ألقُبْلَة جِسْرٌ إلى.. الأبَد !

إيلي مارون خليل قرأها 1,594
 

ألقُبْلَة جِسْرٌ إلى.. الأبَد !

إيلي مارون خليل

Elie%20Khalil%20photo%5B1%5D.JPG 

       ألقُبْلَةُ أمنيةٌ وباب. حُلمٌ ومِفتاح.

       هي أمنيةٌ، لكونها تُغازلُ القلبَ والولَع. فالقلبُ، مسكونًا بالشَّغَفَ يكون، مُلْتَهِبًا بالشَّوق؛ مَفتونًا بحُصولِ ما لم يحصُلْ بعد، مُندفِعًا بالحَواسِّ النّاريّة. والولعُ وليمةُ هذا الاندِفاقِ الأخّاذِ، المفتونِ، المُدهشِ المندهِش، اللاعِبِ بالخَيالِ، والمُتَلاعَبِ به.

وهي باب، لأنّها المُشْرِعةُ الأحلامَ، والمُتَناميةُ فيها. جَمالُ الحلمِ في أنّه مُشْرَعٌ على كلّ مدى، في أيِّ اتِّجاه. تُشْرِعُ الأحلامَ، تنمو فيها القُبلةُ، تنمو، تتنامى إلى ما لا نهايةَ له. هذا التَّنامي يُخصِبُ النّفسَ، يُحَفِّزُها، يَجعلُها تَرتقي أجنِحةً لا تَمَلُّ، ولا تتعب. جَمالُ الرَّغبةِ الحالِمةِ، في أنّها تُهَنْدِسُ أفعالَها كما تشاءُ وتتمنّى.

والقبلةُ حلم. حلمٌ لذيذٌ، مُتَالِّمٌ مؤلِمٌ، في الوقتِ نفسِه. مُتَألِّمٌ، نعم! يعرفُ، هو، أنّه حلمٌ؛ وأنّه قَصِيٌّ؛ وأنّه قد يتلاشى، بعيدًا جِدًّا، من كلّ تَحَقُّق. مع ذلك، هو يُعانِدُ. يأمُلُ في أن يتلاقى الوهمُ بالواقع. ومؤلِمٌ، هو، الحلم. يؤلمُ صاحبَه. يوقِعُه في الخَدَرِ الّلذيذِ الدّافِىءِ، المُسْتكينِ العاصِف؛ يَجعَلُه مُمتَطِيًا غيمةً مُدهِشةَ ألوانِ الزّوال.

والقبلةُ مِفتاح. مِفتاحُ عوالِمَ عَصِيَّةٍ على الُّلغة. عوالِمُ مِثلُ هذه، لا تُحَدُّ ولا تؤطَّر. لا توصَفُ ولا تُلَوَّن. مِثلُ هذه العوالِمِ تُخْتَرَعُ، كلَّ مرّةٍ بلغة؛ كلَّ مرّةٍ بدون حدودٍ، بدون أُطُر. تُخلَقُ، مِثلُ هذه العوالِمِ، لا أوصافَ لها، لا ألوان. هي عوالِمُ ذاتِها. عوالِمُ مَداراتِها المُهَوِّمةِ خارجَ أيِّ مَدى، المُبْتَلَّةِ، أبَدًا، بالرّغائبِ المُثيرةِ المُثارة. عوالِمُ لذائذِها المفتوحةِ على ما يفوقُ الاختيار. يوقِعُ في بَلْبَلَةٍ لذيذةٍ، حائرةٍ موقِعةٍ في الحِيرة.

ماذا تفعلُ القبلةُ، فتكونُ هذا كلَّه؟ بل: ماذا لا تفعل؟ لا يُعْقَلُ إلاّ أن تكونَ الفاعلةَ المؤثِّرةَ المُذيبةُ المُشْعِلةُ المُشْرِقَةُ الخَصْبةُ الغنيّةُ المُثْمِرةُ... الشّهيَّةُ المُشَهِّيَةُ!

غريبٌ... ما تفعلُ، ما تؤثِّرُ القبلةُ، وكيف!

