قُبلة إلى .............. ريمون شِبْلي

إيلي مارون خليل قرأها 1,483
  

قُبلة إلى .............. ريمون شِبْلي

إيلي مارون خليل

EMKhalil01.JPG 

RaymonShalabi01.JPG

يفتتحُ ريمون شِبْلي كتابَه الجديدَ* بالقول، وفي مطلع القصيدةِ الأولى: 

"مِن بينِهِـنَّ... وقد كـان التَّخَيُّـرُ مـا   شاءَ التَّمَنّي.. فصرْتِ الوردةَ الأغلى"(9)

ويتابعُ بهذا الهدوء الصّافي، والمعاني الرّقيقة، والألفاظ العَذبة، ويُرَصِّعُ ذلك كلَّهُ بالصُّوَر الشَّفيفة. فأنتَ توغِلُ في القراءة/الكَشْف، هانئًا، سعيدًا، مُغتنيًا، مُحَلِّقًا...تكاد لا تتوقّفُ، حتّى لالتقاط نفَس!

غريب! أليس الشّاعرُ بركانًا دائمَ الاشتعال؟ فمن أين هدوؤه ريمون شِبْلي؟ أليس الشّاعرُ قَلِقًا "كأنّ الرّيحَ تحتهُ"؟ فمن أين طُمَأنينتُه؟ أليس الحُبُّ عَصْفًا مُلَوَّنًا طيِّبًا مثيرًا؟ فمن أين ما في كتابِهِ، هذا، من هَناءة خصبة، وراحة وادِعة؟

ألغرابةُ؟ في أن نطرحَ مثلَ هذه الأسئلةِ حين موضوعُنا ريمون شِبْلي: إنسانًا وشاعرًا وجَماليًّا!

فالإنسانُ، فيه، واثقٌ، والشّاعرُ عاشقٌ، والجَماليُّ موهوب! أُنظرْ إلى هذه الثُّلاثيّة: ثقة، عشق، موهِبة! ألا ترى، معي، تَتابُعَها، تَكامُلَها، تَناغُمَها، وتاليًا: وحدتَها؟

إنّ الثّقةَ تطبعُ الشَّخصيّةَ بالهدوء، وتُطَمْئنُ العاشقَ، وتُحَرِّضُ الموهبة؛ فيهدأ العاشقُ، يَطْمَئنّ، ويُبْدِع. وهاكَ ريمون شِبْلي يُعْلِنُ:

"أشْعَلْتِ قلبي حَنيـنًا صامِتًا، وهَوًى،       على طُمَأنينةٍ من صمتِهِ، صَلّى(10)

فعشقُهُ طُمَأنينةٌ وصلاة، إذًا: ثقةٌ وإيمان. ثقةٌ بالذّات، بالحُبِّ؛ وإيمانٌ بِهِما، لذلك "شَفَّ الكَونُ واحْلَولى"(10).

ألهدوءُ الصّافي يبدو منعكِسًا في صفحات كتابِهِ كلِّها. لا صِراع. لا قلق. لا خوف. لا حزن. ولا غيمةٌ سوداءُ واحدة. عالمُ هذا الشّاعرِ أجواءٌ صافية، مَداراتٌ شفيفة، آفاقٌ رائقة. واثقٌ، ريمون شِبْلي. هو لا يَتَغَنّى بِحُبٍّ/وهْمٍ، ولا بِحبيبةٍ مَوهومة. ألحُبُّ موجودٌ، والحبيبةُ نابضةٌ حياةً، فيه ومعه وإليه. يَسْكُنُها وتسكنُه. والسُّكْنى ملءُ السّلامِ والطُّمأنينة:

سَكَنْتِ بالي وأشـواقي وأزمنتي     سَكَنْتِني وردةً ترتدُّني طفلا (11)

والمعاني الرّقيقة تَظَلُّ رقيقةً ولو في "اشتعال الجِراح"(12)، فهي لا يعبرُهُ قَوامُها إلاّ "مُطْمَئنًّا ومنفتِحًا كزنبقةٍ تفوحُ" (13). وهي واحدةٌ غيرُ مُنازَعة. ألأخرَيات؟ "في الخارج الرّحبِ" (15). وتبقى واحدةً وحيدةً في فصول الطّبيعة كلِّها: "وردةَ الخريف، وقمرَ الشّتاء، وديمةَ الرّبيع..."(18)، ألوردةُ الخضراءُ" لا تقوى عليها ريح،(19) ووعدًا تبقى "يُضيءُ... حُرّيّةً تستقلُّ الحُبَّ والصّدْقا"(54)، وتبقى "لِطُمأنينةِ وجهٍ دافىءٍ، لأناشيد سلام.."(56-57). هادىءٌ ريمون شِبْلي، حالِم، واثقٌ، قانعٌ، مُطْمَئنٌّ، فهي "...رسمتِ العمرَ زنبقةً/ بريشةٍ لونُها الأعراسُ والهَزَجُ"(63).

