وفي المجلة والموقع عشرات المقالات الأدبية والفنية في الأخوين رحباني وفيروز كتبها أدباءٌ وفنانون ونقاد كبار من بلداننا ومن المهاجر.

شكراً لإصغائكم.