تأمُّلات حجريَّة - قصيدة

نمر سعدي قرأها 1,187
 

تأمُّلات حجريَّة

نمر سعدي

كلُّ ابتسـاماتِ صيفي زنـبقٌ ونـدىً

فمَـنْ أحـالَ دمي أو ضحكتي خشبا؟

ومنْ أحالَ شفـاهي صخرةً.. وفمـي

ريـحاً.. وحلمـي الذي عـانقتهُ لهَبا؟

ومـا تـأوَّدَ  من أغصـانِ عـاطفتي

ومن ضلوعي وأطيـارِ الرؤى حطَبا؟

أستفُّ ما في سديـمِ الـروحِ  من لغةٍ

عميـاءَ  تمـشي على أشـواكها خبَبا

وأحملُ الطّعـنةَ النجـلاءَ في عُنُـقي

كمـا حملتُ بأمسـي  قُبـلـةً كَذِبـا

خطـايَ تخـفقُ في الفردوسِ.. ألويةً

وتقتفـي أثـرَ النـورِ الذي احتجَبـا

كـأنَّ مجـدَ خطيئـاتي يُـتوِّجنـي

ليلـاً ويغدرُ بي فجـراً..  ولا عجبا

كأنني جئتُ مسمـولَ الفـؤادِ  إلـى

حبيبتي نيـنوى الخضـراءِ مُغـتربا

أشيـلُ جمرةَ أشعـاري على كتِفـي

ومـن رمـادِ خسـاراتي لهـا سبَبا

وأنتضي سيفَ نيرودا الصقيلَ..  وقدْ

يُغْني عن النارِ قلبي  ينتضـي السُحُبا

إنـِّي تأمَّـلتُ أنهـاري علـى حجَرٍ

تبكي وتتركُ في ريـشِ الحمامِ  ظُبى

***

في الحُلمِ يقضمُ ذئبُ النـومِ زهرَ يدي

يـأسـاً وينعفُهُ فـوقَ الضحى سلَبَـا

في الحُلمِ ينخسُني الجـلاَّدُ...  يلدغني

روعي كطيـرٍ وحيـدٍ   يذرعُ القُطُبا

في الحلمِ أغفو كزهـرٍ في سدومَ على

صفِّ الجمـاجمِ روحي  تقطفُ الشُهُبا

ويلٌ لما خطَّ في سِفْرِ العـذابِ  دمـي

وألفُ ويـلٍ  لمَنْ أملـى  ومنْ كتَبـا

جـوعُ الأصـابعِ ممـدودٌ  ومٌرتعشٌ

كثعلبٍ في ظـلامٍ  يبتغـي العِـنَبـا

والقلبُ ذئـبٌ  شريـدٌ  أنـتِ ظبيتُهُ

خلفَ السرابِ الذي من نـارهِ شَرِبـا

طـالَ التأمُّـلُ في دنيا الغرورِ  سدىً

وعـوسجُ الجمرِ  في عينيَّ قدْ نشَبَـا

وجرَّدَتني الليـالـي منـكِ في قِحَـةٍ

وقلَّدَتني الهـوى  والشّـوقَ  والنّصَبا

فرُحتُ أضربُ في الأرضينِ أحملُ من

إرثِ الخسـاراتِ همّـاً  أصدأَ الذَهبا

أرودُ والحكـمـةُ البيضـاءُ تُوجُعني

فضـاءَ روحي.. وأقتاتُ الرؤى تَعَبا

كلُّ ابتسامـاتِ صيفـي زنبقٌ وندىً

فمَنْ أحـالَ دمي أو ضحكتي خَشَبا؟

إنـِّي تأمَّـلتُ أعضـائي على حجَرٍ

تبكي وتتركُ في دربِ الحصى عُبَبَـا

***

شـيءٌ بعينيـكِ مجهـولٌ  يُحـدِّثني

بأنَّ ألـفَ شقـِيٍّ  دونـَهُ  صُـلبـا

شـيءٌ بعينيـكِ مجهـولٌ كخيطِ سناً

جرَّ الضّـرامَ على قلبي فما انسَحَبـا

شـيءٌ بعينيـكِ مجهـولٌ  يُراوغني

كأنهُ طيفُ وحـيٍ  في النهـارِ خَبَـا

شـيءٌ بعينيـكِ مجهـولٌ يُعـرِّفنـي

يوماً إلى آخـري المُلتـاعِ خلفَ صِبا

شيءٌ بعينيـكِ كالجـوعِ القديـمِ إلـى

ما تعرفيـنَ.. كأفعـى تحرسُ الرُطُبا

بـاتَت تُحـاولُهُ الأيـدي  وتلثمـُـهُ

عشقـاً  وتُخفيـهِ بينَ جوانحي سبَبَـا

بـاتَتْ تُعصِّـرهُ الأيـدي  وترفعـهُ

على السمـاءِ  دماً  يستنهضُ العـرَبا

قدْ قيلَ.. كُثـرٌ بنـارِ الحُبِّ من لعبوا

فمَن  بنـورٍ على عينيـكِ  قدْ لعبَـا!

إنـِّي تأمَّـلتُ أحــلامي على حجَرٍ

تبكـي وتُطلـقُ زهرَ الدمـعِ لي نَهَبا

***

يا لوتسَ الروحِ في قـاعِ الظلامِ غفـا

والعطرُ والطـلُّ من أهـدابـهِ انسَكَبا

إنِّي حملتُ جناحِي والهـوى مـرضٌ

عبرَ المتاهـاتِ أمشي من رُبىً  لرُبى

أرمـي لشبَّـابةِ الرّاعـي  وغنـوتهِ

أذنيَّ... سحـرُ مزاميـرٍ  لهـا سَرَبا

وأجتلي من ربيعِ الحُـبِّ  في رئتـي

في كلِّ سفحٍ..  وراءَ السفحِ طيفَ صِبا

عندَ المسـاءِ  وفي فجـرٍ يُغـازلنـي

يحلـو بعينيَّ سهـداً..  ليـتَ ما ذَهَبا

هنـا سأخـلعُ ثوبَ القلبِ من طَـرَبٍ

على رخـامٍ مُقفَّىً...  أو رمـالِ خِبا

***

ظنـِّي شظـايا سـؤالٍ سـابحٍ أبـداً

خلفَ المجـرَّاتِ كالبـدرِ الجميلِ  كَبَا

صـوتي تحجَّرَ في هذا المدى  ودمي

وأُمنيـاتي ولـونُ البحـرِ قدْ نَضَبـا

وصـارَ حبري مُحـاراً فوقَ أجنحتي

يُضـيءُ كُـوَّةَ أفكـاري  إذا غَـرَبا

تأمُّـلاتي وراءَ الصّـمـتِ  أغنيـةٌ

تحجَّـرتْ  وتهـاوى بـرجُها غضَبا

تأمـُّـلاتي وراءَ الصمتِ  هـاويـةٌ

تعلَّـقـتْ بوريـدي في الفضا طرَبا

***

كلُّ ابتساماتِ صيـفـي  زنبقٌ  وندىً

فمَـنْ أحالَ دمي.. أو ضحكتي خشَبا؟

ومنْ أحــالَ شفاهي صخرةً.. وفمي

ريـحـاً.. وحُلمي الذي عانقـتهُ لَهَبا؟

ومـا تـأوَّدَ من أغصـانِ عـاطفتي

ومن ضلوعي وأطيـارِ الرؤى حطَبَا؟

هنا سأخـلـعُ زهوَ الشّعرِ  عن كثَبٍ

لعلَّ ظبـيَ النـّدى  والشهـقةِ اقترَبا.