ألضّمير

إيلي مارون خليل قرأها 1,465
 

ألضّمير

إيلي مارون خليل

EMKhalil02.JPG 

ألكلمةُ، هذه، على كلّ شفةٍ ولسان، في كلّ نَدوةٍ سياسيّةٍ أو غيرِ سياسيّة، في كلّ عائلة، كلّ مجتمع، كلّ مكان، وكلّما اجتمع اثنان، كانت لفظة "ضمير" ثالثَهما، فما "الضّميرُ"؟ ولِمَ هذا الحديثُ الدّائمُ عنه؟ وما أهمِّيَّتُه، وضرورتُه؟ أهو مُتَغَيِّرٌ، أم  ثابتٌ على الدُّهور، وأينما كان؟

والواقِعُ أنّ هذه الكلمةَ ترافِقُ الجميعَ منذ الصِّغَر، خصوصًا في حِصَص التّربيةِ الدّينيّةِ في المدارس، كأن يُقالَ: إنّ الضّميرَ هو صوتُ الّلهِ في كلٍّ منّا،

كنتُ أتساءلُ، أنا، وبِصَوت داخليٍّ، بعد سماعي النّاسَ والأهلَ: أهو صوتُ الّلهِ، هذا الخارجُ من أفواهِ النّاسِ، سُبابًا وشتائمَ؟ غضبًا وصُراخًا؟ أهو صوتُ الّلهِ يَنْحَدِرُ من على شِفاه النّاسِ، حسَدًا وحِقْدًا؟ كُرهًا وبُغْضًا؟ أهو صوتُ الّلهِ يَندفعُ ضغينةً ونَميمَة؟ نارًا تَحرُق الصّيتَ، تَكْوي المشاعرَ، تُشَوِّهُ نِعْمَةَ الحُبِّ والحياة؟

وكنتُ أتساءلُ، في أعماقي السِّرِّيَّةِ : كيف؟ ألَم يتعلّم النّاسُ ما هو الضّميرُ، وما مَعناهُ؟ أهو "ضميرٌ" عندنا، نحن الصِّغارَ، فحسْب؟ وحين نكبر، ماذا يُصبِح؟ ومن أين مثلُ هذه الكلماتِ التّافهةِ، والنّوايا الخسيسةِ، والنّوايا المُدَمِّرة؟

وأتساءلُ، لا  بدون خوفٍ ورهبةٍ: أين الّلهُ؟ ألا يراهم؟ ألا يسمعُهم؟ ألا يُعاقِبُهم؟ إذًا: لِمَ أخافونا به؟ لِمَ أخافونا من النَارِ تَحرُقُنا، والدّودِ يَنخَرُنا، والألمِ يَتَأكّلُنا، إلى ما لا نهاية؟

وكثيرًا ما كانت تُرعِبُنا هذه ال"إلى ما لا نهاية"! فلا نفهمُها، ولا نستطيعُ تَصَوُّرَها، ونَتَخَيَّلُ، قدرَ ما  تَسعفُنا مُخَيَّلتُنا، أيُمْكِنُ ألاّ يكونَ لشيءٍ ما نهاية؟ كيف؟ نرى إلى نهايةِ الأسبوعِ كم هي بعيدة، وإلى نهاية الشّهر كم هي أبعد! وإلى مجيء عطلة الميلاد وكيف أنّها تكاد لا تقترب، فكيف هي "الّلانهاية"؟

ولا نصِلُ إلى إجابةٍ، ولو سألنا "الكبار"،

نُصابُ بالحَيرةِ والحزن! كيف لا يعرف "الكبارُ" كلَّ شيء؟ أقلُّه هذه المُسَمّاةُ "لا نهاية"؟ ومن يعرف إذًا؟ كنّا لا نجرؤ على سؤال الرّاهبة! رفاقي خوفًا! أنا رهبةً! أخشى أن تكون الرّاهبةُ كما "الكبار"! لا أطيقُها لا تعرف! كنتُ أحِبُّها! كانت جميلةً جدًّا! ولا أعرف لماذا كان يَتَهَيّأ لي، أنّها غيرُ مقتنعةٍ بما تُعَلِّمُنا عن "جَهَنَّم"!

