"القمر" في المسرح الرحباني

د. مفيد مسُّوح قرأها 5,069
 

"القمر" في المسرح الرحباني

د. مفيد مسُّوح

لماذا تنفرج أساريرنا ونبتهج وترتاح نفوسنا وتبدو على وجوهنا علامات الرضى والتفاؤل عندما ينير السماء قمرٌ مكتملٌ فنعشق خدّه وهو يمزّق الغيوم كي يصل إلينا في دروب الليل وساحات السّهر وجلسات السّمر عارفاً أنه الضيف العزيز؟؟..

ولماذا نتذكر القمر عندما نتحدث عن الفرح ولياليه أو عندما ننظر إلى وجهٍ جميلٍ بهيٍّ لصبية أو شابٍ أو حتى لطفلٍ وسيمٍ ظريف فنشبّهه بالقمر!!.

ولماذا تتكرر لفظة القمر في الأغاني والقصائد والنصوص وفي كلمات المجاملة والتحية وفي التهاني والتمنيات.. ونراها في لوحات الرسامين على مرّ العصور ومن مختلف المدارس!.

في موازاة تأقلم الإنسان نصف الواعي مع عناصر الطبيعة، بدأ تصنيفَ مَواطن الجمال في حياته وفي محيطه رابطاً تلك العناصر بأدوارها في حياته وبفوائدها المادية أو بخطورتها الدائمة أو الموسمية وانتقل من هذا الربط إلى اعتماد كمية كبيرة من الرموز تراوحت في المكانة والتقدير بين "التقديس" و"المخافة" ثم وضع لهذا التقدير أسساً للتعامل ومتطلبات مثل التمثيل والتصوير والرفع وتقديم الأضاحي وكتابة النصوص للتبجيل أو الرجاء أو التضرّع أو التحاشي إلخ..

ومن بين تلك الرموز برزت الشمس وبرز القمر وبدأت الحكايات والأساطير تدور حولهما في مناخ السّعي الحثيث لكشف كنههما وأسرار دوراتهما وعلاقتهما ببعض وعلاقة الحياة بهما وأتى النور في رأس أولويات الأسرار المقدسة.. إلى أن عرف الإنسان أن الشمس نجمٌ مثلُ ملايينها التي تتلألأ بها القبّة السماوية، وهي التي تعطي نورها إلى القمر كما تعطيه إلى الأرض فتذخر حيوية وخصوبة وفرحاً بينما يأتي القمر الذي ينعكس ضوء الشمس على صفحة خده المستديرة لينير الأرض فيطول بفضله وقت النهار وتزداد حيوية الناس وعطاؤهم كما تتوفر فرصٌ للراحة والاستمتاع.

وكما برمج الإنسان حياته وطقوسها على وتائر دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس وعلى دورة القمر ظهوراً ونمواً يليهما ضمورٌ فاختفاءٌ مؤقت إلى أن يعود الظهورُ ثانية، راح يتغزّل بالأشياء والظواهر الجميلة المحيطة به شعراً وغناءً ونحتاً وتصويرا، وكان القمر من أروع العناصر التي ألهمت الكثيرين للكتابة والتلحين والغناء والتصوير. من آلاف الأمثلة التي يزخر بها التراث الإنساني يحلو لي أن أتذكّر رائعة لودفيغ فان بيتهوفن (1770-1827) السوناتا رقم 14 للبيانو والمعروفة باسم "ضوء القمر" والتي يتطابق رقمها مع عمر القمر المكتمل النور بالأيام والتي أهداها الموسيقار الألماني العظيم عام (1801) إلى تلميذة له أغرم بها وكانت في السابعة عشرة من عمرها، وقد أطلق التسمية على العمل بعد وفاة بيتهوفن ناقدٌ موسيقيٌّ ألمانيّ ربط حركتها الأولى بانطباعاته عن مشهد انعكاس ضوء قمر مكتمل في ليلة متفرقة الغيوم فوق سطح مياه بحيرة لوسيرن الرائعة الجمال وسط سويسرا. والحقيقة أن بيتهوفن كتب عمله هذا من إيحاءات انعكاس ضوء القمر على سطح بحيرة بالاتون الهنغارية وكان يخْلد عند إحدى ضفافها ليؤلف ألحانها العذبة.

