أن تُنصِتَ.. لا أن تسمع!

إيلي مارون خليل قرأها 1,632
 

أن تُنصِتَ.. لا أن تسمع!

إيلي مارون خليل

 Elie%20Khalil%20photo%5B1%5D.JPG

 

لا يَشُكُّ أحدٌ في أنّنا نعيشُ، الآنَ، ونحيا، عصرَ الصُّراخِ والضَّجيجِ والصَّخَبِ والفَوضى، وعلى كلِّ صعيد.

ألصُّراخُ هو الصِّياحُ الشَّديد. أي أنّ الصّائحَ يُصْدِرُ أصواتًا بِشِدّة. لكنّ هذه الأصواتَ الشَّديدةَ، قد لا تكونُ نافِعةً، ولا مفهومةً. لكأنَّ الصّائحَ لا يُريدُ نفسَه واضِحًا. ولماذا؟ قد لا يكونُ، هو نفسُه، واضِحًا، بالنِّسبةِ إلى نفسِه! ولِماذا يَصيح؟ لهذا السَّبَبِ بالذّات! كي لا يكونَ مفهومًا، فيُفتَضَحَ أمرُه! فلا شيءَ لديه يقولُه، ويكونُ نافِعًا. فهذا يَصرُخ، وذاك يَصرُخ، وثالِثٌ يَصرُخ، ورابعٌ وخامسٌ وعاشِرٌ.. وهكذا يَروحُ الجميعُ يَصرُخ، لا أحد منهم يوضِحُ، بل لا يستطيعُ أن يكونَ واضِحًا، ولا أحد منّا يَفهمُ شيئًاً. ويَهْدَودِرُ الصُّراخُ مطرَ الآذانِِ والقلوب!..

والضَّجيجُ هو الصِّياحُ والجَلَبَة لسببٍ، هو خوفُ الصّائحِ من شيء. فلِمَ هذا الضَّجيجُ، إذًا؟ وهذه الجَلَبة؟ لِخوفٍ؟ مِمَّ؟ مِمَّ يَخافُ الضّاجّون؟ من أنفسِهِم، أوّلا. من "الآخرِ"، ثانيًا. من الهادىء الرَّصينِ، ثالِثًا. يخافُ من نفسِه؟ صحيح. هو يعرفُ أنّه "فارغٌ". وأنّه "نافِخٌ" نفسَه. وأنّه "طاووس"! فكيف لا يخاف؟ ومن "الآخر" يخاف. فهذا "الآخَرُ" مُثّقَّف، ناضِجٌ، واع، وقد يكونُ خَلاّقًا. هذا خطَرٌ عليه. يَفضَحُ أمرَه. ويخافُ الهادىءَ الرَّصين. هذا يَفْقَهُ المسؤوليّة. لا يُثَرثِرُ. لا يَلْغو. الثّرثرةُ والّلغْوُ من عملِ "الفُرّاغ". فكيف، إذًا، يمكنُ ألاّ يخاف؟

والصّخَبُ هو إصدارُ الأصواتِ، شديدةً. والتَّصاخُبُ هو التَّصايُحُ والتَّضارُب. "ألتَّضارُبُ" بالأصواتِ أشَدُّ إيذاءً من التَّضارُبِ بالأيدي. "ألتَّضارُبُ" المَعْنَويُّ أبعدُ جِراحًا في النَّفس. "ألتَّضارُبُ" بالنَّميمةِ أعمقُ قتلا للذّات. في التَّصايُحِ والتَّضارُبِ، مَن يَستمِعُ إلى مَن؟ مَن يُنْصِتُ إلى مَنْ؟ مَنْ يَحترِمُ مَنْ؟ فأين الكرامةُ، النُّبْلُ، الإصغاء؟ بل : أين الإنسانُ من هذا كلِّه، وفيه؟ أم: هل، بعدُ، من إنسانٍ، في قلب هذا التّصاخُبِ، التَّصايُحِ، التَّضارُب؟ وبِمَ، إذًا، يبقى هذا "الإنسانُ" مُتَمَيِّزًا؟ فكيف يَنحدِرُ إلى هذه "الأمِّيَّةِ" الأخلاقيَّة!

