تساؤلات قديمة متجددة
تساؤلات قديمة متجددة
بقلم: عطية مسّوح
لكثرة ما يكتب ويقال عن ضعف مشاركة الشباب في الحياة الثقافية والسياسية، صار واحدنا يبحث عنهم في كل فعالية يحضرها أو يساهم فيها. تجُول أعيننا على الحاضرين سعياً إلى أن تقع على شَعر لم يجلله البياض أو وجه لم تجعّده السنون، وحين نرى شاباً أو بضعة بين العشرات أو المئات، نستبشر خيراً ويستيقظ فينا أمل الاستمرار.
وتكاد لا تخلو جلسة من جلساتنا الجدية من الحديث عن هذا الموضوع، فنحن ـ ولا أقصد هنا حزباً معيناً أو مؤسسة ثقافية محددة ـ نعيش هاجس البحث عن الشباب، والخوف مما سيؤدي إليه ضعف مشاركتهم وانحسار دورهم السياسي والثقافي. وقد لا يرى بعضنا الأمر على هذا النحو، فثمة من يقول: الأدب يستهوي الشباب، والمبدعون الشباب يملوؤن فضاءنا شعراً وقصة وغير ذلك.
نعم، هذا صحيح، وثمة في زمننا مبدعون شباب كما كان في كل زمن، لكن المختلف هو أن الحركة الثقافية في عهود النهوض يكون الشباب عمادها، وتكون إبداعاتهم هي الأرقى والأكثر فنية وانتشاراً، وتؤكد للمطلع عليها أنها هي الجديرة بأن تبقى وتثمر.
كما أن الشباب كانوا ـ في عهود النهوض أيضاً ـ عماد الحركة السياسية ولا سيما الحركات الثورية التغييرية. وثمة من يُعيد ابتعاد الشباب عن النشاطات الثقافية والسياسية إلى دور الإنترنت والمحطات الفضائية التي تغنيهم عن استقاء المعلومات من المصادر التقليدية (الكتاب والحزب والمحاضرة) ولكن الأمر ليس بهذه البساطة.
أما القول: إن قادة الحركات السياسية التغييرية الثورية هم الذين تسلطوا على إرادة الشباب وحدُّوا من جموحهم، كي تظل مواقع السيطرة والقيادة لهم برغم تقدمهم في السن. فهو قول يحمل جزءاً من الحقيقة، ولكنه لا يفسّر الأمر تفسيراً مقنعاً.
ففي كل زمن كان الأمر كذلك، قادة كبار يتمسّكون بمراكزهم، وشباب طامح متمرد نشيط، يريد أن يأخذ دوره في الحياة، فكيف ينتهي الأمر في بعض المراحل إلى نهوض الشباب واحتلالهم مواقع رئيسة فعّالة في قيادة الحركة السياسية والثقافية، بينما يصل في مراحل أخرى إلى انكفاء الشباب وابتعادهم عن الاهتمام بالشؤون العامة والمشاركة فيها؟
قد يكون جوهر الأمر وجود قضية كبيرة تشغل الشباب وتشدّهم إلى الاهتمام والمشاركة، قضية مصيرية على الصعيد السياسي الوطني أو على الصعيد الاجتماعي.
وهنا يُطرح السؤال التالي: هل انعدمت هذه القضايا الكبيرة عندنا؟ هل وجدت طريقها إلى الحل الذي يرضي شعبنا شيوخاً وشباباً؟
وإذا كانت القضايا الوطنية والقومية والاجتماعية لا تزال قائمة، فأين الشباب منها؟ ولمَ انحسر دورهم فيها؟
قد يكون من السهل أيضاً أن نجيب إجابة صحيحة، لكنها غير كافية، وهي: إن ضعف الحراك السياسي وانحسار الحركة السياسية التقدمية الناتج عن عوامل عديدة، منها ضيق هامش الديمقراطية، لا بد أن يؤديا إلى انكفاء الشباب وتراجع دورهم.
وهذه الإجابة الصحيحة غير كافية، لأنها تحيل إلى سؤال آخر عن سبب ضعف الحركة السياسية وانحسارها، وسبب الفشل الذي منيت به المشاريع السياسية النهضوية القومية واليسارية.
هذه الأمور يرتبط بعضها ببعض، لكنها لا تنفصل عن العوامل الذاتية التي لا بدّ من البحث فيها، لمعرفة الأسباب العميقة التي تدفع أوسع أوساط الشباب إلى البعد عن المشاركة السياسية والثقافية.
وقد يكون بين ما يفيدنا بحثه في هذا السياق، السلوك الذي تمارسه الجهات المسؤولة في الحركات السياسية، والمؤسسات الثقافية، أو هذا المسؤول أو ذاك، والذي ينفّر الشباب المشحون بالطموح والتمرد على المألوف والتحرر من القيود السائدة.
قد يكون من المفيد أن نتلمس مظاهر الخوف من الثقافة لدى أوساط سياسية متنفذة، ولدى القائمين على المؤسسات الدينية، فكلاهما يرى الثقافة طريقاً إلى الوعي ورفض منطق التسليم والإذعان، وهذا ما لا يريدون أن يصل الشباب إليه.
المتنفذون الخائفون على مواقعهم، في المؤسسات السياسية والدينية، يخيفهم الوعي التغييري لدى الشباب أكثر مما يخيفهم الانحراف أحياناً. إنهم يرون أن انصراف الشباب إلى ما لا يفيدهم معرفياً وعملياً هو أقل خطراً من انخراطهم في الحياة السياسية والثقافية التي قد تفرض إيقاعات جديدة في حياة المجتمع، لا توافق مصالح المتسلّطين والمتنفذين.
كثيرة هي النقاط التي يفيد بحثها في هذا المجال، وقد كُتب وقيل الكثير في الدعوة إلى إثارتها والحوار حولها، لكن المعنيين في المجتمع من باحثين وسياسيين وإعلاميين لا يزالون يتجنبون الخطوات الجدية، ولم يتجاوز البحث والحوار حدود السطح، دون الغوص في الأعماق.
إن انحسار مشاركة الشباب في القضايا السياسية والثقافية هو مظهر من أهم مظاهر الشيخوخة والهشاشة في المجتمع. وإذا كان علماء الاجتماع والسكان يعتمدون المؤشر المعروف في تصنيف المجتمعات إلى شابة وشائخة، وهو مؤشر نسبة الشباب والأطفال إلى عدد السكان، فإن ثمة معياراً آخر أرى أنه هو الأهم في زمننا ومجتمعنا، وهو معيار المشاركة. فالمجتمع الشاب الناهض، هو ذلك الذي تزداد فيه مشاركة الشباب في الحياة السياسية والثقافية والمدنية، ويزداد دورهم القيادي وحضورهم العددي الفعال في القيادات، ويضعون بصماتهم الشابة على كل برنامج أو نشاط. أما المجتمع الشائخ المنحدر، فهو الذي لا يتحقق فيه ذلك، وإن كانت نسبة الأطفال والشباب فيه عالية.
فلننطلق من ذلك، ولنبحث هذا الأمر بالجدية التي يستحقها.