لقد استخدم الناس لفظ "القمر" في أسمائهم. العرب مثلاً يستخدمون اسم "قمر" للبنات وأحياناً للصبيان، غالباً مركّباً (قمر الزمان).

نستعرض في هذا المقال مكانة القمر في المسرح الرحباني وأغانيه ونورد بعض الأمثلة مما أبدعته ريشة الأخوين الخالدين عاصي ومنصور ووترهما وغنته السيدة فيروز والآخرون، منوّهين إلى أن كافة شعوب الأرض وعبر الأزمنة المختلفة احتفت بالقمر وغنّت له غزلاً وإعجاباً وتقديسا.

في مسرحية "جسر القمر" - 1962 تميّزٌ كبيرٌ لمكانة القمر الذي سمّي على اسمه الجسر الواصل بين الضيعتين المتجاورتين اللتين يشرب أهاليهما ويسقون حقولهم من النهر الفاصل بينهما. وقد أتى ذكر القمر في مطلع المسرحية بعد مقدمة موسيقية هادئة بصوت "صبية جسر القمر المسحورة" تقول: (أخدْني القمر.. أخدْني القمر/ بِليْلِةْ قمر.. عَ جسـر القمرْ). وفي أول مشهد تعريفيّ تضعنا المسرحية من خلاله في بيئة الخلافات حتى بين أهالي الضيعة الواحدة على الملكية المتمثلة بالأرض: (هالحَجَرْ هايْدا علامِتنا .. يْمَيّزْ أرض سبْع وْأرضْ مخّولْ) وبعد الاتفاق بين الإثنين في النهار نراهما في الليل وقد وضع كلٌّ منهما خطة لخداع الآخر واستيلائه على قسم من أرضه فيظهر شبح الصبية المسحورة تلومهما باستغراب وهي تقارن الناس وصفة الطمع المتحكمة بهم مع ما تتميز به الطبيعة من عدل وسلام: (القمرْ بيْضوِّي عَ الناس وِالناس بْيتقاتلو!!!/ عَ مْزارع الأرْض، الناس عَ حجار بْيتقاتلو!!) في حين: (نحنا ما عنّا حَجرْ .. لا مْزارع وَلا سجرْ / إنتْ وْ أنا يا حبيبي بيْكفّينا ضوِّ القمَرْ).

وتعرّفنا الصبية بالقمر ومكانته الكبيرة في الحياة وكرمه على الناس أغنياء كانوا أم فقراء: (القمرْ بيْزور الطرْقاتْ.. بيشعشِعْ كِلّ الِدِّني/ بيضوِّي بالسهْرِيَّاتْ.. عَ الفقير وْعَ الغني) وتذكّرنا بصحبته العشاق والمسافرين: (وْنحنا منحبّ السهرْ .. وْعَ درْب الليل السَّفرْ/ إنتْ وْ أنا يا حبيبي وِيْرافِقنا ضوِّ القمَرْ).