أمّا عن الفَوضى المُزدَهِرة، فحدِّثْ ولا حَرَج!. يُقالُ: "قومٌ فوضى"، أي مُتَساوون لا رئيس لهم. فأين، عندنا؟ في أيِّ مَجال؟ المجال الاجتماعيّ؟ الاقتصاديّ؟ البيئيّ؟ السّياسيّ؟ التّربَويّ؟ الدّينيّ؟ الطّائفيّ؟ ألَم يختلطْ، عندنا، هذا بِذاك؟ وذاك بِهذا؟ ألا ترى، يا هذا، كيف أنّ الجميعَ تداخلَ بالجميع؟ كيف أنّ الجميعَ يتدافشُ والجميع؟ كيف أنّ الجميعَ "يتناتشُ" والجميع؟ كيف أنّ الجميعَ يَنِمُّ الحديثَ عن الجميع؟

والفَوضويّةُ؟ جاء في القاموس: "نِظام سياسيّ واجتماعيّ يَنْشأ فيه الفَرْد مُتَحَرِّرًا من كلِّ سُلطةٍ حُكوميّة". وجاء: "حالةُ شعبٍ لا رأسَ له عُطِّلَتْ عنده السُّلطةُ الحكوميّةُ أو أُرجِئتْ." وإذا تَحَرَّرَ المَرءُ "من كلّ سُلطةٍ حكوميَة"، وإذا تعطّلَتْ" عنده السُّلطةُ الحكوميّة أو أُرجِئتْ"؟

يَختلطُ، عندذاك، "الحابِلُ بالنَّابِل"، وينتشرُ الاختِلاطُ، فيتصرَّفُ الواحِدُ بِما للآخر، وتزولُ الحدودُ بين ما لامرىءٍ وما لآخر، من مال أو مَتاعٍ أو… فلا أنظِمة تَحكُمُ، ولا قوانينَ تُسَيطِرُ، ولا أخلاقَ تَضبِط، ولا…

*******

والإنصات؟ قُدرةٌ لدى الإنسانِ الواعي، الواثِقِ، الرّاغِبِ في زيادةِ ثقافته. تبدو، أكثرَ ما تبدو، في تركيز انتباهِه إلى الحديث، ليستقبلَ المعاني، يَفهمَها، يُدرِكَها، يُحَلِّلَها، تَمتزِجَ بِمَعارفِه، فتُصبِحَ وكأنّها له. فالإنصاتُ إصْغاءٌ بِجَمْعِ الحَواسِّ، مُشارَكةٌ كُلِّيَّةٌ، بين مُتَحَدِّثٍ ومٌتَلَقٍّ مُصْغٍ، كأنّه يتلقّى النّبوءة!

أنتَ تُنصِتُ؟ فأنتَ تَنصرِفُ، بجميعِك، إلى الإصغاء، مُبعِدًا عنك ما يُثيرُ فيك فُقدانَ التّركيز، ولو لثانية! فالإصغاءُ كُلِّيًّا يكون، أو فلا قيمةَ له. لا يكونُ الإصغاءُ إصغاءً، إلاّ إذا انصرفتَ إلى الاستماعِ كصوفيٍّ في "الحَضرة"! تُفرِغُ ذاتَك من ذاتيّتِها المادّيّة، وتملأها بروح ما أنت مُصغٍ إليه.

أنتَ تُنْصِتُ؟ فأنتَ ذاهِلٌ، تمامًا، وكُلِّيًّا، عن كلّ ما في الكون، إلاّ مَن أنتَ به مأخوذ. فأنتَ تُصغي إليه بعينيك، بيديكَ، بأنفِكَ.. وليس بِأُذُنيكَ فحسْب. هكذا إصغاء، يوقِعُكَ بالدَّهشةِ، يَرفعُكَ بالنَّشْوة، يُزَيِّنُكَ بالقِيَم. يَجعلُكَ إيقاعَ السّلامِ والهناءةِ والحُبّ!

أنتَ تُنْصِتُ؟ فأنتَ تُصَفّي ذاتَكَ بِفرح. ألإنصاتُ، أو الإصغاءُ، صَفاءٌ يُقيمُكَ في الصَّفاء. به، تتحاشى الانزِلاقَ، المَهاوي، الأخطاءَ... به تَرتقي، تزداد: ثِقةً عميقةً، قوّةَ شخصيّةٍ، وعْيَ مسؤوليّة. تُخصِبُ نفسَك: معارفَ، فِكَرًا، صُوَرًا...

*******

كم نحتاجُ، نحن، اليومَ، خصوصًا، وكلَّ يومٍ، عمومًا، إلى التَّخَلّي عن الصُّراخِ، الضّجيجِ، الصَّخَبِ، الفَوضى، لِنُقيمَ فينا أعراسَ النَّشْوةِ النّاتِجةِ عن فنِّ الإصغاءِ النَّبيل. بِهِ نقتربُ من الشُّفوفيّةِ الخَلاّقةِ، يُصبِحُ، كلٌّ منّا، جَسَدًا تَصَفّى!

29/9/2008