*******

و.. كبرنا! كبرتُ! فرأيتُ أنّ الضّميرَ ليس صوتَ الّلهِ فينا، رأيتُ أنّ الضّميرَ هو صوتُ التّربيةِ فينا، وصوتُ المجتمع، وصوتُ المُعَلِّمات والمُعَلِّمين، وصوتُ مَن نسمعُ من رجال أعمالٍ واقتصاد وإعلامٍ وفنٍّ وسياسة!.. فكيف يكون صوتَ الّله!؟

فعندما كانت تقول لي أمّي: لا تُزعجْ أحدًا، لا تُعَذِّبْ مُعَلِّميك، لا ترمِ نُفايةً في الطّريق، لا تشتمْ، لا تقطِفْ تُفّاحةً من بستان الغير،. كنتُ أسمعُ أمّي، أحترمُ رغبتَها، أحبُّها، ما كنتُ أسمعُ صوتَ الّله! أكان الّلهُ مختبئًا في صوتِ أمّي!؟

وعندما كان يقول لي أبي: لا تتشاجرْ مع أحد، لا تُغْضِبْ أحدًا، لا تكذِبْ على أحد. لا تُعَذِّبْ أمَّكَ ولا أحدًا، أحبِبِ النّاسَ، ساعِدْهم، خصوصًا الشّيوخَ منهم، ألْقِ التّحيّةَ على مَن تَلْقى في الطّريق، فالتّحيّةُ لّله، ما كنتُ أسمعُ صوتَ الّله! أكان الّلهُ مُختبِئًا في صوتِ أبي!؟

وعندما كنتُ أسمعُ جَدّي وجَدَّتي والجيرانَ، يوصون أولادَهم بمثلِ ما كان أهلي يوصونني، ما كنتُ أسمعُ صوتَ الّله! كنتُ أسمعُ صوتَ النّاسِ الطَّيِّبينَ، الأنقياءِ، الخَلوقين،.. أكان الّلهُ مُخْتَبِئًا في أصوات النّاس الطّيّبين!؟

ولكن،. ها هو السّؤالُ نفسُه لا يزالُ يَضِجُّ فيّ: أينَ الّله؟ أليس الّلهُ في كلّ مكانٍ، كما علَّمونا؟ حتّى في "جَهَنَّمَ"، بغضبِه!؟ إذًا: لماذا هو "هكذا"؟ أليس هو واحدًا أحدًا؟ لماذا يختلفُ صوتُه بين إنسانٍ وإنسان؟ لمَ يختلفُ صوتُه في رجال الاقتصادِ، عن صوتِه في أمّي؟ وصوتُه في رجالِ السِّياسةِ، عن صوتِه في أبي؟ وصوتُه في بعضِ "رجاله"، عن صوتِه في النّاسِ الطَّيِّبين؟

إذًا، فما الضَّميرُ؟

إنّه باطنُ الإنسان!

فماذا في هذا "الباطِن"؟

في هذا "الباطنِ" مزيجٌ غريبٌ عجيبٌ من مُخَلَّفاتِ المجتمع والأهل والأقاربِ والمُرَبّينَ والمطالعاتِ ووسائلِ الإعلامِ  جميعِها،. فأينَ الّلهُ في هذا الضّجيجِ كلِّه؟ هل مات؟ هل استقال؟ هل غضِبَ من خليقتِه، فتخلّى عنه؟ هل يئسَ منّا؟ هل حرّرَنا من صوتِه ووصاياه، حين وهبَنا الحرِّيَّةَ؟ أم إنّنا نحن مَن اخترع هذه الحرِّيَّةَ لذاتِه، وصدَّقَ اختراعَه؟ أم إنّنا نحن، أيضًا، مَن تَجَرَّأ على الّلهِ، فثار عليه، وخرج عن طاعته؟

أليستْ تعاليمُ الّلهِ واحدةً، بما أنّه واحد؟ فكيف اختلفت وتختلفُ بين كائنٍ إنسانيٍّ وآخر؟ لماذا يفهمُ الواحد نقيضَ ما يفهم الآخر؟ أليس للألفاظ معنى واضح؟ والتّأويلُ؟ ألا يفهمُ الواحد بقدر ثقافتِه وقدرتِه على التّحليل والتَّأمُّلِ؟ لماذا تختلفُ هذه القدرةُ بين الفردِ وزميلِه؟ أهي تختلفُ، فِعلاً، أم يريدُها الواحدُ مختلفةً؟ نعودُ إلى الحُرِّيَّةِ، والاختيار، في الحُرِّيَّةِ مسؤوليّةٌ ينبغي أن تكونَ واعية؛ وفي الاختيار تضحيةٌ لا ينفعُ، فيها، النَّدَم،

أين هذا من المُسَمّى "ضميرًا"؟

ليس الضّميرُ صوتَ الّلهِ فينا؛ صوتُ الّله يجبُ أن يكونَ في تعاليمِه، هو واحدٌ، فتعاليمُه يجبُ أن تكونَ واحدة، ونحن نرى الاختلافاتِ في ما يُرى أنّه صوتُ الّلهِ وتعاليمُه، فالضّميرُ صوتُ الباطِنِ في كلٍّ منّا، من هنا اختلافُ "الضّمائرِ" باختلافِ "البَواطِنِ". البواطِن؟ وما أدراك ما البَواطِن؟! إنّها أصواتٌ أصوات،. تختلفُ باختلاف "الكُتُبِ" والمجتمعاتِ والتّربيةِ والثّقافةِ والهوى والرّغائب،. و"الضّمائر"،.

24/9/2008