قبل سنتين من هذه المسرحية غنّى نصري شمس الدين وصباح من كلمات الأخوين رحباني أغنيةً قفلا بها مسرحية "موسم العز" وهي (القوي لبنان.. الغني لبنان..) ذكرا فيها القمر المفتون بلبنان في حضوره فوق سمائه: (طلِعْ القمر وْسِهِرْ القمر وْعشِق القمر بْسما لبنان). وفي مسرحية "الليل والقنديل" – 1963، ينطلق صانعو القناديل من مصلحتهم الاقتصادية. فلأنهم يبيعون القناديل التي يشتريها الناس كي تنير دروبهم وساحاتهم في لياليهم الحالكة فقد غنّوا للّيل كي يزيد في عتمته: (عتِّمْ ياليل.. عتِّمْ أكتر/ خلّي قناديلنا.. تضوِّي أكتر) وطالبوا القمر بالغياب كي تكبر قيمة القناديل (يا قمر ضلّكْ غايبْ.. حلّفتكْ بالحبايب/ حتى ضْوَيِّتنا تسْهر.. ويصرْلا رهجِة أكتر)، علماً بأنه في غياب البدر وحشةٌ غير مستحبة: (معْ مينْ بَدِّكْ تِرْجَعي بْعَتْم الطَّريق؟؟ لا شاعْلِة نارُنْ وْلا عِنْدِك رْفيق).

لا يقتصر دور القمر على إنارة الدروب والساحات والسهرات بل إنه يشارك الناس أفراحهم. في مسرحية "بياع الخواتم" – 1964، يتزوّد القمر بالأشعار التي سيعرضها في "عيد العزّابة": (القَمر تْحَوَّجْ أشْعار وْجايي تـَ يْبيعُنْ بالعيد). وهو يسافر من مكان إلى آخر ناقلاً رسائل الشوق بين العشاق: (منْ صَوبِنا لَصَوْبِكنْ سافرْ قمرْ/ يا ألف دَمعة شوْق وَدَّينا معو)، فهو حنونٌ وصبور: (حيدُو الحلوِين عَ ضوِّ القمرْ.. والليل ليّلْ والقمرْ حنّ وْنظرْ) وهو ليس فقط رفيق احتفالات الفرح (عَ الدَّارْ نوِّرْ يا قمرْ والدَّارْ طارت بالسَّجرْ/ والسَّجر دايرْ دارْنا عَشقان ويْطول السَّهرْ)، يلهو مع شبيبتها ويغزل بناتها (والورد زْرار والقمر ع الجدايل) بل هو شرط هذه الاحتفالات وصاحب القرار في قفلها: (خِلْصِت الأشْعار وْخِلْصِت السَّهْريِّة/ وْسَرَّبِتْ الِقْمار وْطِلْعِتْ عَ الصَّيْفيِّة).. وفي مسرحية "الشخص" – 1968: (وْفلّ القمر عَ ضيعْتو وْفلّو الدّراج).

وكما يسافر القمر نسافر نحن إليه.. هذا "هبّ الريح" في مسرحية "هالة والملك" – 1967 يقول لنا كيف يصل إلى القمر، من خلال حديثه مع ابنته التي انتقدته على إدمانه على الشراب: (حاجي تْلوميني أنا والقنينة/ صِحْبتْنا صحبة حكايتنا حزينة/ بِسْقيها همِّي فرَح بتسقيني/ بوَدِّيها على تمِّي عَ القمر بتوَدِّيني).

عندما عرّف الأخوان رحباني الرائعَ من الفن والأدب ربطاه بالطبيعة والحياة: "إن الرائعَ هو ما كان منسجماً ومتناسقاً مع الطبيعة والحياة". هذا الشرط بقي المميز الحاضر في كل الأعمال الرحبانية.. لقد استنبط الرحبانيان القيم الجمالية من أبسط الأشياء الطبيعية المحيطة بالناس والملتصقة بحياتهم بكافة مناحيها.. وكانت للقمر المكانة الخاصة.. فهو يخزّن نور الشمس ليأتيني به في الليل رفيقاً عذب الحضور بيننا ومكانه راسخ في الأعلى (يـا قَمَر عْلَيْنا يْهِلّ وْما تْطالُو الإيْد) ويخصّص الناس له يوماً (عيد القمر) ويربطونه بأغلى ما عندهم – الأبناء: (خدني للصّبيان السّمْر ولـَ وْلاد القمر) و (بنت القمر والشمس نعمان تـا جبلك) والوطن: (وَطَني.. ياجَبل الغَيْم الأزْرَق/ وَطَني.. ياقَمَر النِّدي والزَّنْبَق).. ويخشون عليه من تطاول الغرباء، كما يعبّر الأهالي في مسرحية "جبال الصوّان" – 1969 الذين تعرّض وطنهم لغزو جيوش "فاتك المتسلّط": (ببلاد الّ لِنا غرَّبونا عن لون السما غرَّبونا/ وَرَق الذلّ زَهَّر عَ الشجرْ سرَقو الليل وْسرَقو القمرْ).

