شبابنا.. والأمل المجهول!
شبابنا.. والأمل المجهول!
بقلم: إيمان أحمد ونوس
نشرت صحيفة (تشرين) في عددها 10590 الصادر بتاريخ 7/9/2009 خبراً مفاده أن الضابطة الجمركية قامت مساء الأحد 6/9/2009 بمصادرة 220.500 حبة كيبتاكون، وهي نوع يستهدف الشباب المراهقين، وذلك ضمن سيارة قادمة من درعا.
أجل، يسعى معظم شباب اليوم، بكل الاتجاهات والمسارات خلال ممارسة طقوس حياته اليومية أن يحظى ولو بنتف من سعادة منشودة في زمنٍ مفعم بالمرارة والإحباط وخيبات الأمل، زمن يحفل بالكثير من المتغيرات والمغريات المتسارعة ضمن مجتمع يعجّ بالمتناقضات والمشكلات اليومية اللامتناهية، من بطالة وتدهور الوضع المعاشي لشرائح كبيرة من الناس وصلت إلى مستويات ما تحت الدنيا من حدود الفقر المعترف بها عالمياً، نتيجة الارتفاع المحموم لكل ما لا يمكن الاستغناء عنه لأجل البقاء على قيد الحياة. وأيضاً لتقلّص فرص التعليم المجاني أمام شرائح غير قليلة من هؤلاء الشباب، إضافة إلى تضخم المهور وأسعار السكن اللازم للاستقرار وبناء أسرة. ولا ننسى المغريات التي فرضتها وألقت بظلالها على المجتمع فضائيات لامتناهية بما تبثه من وسائل الرفاهية والمتع الحسية والمادية عبر إعلانات تروج لصناعات ومنتجات تُشعر الفرد أنه بامتلاكه لها سيمتلك فضاءات السعادة بأسهل الطرق، سعادة وهمية تفعل فعلها بشرائح غير قليلة من الشباب، بعد التغير الحاصل والواضح في منظومة القيم والمفاهيم والأعراف التي سادت الحياة والمجتمع لقرون خلت. يُضاف إلى هذه الأسباب، الأوضاع الاجتماعية والأسرية التي يعانيها البعض، كالتفكك الأسري نتيجة غياب الأب المسافر لتأمين لقمة العيش، أو الطلاق أو وفاة أحد الأبوين، إضافة إلى حصول عدد من هؤلاء الشباب على مصروف كبير لدى بعض الأسر الميسورة لتعويضهم عن غياب الأب، أو تسيب الأهل وانشغالهم عن قضايا ومتطلبات الأبناء. وعلينا ألاّ نغفل خاصية حب الاستطلاع والتجريب والاكتشاف، وأيضاً الاقتداء ببعض الأصحاب.
لكل هذه الأسباب مجتمعة، أصبح شبابنا أمام معضلات وأزمات تحاصرهم على مدار اليوم، مما حملهم لأن يتجرعوا مرارة الإحباط والتشاؤم بسبب شعورهم بالعجز عن تحقيق شيء ذي قيمة مادية ومعنوية، إن كان على الصعيد الشخصي أو العام.
إحباطات وانكسارات متتالية جرفت بعضهم لدوامات خطرة من الاستلاب واللاجدوى من حياة ومجتمع وضعهم على هامش الزمن، فأخذ الانتقام من الذات لدى البعض حيّزاً لا بأس به حتى بتنا نرى ظاهرة الانتحار واضحة في مجتمعات مختلفة. إضافة إلى بحث بعضهم عن حالة تنتشلهم من هذا العذاب، بأية طريقة تنسيهم واقعهم المر، فيلجؤون إلى اللهو والتسيب وتعاطي مواد يتوهمون أنها تبعث في نفوسهم سعادة تغنيهم عن هذا الواقع المأفون بنظرهم... عن طريق الأصدقاء أو بعض مروجي هذه المواد السامة التي تهدف إلى قتل الشريحة الهامة التي يعوّل عليها في بناء المجتمع وتطوره، لا سيما بعد أن راجت تجارة المخدرات، وأصبح التعاطي والإدمان في صدارة المشكلات الاجتماعية والصحية على المستوى العالمي منذ منتصف القرن الماضي.
صحيح أن مجتمعنا ما زال لا يحتل مكانة مرموقة في هذا المجال، إلاّ أنها بدأت تشكل خطورة على المجتمع والشباب في الوقت ذاته، لأنها تأخذ حيّزاً غير ضئيل، لا سيما في الأوساط التي تكثر فيها الأمية والبطالة والتفكك الأسري.
ففي إحصائية للمركز الوطني لرعاية الشباب في دمشق منذ بداية العام الماضي وحتى نهاية شهر آب منه، تقول:
هناك 359 حالة إدمان هيروئين- 120 حالة إدمان دوائي- 48 حالة إدمان كحولي- 5 حالات إدمان كوكائين- حالتا إدمان حشيشة الكيف.
وأن نوعية متعاطي هذه الأنواع من المخدرات هي:
48 مريضاً ملماً بالقراءة والكتابة- 15 مريضاً معهم الشهادة الابتدائية- 226 الإعدادية- 168 الثانوية- 48 من خريجي المعاهد المتوسطة و 18 من حملة الشهادة الجامعية.*
من المؤكد أن هذه الإحصائية غير دقيقة لأسباب تتعلق بمفاهيمنا الاجتماعية الرافضة للكشف عن عدد غير قليل من المتعاطين والمدمنين، لأنه يعدّ عاراً اجتماعياً كبيراً لدى الغالبية العظمى من الناس، فيتم التستّر على مثل هذه الحالات، خصوصاً إذا عرفنا أن هذا الداء طال نساءً وأطفالاً في مجتمعنا، لا سيما في المناطق المتخلفة التي تعاني نقصاً في الرعاية الأسرية والحكومية.
إن هذه المعضلة المتفشية، تخرّب النسيج النفسي والقيمي والعاطفي للمدمن، وبالتالي سيصبح المجال خصباً أمام جرائم اجتماعية لا حصر لها، وتكلف المجتمع والدولة أموالاً طائلة لاجتثاثها، وأيضاً لعلاج من يتاح كشفهم والوصول إليهم.
من هنا تتحمل الأسرة بدايةً، ومن ثمّ المجتمع، والجهات الرسمية الحكومية مسؤولية تفشي هذه الظاهرة، وأيضاً مسؤولية علاجها بكل الوسائل المتاحة، من خلال معالجة المشكلات التي أدت إلى حدوثها.
* الإحصائية مأخوذة عن صحيفة (تشرين).