"صح النوم" تبدِّد التوتُّر وتشعل الحنين
صحوة على صوت فيروز وتجربة الرحابنة المجددة
بدعوة من صوتك، فيروز، نزلنا الى الشارع وسط الحشود في بلد الحشود. لأجل صوتك فيروز، ولأجل ان نخرج من الاختلاط والتشوش والكآبة الدائمة وأكزيما الدماغ، حجينا في الثامنة مساء أمس الى البيال، لنسمعك في <صح النوم> الأوبريت الغنائية التي عرفتها جماهيرها لثلاثين عاماً خلت في صالة البيكاديلي في الحمراء وفي معرض دمشق الدولي.
فعلها زياد الرحباني، عرض <صح النوم> في يوم التوتر الاقصى، فسحبت هذه من أجسامنا كل التوتر، واستعدنا نبرة ايمان قديم، وغرقنا في هناءة اللحظة حين أطلت <قرنفل> بثوبها القرنفلي <وشمسيتها> ذات الترتر، وتنقلت كعصفورة على المسرح الكبير، بسينوغرافيا الروح والبيوت القديمة التي ما عرفت سوى الحب.
<صح النوم> في عمقها السياسي وتحكي <مفارقة> الصبية التي تسعى الى الوالي من اجل الحصول على رخصة لتعمر بيتها في حين الوالي (انطوان كرباج) لا يعنيه سوى النوم، وإن استفاق فلكي يختم على معاملات قليلة الى ان يضيع الختم وتبدأ حبكة الأوبريت.
الاغنيات والموسيقى مسجلة كلها، كما ان المسرحية في الاساس مصممة للصالات المقفلة، سوى ان السينوغرافيا البهية على مسرح <البيال> بدت رحبة وحاضنة في آن لحركة الممثلين ولمعنى لعبهم في ضيعة لبنانية وساحتها تحديداً.
الأوبريت بصيغتها الجديدة، حرص زياد الرحباني على تشذيبها من <التلطيش> الذي تخللها في ما سبق، لانه ينتمي لمرحلة ماضية كما تم استبدال الراحل نصري شمس الدين بإيلي شويري غناء وتمثيلا. <صح النوم> ليست حالة لبنانية صرف، بل تكاد تكون رمزاً لحالة عالمية او لما يحصل في العالم رهناً. أوبريت تصّنف الى حد بالعبثية، وتعتبر من اعمال الرحابنة الاكثر اجتهاداً والأكثر رهافة وصعوبة. سوى انها على صعيد موضوعها على قدمه، بقيت تحاكي الراهن. زياد الرحباني عمل على اعادة تسجيل كل حواراتها المغناة فيما الاجواء على جرى عادة الرحابنة، بقيت على شاعريتها ورومانسيتها، كما عبّرت عن رغبة فيروز بالعودة الى المسرح.
لم نصدق فعلا الحشود التي أمت <البيال> وتتسع صالته لخمسة آلاف متفرج امتلأت على آخرها، رغم <فولتاج> الكهرباء الذي يسري في اوصال البلد. صوتك فيروز، رغم بحة العتب البادية، اضاء البلد ووسطه وتماهى مع دبكات الصبايا وغناء الشباب فسمعنا لليلة الأمس ترتيلاً مغايراً للصراخ الذي نسمع كل يوم، حين بدا غناؤك خيمة جامعة بوسع كل محب حقيقي الفيء تحتها، تنصبينها متى شئت واينما شئت.
السفير