لا يقبل الإنسان أن يغيب عنه ضوء القمر كلياً.. وتُحزِنه الساحات التي لا يضيئُها القمر المنير: (دْرُوبا ضَيّقة.. لا الشَّمِس وَلا الْقَمرْ بِيْفُوتُو يْزوروها) وأكثر ما يؤنس السجين في زنزانته مثلاً دقائقُ يظهر فيها القمر من طاقتها: (مشتاقة للقمر وخلف الطاقة القمر).. وبه يعبّر عن التوق للحرية: (حلّو يطلع القمر).

يتغنى الأخوان رحباني بقمر "مشغرة" الكبير عند وادي التيم الممتد على طول السفوح الشرقية لجبل الشيخ في جنوب غرب لبنان فتغني السيدة فيروز موّالها الجميل تحية لفرسان الأمير المَعْنيّ في مسرحية "أيام فخر الدين" – 1966 قبل أغنيتها الشهيرة "خطّة قدمكُن ع الأرض هدارة": (ياقمر مشغرَة وْيا بدْر وادي التيم/ ياجبهة العالية وميزَّرَة بالغيمْ/ قولو انشالله القمر يبقى مضوِّي وْقمر/ لا يطال عزُّو حدا وْلا يْصيب وجُّو ضَيمْ)..

والقمر يتأثر لحالة الاقتتال ويحزن في حالات العنف والقمع وقد يختفي.. في مسرحية "يعيش يعيش" – 1970، يتنازع السياسيون المتخاصمون من أجل السلطة ويطغى العنف فنسمع: (القمر انصابْ القمر انطفا/ وَقع بالبحر خطفو السمكْ/ وْهني ضلّو يتقاتلو).

وفي مسرحية "هالة والملك" أغنية جميلة جداً عن القمر الذي طلبه الحبيب من حبيبته عربوناً ولكن هيهات أن تصل إليه يدنا: (حبيبي بدُّو القمرْ والقمر بْعيد/ والسّما عاليِة ما بِتْطالا الإيد).. حتى ولو سهرنا الليالي (قِلْتِلُّن بدِّي القمرْ قالو القمر غالي/ حقّو عشْر لْيالي عشر ليالي سهَرْ).. ولا تنام الحبيبة رغم تعبها خشية أن: (خايفة لَنام وْينزَل القمرْ/ وِيْلاقيني غافية وْتسرْقو جارِتنا/ ياللّي مزاعْلِتنا وْتعطيْه لحبيبي وِيْحبّا حبيبي/ وأنا صير غريبة).

وللقمر حصّة كبيرة في المسرحية المتميزة "صح النوم" – 1971. فقد كان القمر وسيلة الحركة التي سارت بمحور المسرحية وعناصرها إذ يبدأ مشهدها الأول بموظفين (مْنوضرجيّة) يرصدون ظهور القمر كي يوقِظوا حاكم ولايتهم تحفيزاً له كي يصادق على طلباتهم ويسألهم الأهالي: (شو يا مْنوضرجيّة ؟ رح يطلع القمر؟؟) فيؤكدون من وراء نواظيرهم: (إي رَحْ يطلع معلوم رَحْ يطلعْ/ عمْ بيدَهّب الشجر رَحْ يطلع القمرْ). ويتغنى الأهالي بالقمر الرؤوف، الذي يبرمج الوالي عمله الرسمي على طلعته الشهرية بدراً كاملاً (من شهر لـَ شهر ومن قمر لـَ قمر) والذي يترجّى الأهالي دائماً تعاطفَه معهم كي يلتفت إليهم الوالي الـ(مِتمسِّك بقصر النّوم) عندما يوقظه اكتمال القمر (ضَوِّ الْقَمَر فات مْن الشِّبَّاك وَشْوَشْني قلِّي اصْحى)، فيمهر بخاتمه معاملاتِهم من أجل نشاطاتهم الاقتصادية والتجارية والحياتية.