تُفَكُّ القبلةُ، بل تُفَكِّكُ أزرارَ الجسد. تُقيمُ تَوازُناتِه. تُضيءُ أسرارَه. تَدْعَمُ انتِفاضاتِه. بعد تُغْري حَواسَّه، تُخَلْخِلُها. تَقتحِمُها. تُفَتِّحُها. تُخْصِبُها. تَجعلُها تينعُ، تُزهِرُ، تُثمِر.

أزرارُ الجسد! تَلِجُ بكَ أبهى فَضاءاتِه. تُقيمُ، فيكَ، أشهى الابتهالات. تَفتحُ، لكَ وفيكَ، نَوافِذَ المواسِمِ، وأبوابَها. تَجعلُكَ تُقيمُ، لا! بل تُقيمُكَ في بَهجةِ الحَواسِّ - طريقِ الرّوحِ، دَفقٍ فوّاحٍ بأريج خمرةِ الّلذائذِ الأسطوريّة. أسطوريّة؟ مَجازًا. لكنّك، واقعًا، تعيشُها، وفي غِناها تَحيا. تَنتعِشُ بالكمال!..

*******

تَلْتَقي شَفَةٌ شَفَةً؟ تقومُ "القِيامةُ" في حَواسِّكَ والرّوح! في أقاليمِكَ قاطِبة! في أبعد أقاصيك، وأكثرِها عُمقًا، وأصْفاها أعماقا! تَلتقي شفتان؟ تلتقي روحانِ، تتّحِدانِ، تذوبانِ، تنصَهِران، فإذا الكائنانِ روحٌ، نحو الّلهِ، تُحَلِّقُ، ترجو، فيهِ، الذَّوَبان!

تَأخُذُ شَفَةٌ شَفَةً؟ تَلتقي المَلائكةُ، تُصْغي إلى أكثر الأناشيدِ تَألُّقًا، تَرْتَشِفُ أصفى الصَّلَواتِ عُذوبَةً، تَتَلقّى قربانَ الطُّهر والفَضائل! تأخذُ شَفَةٌ شَفَةً؟ تأتلِقُ، فيكَ، حَواسُّكَ، تُفَجِّرُ مَكامِنَ الطِّيْبِ، فيها، تَنبثِقُ، منها، أعاجيبُ سِحريَّةُ البَوحِ، سَنِيَّةُ التَّوقيع آهاتٍ لاهباتٍ تُلهِبُ المكان، بك، والزَّمان!

تتناولُ شفةٌ شفةً؟ يَلْتَهِبُ جسدانِ شفيفانِ؛ يُشرِقانِ بهاءً نورانيًّا. بهما ترتفع، تُقيمُ، روحانِ اتَّقَدَتا روحًا؛ إشتعلتا قصيدة. تتناولُ شَفةٌ شَفةً؟ فإذا جسدانِ يتواصَلانِ، يَتَناغَمانِ، يَتَكامَلانِ... وإذا بالعالَمِ يَغيبُ، وتبقى روحٌ تحيا، تُحِبُّ الحياةَ، تَحُضُّ على حُبِّها وتَقتَحِمها، عاصفةً، سعيدة.

ألقبلةُ كنزٌ يعرفُه الإنسانُ العاشِقُ الحقيقيُّ، مَن هو مُرتفعٌ به، إليه؛ مُستغرِقٌ فيه، مختَبِرٌ هناءةَ الأولياء الصّالحينَ، الطُّوباويّين. وهي سِرٌّ يكتشِفُه هؤلاء، يُمارِسونَه بِصِدق الصّوفيِّ، بِإشراقةِ الصّلاةِ، بِشُفوفيَّةِ الرّوح.

ألقبلةُ شُحْنةُ نفسٍ وَلْهى في طريقِها إلى الغد المرصود على الخَير، لا يدخلُ إليه دَنَسٌ، ولا يعرفُهُ كذوب.

حقًّا... إنّ القُبْلَةَ جِسْرٌ إلى الأبد الهانىءِ، البَهيّ، إلى... الأبد!

  27/9/2008