ومن مكامن نفسِهِ، ومَطاويها، يختار ريمون شِبْلي ألفاظَه العذبةَ. ذاتُهُ العاشقةُ  انعكستْ ألفاظًا تُلامِسُ عذوبتُها الأفئدةَ، تُدَغْدِغُ الأذنَ، ففيها الجِرْسُ المُوَقَّعُ: معنًى وصورةً وحروفًا. وفصيحةٌ هي كلماتُه، وبليغةٌ تعابيرُه الأنيقةُ، وهو يُكَرِّرُها، أحيانًا، لإيضاحٍ، لإبلاغٍ، لإيحاءٍ، لتأكيدٍ، خصوصًا في المَطالع والنِّهايات. وتستعذبُ ذلك أنتَ. تستعذبُ وتنتظِر. لكنّ الشّاعرَ لا يُلَبّي انتظارَكَ دائمًا، بل يُفاجئُكَ، وتكون المفاجَأةُ طيِّبةً، مستَحَبّةً، غنيّةَ الإيحاءِ، بعيدةَ المَرمى. إليكَ مثلاً ممّا أسوق": يُعَنْوِنُ الشّاعرُ إحدى قصائدِه هكذا:"وأشتاق!" ويبدأ: "أُغَنّيكِ وأشتاقُ"، ويبدأ القسْمَ الثّاني: "وأشتاق"، والثّالثَ: "وأشتاق"، ويُنهي: "وأشتاقُ!../وأشتاقُ"(64-65-66). ومَرّة أخرى، تنتظر التَّكرار، وإذ به يفاجئُك. ففي قصيدةٍ تلي السّابقةَ يُعَنْوِن: "بيتُكِ"(67-68)، ويبدأ: "بيتُكِ الزّنبقُ" ويُكَرِّر في المقطع الثّاني: "بيتُكِ الحُلْوُ"، ويستبدل، في مطلع الثّالث:"أنتِ هذا البيتُ.."، ولا يُكَرِّر النّهايةَ، بل يأتي قولُهُ: "عرشُهُ المُطْلَقُ!." وكأنّ هذه الخاتمةَ تتمّةٌ لِمَطالع المَقاطِع.

أمّا صُوَرُ ريمون شِبْلي البَيانيّةُ، فمتنوِّعةٌ، غنيّةٌ، موضِحةٌ، موحِيةٌ، مؤثِّرة. وهي شفيفةٌ؛ لا غامضةٌ صَعبة، ولا شديدةُ الوضوحِ بليدة. إنّها الغائمةُ السّاطعةُ، السَّميكةُ الرَّقيقة. تُفْصِحُ وتُشير. تومِىءُ لا تشرح. تَغْمِزُكَ... وأنتَ تتكفَّل بالبقيّة... فالكتابةُ إبداعٌ، والقراءةُ اكتشافٌ لمخبوء المعاني في الكلام! "مذ شاءتِ الصّدفةُ احْلَولى الزَّمانُ"(58)؛ "كأنّكِ الفرحُ الرّيفيُّ يَغْسِلُني"(62)؛ "ينام على وسادتِها كتابٌ.. وأقلامٌ وأوراقُ.."(65)؛ وهذه، بعدُ:

"أللهُ يا امرأةً في شَعرها اشْتَعَلَتْ     قصائدٌ حُرّةٌ تَستحرِمُ العُقَدا!(84)

          هنيئًا لِصديقي ريمون شِبْلي، جنّتُهُ، أقصدُ: حبيبتَهُ!..

16 نيسان 2009

* "كأنْ أسْقَطْتِ ذاكرتي" _ شِعْرٌ في الحُبّ _ 2009 _ 112 صفحة _ إصدار خاصّ.