وإذ تدور أحداث الحكاية مستعرضة أحوال الناس في علاقتهم مع الوالي وخاتم الولاية المتوارث عبر سلالة "آل قشلوح" تبرز معاناة قرنفل، الفتاة التي ضاع أملها في إمكانية ترميم سطح منزلها قبل موسم الأمطار لأن الوالي اعتبر قضيتها (مشكلِة شخصية بتِتْأجّل) وهو الذي يختم فقط ثلاث معاملات ينتقيها بنفسه على أنها (المشاكل الجماعية) تجد قرنفل نفسها أمام حلّ وحيد يتمثل باستغلال نوم الوالي في الساحة وسرقة الخاتم وتصديق معاملتها وكذلك معاملات معظم الناس قبل أن يستيقظ الوالي الذي ظل الأمر خفياً عليه حتى موعد البدر التالي ليكتشف بأن قد البلد تغير جذرياً: (هايدي بلدنا ولا مش بلدنا؟؟!!).. (أنا نايم ولا واعي؟؟). وقبل البدر التالي كانت قرنفل محتارة في الخاتم، لا تعرف أين تخفيه فرمته في البئر العتيق وراحت تغني مستعطفة القمر كي يساعدها في إخفاء سرّها: (يا قمر يا قمر لشو تطلع يا قمر/ لوْلا بتِقعد تتْسمّع من خلفِ الوْراق/ مشْ أحسن مَ تْقوم تطلع وْتفضح العشاق/ وِتضوِّي وْتكشف صوَر ونِبكي وِيضيع الخبر/ أحسن ضلّك قمر زْغير لشو تكبر يا قمر). وتبتعد أكثر في محاولتها إقناع القمر بضرورة التريّث في الظهور ثانية وقد اقترب موعده لأنها تخاف فضيحة اختفاء الخاتم التي ستكشف حتماً: (سافرْت كتير وْضوَّيت عمرَك كلو راح/ لوْلا بتِلقيلك شي بيت وِبْتقعد ترتاح/ وْهالعيشة الْ كلاّ سفر بكرا بتْجبلك ضجر/ خلّينا نِشتاق عْليك غبْلك سنة يا قمر).. في حين كان الأهالي الذين عمّروا منازلَ وشقوا طرقاتٍ وأضاؤوها وفتحوا محالَّ تجارية وملؤوها، وقد اعتقدوا بأن الوالي هو الذي صادق على معاملاتهم وهو نائم في الشهر الفائت في ساحة البلد.. كانوا متلهّفين لإعلان (المنوضرجية) عن اكتمال البدر واستيقاظ الوالي فيرى جمال ما أنجزوه من تطور خلال خلوده في قصر النوم (ياعَمِّي شُو عَم تِحْكُو بَدْنا يِطْلَع القَمَر).

وفي مأزق الفتاة وقد كشف سرّها ووقع عليها لوم الوالي الذي أنذرها وأنذر الأهالي بأن كلّ شيء سيتوقف لأن الختم (ضاع!!!) و (خِلْصِت الأيام البَيْضا.. وْقِعْنا بالـْ ماشي وْصِرْنا ماشي .. وْما عِدْنا شي)، تمر عبارة رحبانية بامتياز عنواناً لفلسفة نقرُّ فيها مع عاصي ومنصور بأن الطبيعة أقوى من أن نتحكّم فيها تقييداً واشتراطا.. وعلى لسان قرنفل تقول للوالي بتهكّم: (بسّ القَمر عَم بِيْضَوِّي بَلا خَتِم).

لا تخلو واحدة من المسرحيات الرحبانية من ذكر القمر بمواصفاته السامية وهو في ذات الوقت الوليف والعاشق والمعشوق والصديق الوفي ورفيق السهر الذي لا ننساه: (ليل القمر والنسيم بعدن على بالي) وهو بدوره ينتظرنا: (غربو صوب العالي وْضوّ القمر ناطرهن) ويقبل أن نمسكه من ضوئه: (مسّيتكن بالخير ياجيران.. جايي أنا خلّو القمر سهران).. ولا يزعل إن طلبنا منه الغياب متى كان في ذلك ما نحب: (طِلِع القَمَر غِفي حَبيبي غـاب القَمَر وِعي حَبيبي/ حِلْيِِتْ لَيالي السَّهَر ياالله يِغيْب القَمَر).. وعندما يحلو لنا أن يشاركنا ما نستمتع به فهو يلبي (يا قمرنا تفرّج ع صورنا) ويعرف أسرارنا بخلاف غيره (وغير القمرنا ما كان داري بحالنا).

في التعابير الرحبانية في المسرحيات أو خارجها نقرأ العديد من التلوينات مثل: مملكة القمر، رصيف القمر، قمر العشاق، قمر الحلوين، قمر الغياب، قمر تشرين، قمار المحبة، قمر أزرق... كما نقرأ القمر كائناً يبادلنا الجيرة: (نحنا والقمر جيران/ بيتو خلف تلالنا) يتحرك: (بْيِطلع مْن قْبالنا) ويمشي معنا: (ماشي والقمر ماشي يبعت مراسيل) ويحسّ: (بْيِسمع الألحان) فهو رفيق الحب: (جايي الحب جايي/ بقمر وغنية) بل سيّده: (سيد الهوى قمري/ مورق الجمال طري/ دائم الوجد والغوى/ سيد الهوى قمري).. يسعدنا الاقتراب منه: (مرجوحتي تودّي/ وشوف القمر حدّي) ونبني معه صداقات: (يا قمر أنا وياك/ صحبة من زغرنا/ حبينا قمرنا) فيصبح وليفنا: (ياما سْهرنا معو..) تستخدمه الصبايا لزينتهن: (من حقلة الزنبق/ نقِّت قمر أزرق/ وْشكلِتو بالقمطة العنبية) ولوصف مزايا الحبيب: (ياللي قلبك باقة/ حب وإلفة وقمار) وحتى العود المغرم بالقمر تتساقط من أوتاره الأقمار: (وصوتَك يْشتّي قمار).

ويأخذنا القمر في رحلاته: (فايق شو تمشّينا بالليل ع الطرقات/ شو رحنا ومْضينا بضوّ القمر سهرات) وقد يكون السبب في انشغالنا عن الحبيب: (لا تعتب عليّي أخّرني القمر/../ لومك مش عليّي لومك ع القمر) وفي حالات معينة يتخذ مواقف: (والحلو قمرنا زعل وطار) إذ له قصص مثلما للعشاق: (خبّرني خبر/ عن ليلة السّهر/ عن قصة القمر/ ع سطوح ضيعتنا).

والقمر يغري العشاق ومحبي السهر فالحبيب يقدمه لحبيبته: (وعدني بقمر/ وشويّة صور) وأصحاب الدار يشجعون أحباءهم على زيارتهم: (رح فتّح بْوابي/ إنده على صْحابي/ قلُّن قمرنا زار)... (ونحنا القمر بالدار/ ورد وحكي وأشعار.. بسّ سهار)، فتسعد البيوت: (من قمر وسماء/ ملؤوا البيت هناء) وما أحلاها هذه الجلسات التي تصبح النظرات فيها كافية للتعبير: (لشو الحكي؟؟/ طالل علينا قمر) ففي صمت القمر نسمع صوت الحبيب: (ياما بِسْكوت القمرية/ إسمع صوتَك يندهلي) ولذلك يحرص الحبيب المتأرجح على دروب الحب على أخذ القمر بيديه: (.. تـَ سمحت لي إقطف قمر) يتغزل بحبيبه عبر مرآته: (ياحلو ياحلو ياقمر/ يانِدي عَلى غصن الشجر) ولذا يصبح القمر أحلى هدية للحبيب: (بدّك لحبيبك تِقِطفي قمر/ رح يوصل حبيبِك بكرا من السّفر) نقطفه من السماء فنسعد به: (قمر السماء/ يملؤني بالحب والرجاء/ يغرقني بالنور والضياء/ يلفّني بالرغد والصفاء).

