ألنَّصُّ نُصوص...
ألنَّصُّ نُصوص...
إيلي مارون خليل
ألنّصُّ ليس واحدًا أحدًا. كلُّ نَصٍّ نُصوص. ولا استثناء.
بَدْءًا، أن تقوم أمام نصٍّ، يعني أن تكونَ أمامَ نَصَّيْن: أوّل كما "يبدو" لك، وثانٍ كما "تُريدُه" أن يكون. إنْ أنتَ أمام الأوّل، فأنت أمام خَيارَيْن: أن "تأخذَ" ظاهرَه فيكونَ سهلا، بسيطًا، باردًا، محدودًا، كأنّه ميتٌ؛ أو أن "تفتحَ" أبوابَه ونوافذَه وتُشْرِعَها على كلّ ريحٍ، فيكونَ صعبًا، غنيًّا، حارًّا، موحِيًا، فهو "حَيٌّ" و"حُرٌّ".
في الخَيار الأوّل، يبقى النّصُّ "خارجَك" وأنت "خارجَه". "غريبان" واحدُكما عن الآخر. لا يقول واحدُكما للآخر شيئًا. كلٌّ منكما جمادٌ، بالنِّسبة إلى الآخر. تظلاّنِ "مُغلَقَين" و"مُنغلِقَين". إكتفاءٌ فقيرٌ، بائسٌ، بليد. في الثّاني، "تُسقِطُ" نفسَك عليه، وفيه، ومن أجله؛ و"تُسقِطُه" عليك، وفيك، ومن أجلك. في الأوّل، "تفهمُ" ألفاظًا وتعابير، "ترى" سَبْكًا وإيقاعًا. ألنّصُّ، هنا، يَحْرَصُ على "الخارج"، على "الشَّكل"، على "التّركيب"، على "الإيقاع". في الثّاني، "تُفَتِّقُ" ألفاظًا وتعابير، "تُفَجِّر" صُوَرًا ورموزًا، "تَختبر" أساليب. في الأوّل استسلامٌ، في الثّاني اقتحام. في الأوّل قَبولٌ، تَلَقٍّ. في الثّاني اكتشافٌ، انبثاق.
إلامَ يعود ذلك؟
إلى ثلاثة: كاتب، نصٍّ، قارىء.
ألكاتبُ، أوّلا. إمّا هو مُنطفىء، إمّا هو مشتعِل. "ألمنطفىءُ"، لا يُخفي جَمرًا تحت الرّماد. لا يُبَعثرُ روحَه في كتابته. لا يبني كتابتَه على ثقافة. ولا على موهبة. ولا على رؤيا. ولا على "فنّيّة" ذاتِ خصوصيّةٍ مُمَيَّزة، ولا مميِّزة. يبني على "شاكلة". و"المُشاكِلُ" لا يُبدِع. إذًا: لِمَ هو يكتب؟ مثلُ هذه الكتابةِ، ولا تقول جديدًا، ما قيمتُها؟
"ألمشتعِلُ"، في "غَلَيانٍ" روحيٍّ، نفسيٍّ، اجتماعيٍّ، ثقافيٍّ، فنّيٍّ... دائم. "ألغَلَيانُ" هذا، يجعل من كِيان الكاتب، بركانًا مستمِرَّ الفَوَرانِ والتَّدَفُّق، وتاليًا، على امتداد حياتِه، وكتابتِه؛ أقصِدُ: على امتداد روحِه، ولا تنتهي الرّوح. ألكتابةُ، في هذي الحالة، حياةٌ ثانيةٌ. حياةٌ حانيةٌ على "الحياة". حياةٌ تتجدّد على الأيّام. تتوالد، تتلاقح، تتطوّر، تَرقى، تُرَقّي.
ألنّصُّ سلبيٌّ إيجابيٌّ معًا. كيف يكون ذلك؟ هو لا يتأثّر، لكنّه يؤثِّر. يفعل، لا ينفعل.أهو مُكتَفٍ بأنّه موجود؟ بأنّه "مكتوب"؟ إنَّ "الفنَّ"، المُتَغلغِلَ فيه، هو "العاملُ" الحقيقيّ. ألفنُّ، في وجهٍ من الوجوه، خُلاصةُ ثقافةٍ وحَضارةٍ ومَوهِبة. وهي خُلاصةٌ حميميّةٌ، حيّةٌ، حُرّةٌ، نافذة. ألثّقافةٌ تكثيفٌ للفكر. ألحضارةُ إطلالةٌ على المستقبل. ألموهبةُ صياغةٌ، جوهرُها التّجديد في كلِّ اتّجاه.
والنّصُّ مُثيرٌ يُثير. مُثيرٌ بما يُكتشَفُ فيه من عوالمَ ورؤى وصُوَرٍ وأساليبَ وتنويعات، قد لا يكون الكاتبُ يعيها. ويعي سواها قارىءