بين الخطيئة والخطأ
بين الخطيئة والخطأ
إيلي مارون خليل
كثيرًا ما كنت أفكّر، صغيرًا، فمراهقًا، فشابًّا، في الفارق بين الخطيئة والخطأ. وكثيرًا ما كان تفكيري "يتلعثم"، ومنطقي "يتعثّر"، وعاطفتي "تُتأتىء"، وآفاقي "تَتَلَبّد"، ورؤاي "تَتَبَلَّد". كنتُ أخاف! أقصِدُ: يتملَّكُني الخَوف!
كانت الرّاهبةُ تقول: ألخطيئةُ تودي بنا إلى جَهنّم. وكنتُ أقول: ألخطأ يودي بنا إلى الفشل. تقول الرّاهبة: ألخطيئةُ ضدّ وصايا الله. أقول: ألخطأ ضدّ عقل الإنسان. تقول الرّاهبة: ألخطيئةُ هي الإساءةُ إلى الذّات. أقول: ألخطأ هو الإساءة إلى الذّات، أيضًا. تقول الرّاهبةُ: وضدّ الآخر. أقول: والخطأ، أيضًا، يكون ضدّ الآخر. تقول الرّاهبةُ: ألخطيئةُ تُذِلّ الذّات. أقول: ألخطأ يُذِلُّ الذّاتَ والآخر. تقول الرّاهبةُ: ألخطيئةُ تؤذي النّفسَ. أقول: ألخطأ يؤذي النّفس والجسد، أحيانًا. تقول الرّاهبةُ: ألخطيئةُ تقضي على الآخرة الصّالحة. أقول: ألخطأ يقضي على الأولى إلى وقتٍ يُحَدِّدُه صاحبُه. تقول الرّاهبةُ: ألخطيئةُ تُشَوِّهُ السُّمعةَ، تُحَقِّرُ الكرامةَ، تُفقِدُ النُّبْلَ، تُميتُ الفرحَ، تُبعِدُنا عن الله، وتُبعِدُه عنّا... أقول: ألخطأ يُشَوِّهُ الرّجولةَ والأنوثة، إذًا السُّمعةَ، بالمطلَق، يُحَقِّرُ الكرامةَ، يُفقِدُ النُّبْلَ، يُميتُ الفرحَ، فيُلغي فكرةَ الله، فينا ولدينا... وتستمرّ تقولُ... تستمرّ... ولا يزالُ صوتُها يُدَوّي في أذنيّ، ورأسي، ونفسي، وقلبي... يُرعِبُني، فأفقدُ لذّةَ الحياةِ، اكتشافَ مراحلِها، فصولَ سعاداتِها والآفاق... وأستمرُّ أقولُ... أستمرُّ... ولا يزالُ صوتي يُدَوّي في... لا أدري أين... لكن ليس في أذنَي أحد، بالطَّبع، ولا رؤوسِهم، ولا نفوسِهم، ولا قلوبِهم، لكنّه لا يُرعِبُ... إلاّ... صاحبَه! ولا يُريد...
يُضافُ إلى ذلك، بالطّبع، ما كانت تُرينا إيّاه الرّاهبة من صُوَرٍ مُخيفة، أقول: بل مُرعِبة. تُرى فيها جَهنّم، بنيرانها الّتي لا تُطفأ، و"آليّاتِها" الّتي لا تتوقَّف، وشياطينِها الّتي لا تهدأ، وعذاباتِها الّتي بلا نهاية، وأجوائها الّتي بلا رحمة! ودائمًًا ما يكون الله، فيها وعَبرها، غاضبًا، حاقِدًا، ثائرًا، منتقِمًا، مُخيفًا... وما كانت، الرّاهبةُ تلك، لتتلفّظَ بكلمةٍ لطيفةٍ من مثل: حُبّ، محبّة، حنان، عطف... ولا من مثل كون الله أبًا، مُوَجِّهًا، مُرشِدًا، مُرافِقًا... فقد "زرعت"، في نفوسنا، أنّ الله يعاقِبُ، ينتقمُ... ما كنّا نقتنع ب"لاهوت" الرّاهبة، بل "نرتعب"! وكنتُ أتساءل: مَن هو على حقّ؟ ألرّاهبة، أم الصّلاة الّتي لا نزال نحفظ ونردِّد:"أبانا الّذي في السّموات..."؟
صحيح... مَن هو على حقّ؟! ألرّاهبة، أم الصّلاة؟ بل الأصَحّ: ألرّاهبة، أم يسوع؟ ألمُتَدَيِّنة، أم الدّين؟ يسوع، نفسُه، علّم "الأبانا"! ألا تؤمن به، تلك الرّاهبة؟ فكيف كانت تُعَلِّمُنا "الصّلاةَ الرّبِّيَّة"؟ لِمَ كانت تطلب أن نحفظَها؟ ما كان معنى ذلك؟ وما كان معنى أن تُصَلِّيَها هي، وتُعَلِّمَ الخوف؟ لِمَ كان الفصْلُ البَيِّنُ بين "اللاهوت" والحياة؟ كنتُ أتساءل، وأُضيف، بِصوت يكاد لا يُسمَع، بل بفكري، وأخشى أن أُسمَع: هل "الله" الّذي في "الأبانا"، هو غيرُ "الله" الّذي تُعَلِّمُنا الرّاهبة!؟ أيُّهما، إذًا، هو الصّحيح؟ هل "اللهُ" الّذي أوحى "الإنجيل" (البُشرى السّارّة ـ بُشرى الخلاص)، هو غيرُ "الله" (العهد القديم)؟ لماذا جُمِعا في "كتاب" واحد؟ أيُّهما هو "المُقَدَّس"/المُقَدِّس؟ أليس "إلهُ" الإنجيل، هو "إلهَ" الحبِّ والمحبّة، وتاليًا: الغفرانَ والمسامحةَ والحَدبَ والحنانَ والرّحمةَ والفرحَ والنُّبلَ والكرامةَ و...؟ فكيف!؟ كيف "يتجانسُ" مع الغضب، الحقد، الانتقام، الإخافة...؟ أيكونان واحدًا بِ"طبيعتَين" مختلفتَين، مُتَكاملتَين، مُتَفَرِّعتَين من "أصْل" واحد، ثابت؟ ألا يُعيدُنا هذا، إلى العهود "الوثنيّة"، حيث إلهٌ للحرب، وإلهٌ للحُبّ؟ فيكون "يهوه" إلهَ الحربِ، الغضبِ، الانتقامِ، القتلِ، التّدميرِ، الثّأر... ويكون "اللهُ" إلهَ الحُبِّ، المُسامَحةِ، الغفرانِ، العطفِ، الشّفَقةِ، الحنان...!؟ أكتابُنا "المُقَدَّسُ" يُعاني الازدواجيّةَ، وتاليًا الانفصام!؟ فكيف هو مُقَدَّسٌ، بمَ؟ لِمَ؟ وهذا "اليهوه"، المُخيفُ حتّى الموت، أيكون إلهًا حقيقيًّا للخير، للحقِّ، للحرِّيَّة، للجمال، للحياة!؟ لا أزالُني أُفَكِّرُ، أَتلعثمُ، أتعثَّرُ، أُتأتىءُ، أتلبَّدُ، أتبلَّد... وتعاودُني "الكيف"، "اللماذا"، "المَن"، "الما"، "الحتّامَ"، و"أخواتُها"... ولا أزالُني أ...
ألخطيئةُ؟ ألخطأ؟ كلاهما خطيئةٌ. كلاهما خطأ. وفي الوقت عينِه. صحيح!.. ما الفارقُ بين "الخطيئةِ" و"الخطأ"؟
ببساطةٍ مُتَناهية: ألفارقُ "إله"! "يهوه" و"يسوع"! ولن أُكَرِّرَ "ما" هو "يهوه"، و"مَن" هو "يسوع"!
ألخطيئةُ، قالت الرّاهبة، تودي إلى جَهنّم؛ والخطأُ، قلتُ، يودي إلى الفشل. أليس الفشلُ جَهنّمَ، بالنّسبة إلى المقهورين به، وبنتائجه، ولو إلى حين؟ والخطيئةُ، عند الرّاهبة، مخالَفةٌ لوصايا الله؛ وعندي أنّها مُخالَفةٌ للعقل كذلك. أليست مخالَفةُ العقلِ، نوعًا من مخالَفة الله؟ ومُخالَفةُ وصايا الله، بِدَورِها، أليست، هي الأخرى، مخالَفةً للعقل؟ والضّميرُ! أليس للضّمير دورُه الرّادعُ، المُعاقِبُ، المُنَبِّه، الحافِزُ المُحَفِّزُ لِعدم الاستسلام السّهلِ، اللذيذ، المُخَدِّر، في كلَيهِما!؟...
أرى أنّ "الخطيئةَ" ذاتُ "مفهومٍ" دينيٍّ، إيمانيٍّ، غَيبيّ؛ وأنّ "الخطأَ" ذو "مفهومٍ اجتماعيٍّ، فكريٍّ، واقعيّ. لكنّ "الأولى" مخيفةٌ، مُرعِبَة، "مُميتةٌ"، تُهلِكُ مُقترفَها؛ بينما "الثّاني" مُخيفٌ، غيرُ مُرعِبٍ، لا يُميتُ، لا يُهلِك. كلُّ خطيئةٍ أُعيدُها إلى "يهوه"؛ و"الخطأ" أُعيدُه إلى العقل الإنسانيّ. ألعقلُ يُصَحِّحُ، يُصالِحُ، يُسالِم. "يهوه" يُعَذِّبُ،يثأرُ، ينتقم. والفارِقُ واضِحٌ، نفسيًّا، اجتماعيًّا، فكريًّا، و... دينيًّا، معًا.
ولقد قرَّرْتُ. "إلهان" في الفكر: إلهُ الحُبِّ، الحرِّيَّةِ، الحياة؛ وإلهُ الثّأرِ، العبوديّةِ، الموت. إخترْتُ الأوّلَ. فالإنسانُ للسّعادتَين، ولا تكونان إلاّ بالخيرِ، الحقِّ، الجَمال؛ إذًا: الحُبِّ، الحرّيّةِ، الحياة!
ولْتَعْذرْني "سور" بولين، هاتيك الأيّام... إن كانت لا تزال على رأيها... مع أنّها كانت جميلةً جدًّا!
أيُمكِنُ، بل: أيُعقَلُ، ألاّ تكونَ قد بدّلتْ رأيَها، وتاليًا،"إلهَها"!؟
وطى الجوز ـ 30 حزيران 2009