وللقمر ناطورٌ وهم رسولنا إليه: (ياناطور القمرية/ بدي وصّيك وْصيّة/ خلّي السّمرة تساوي شعرا وتلحقنا ع السّهرية) يحمل رسائل اشتياقنا: (عم تشتاق الغنية ع القمريّة) وطلبنا بنشر ضوئه: (ياقمر لاقينا/ وضوّي ليالينا) كيما يحلو سهر عشاق النجوم: (بالضيعة ياللي عاشقة النجمات/ بيسهرو بضوّ القمر سهرات) الذين يتفاخرون به: (هون نحنا هون/ وضوّ القمر مشلوح) وبما يفعله: (يا حلوةِ الّلي السّهر/ دبّل عينيكي السّهر/ طال الحكي ع الحكي وضوّا عَلَيكي القمر).

ويحزن السمّار والعشاق إن غاب القمر: (تعب الشّتي والنار/ غفيِت بموقدنا/ ما في حكي ولا قمار/ تنزل وتاخدنا) يتقصّون أخباره: (وْلا عْرفنا خبر/ عنك يا قمر) وإن تبين أنه من الغيرة انكفأ: (زعل القمر/ وتغيّر السهر/ وضيّعنا الغنية بعتمات السجر/../ والحكي دار/ خبار خبار/ قالو صار القمر يغار) دبّ الحزن والشعور بالخسارة: (ولو ما عاد تسألي شو باك/ ولا عاد ياخدنا القمر ويروح). ولكنهم وإن قادهم القدر إلى الفراق ورفع الذكريات: (خزّقنا الصور/ ومْحينا القمر) لا يغرقون في التشاؤم: (ولفّو زْرار/ على زِنّار/ بدل القمر انْزرع قمار). وما أحلى عودة القمر بعد غيابه.. بها نشبّه عودة الحبيب المسافر: (رجعتَ في المساء/ كالقمر المهاجر/ حقولكَ السماء/ حصانكَ البيادر) وبتكرارها يغمر الدفءُ القلوب: (أيدٍ تلوِّح من غيب وتغمرني/ بالدّفء، بالضّوء، بالأقمار.. بالشّهُب).

ومثلما ارتبط بالحب وحكاياته وبالفرح والسلام وبالتفاؤل بالخير والسعادة فقد كان القمر وضوؤه في الكلمات الرحبانية على الدوام رفيق رخاء الأوطان وعمرانها وازدهارها وتطورها:

(عمّرْها..

بإيدَين تْعلّي بِسواعد،

بالمجد وبالقصد المارد، عمّرْها.. تضحك بيادِرْها/

عمّرْها..

بجوانح بيضا بِمحبّة،

بقمح يكبر حبِّة حبِّة، عمّرْها.. وزيّن قناطِرْها/

عمّرْها..

ع أساس الحيطان الصلبِة،

ع العتبِة بتسانِد عتبِة، عمّرْها.. ونسِّم يا شجرْها/

عمّرْها..

بيوت مضوّاية ومقصودِة،

على إسم النّعمة مرصودِة، عمّرها.. وضوّي يا قمرها/

عمّرْها

بسواعد

عمّرْها

بإيدين

عمّرْها

بمحبّة واسقيها بريف العين).

طوبى لصانِعِيّ الفرح والجمال.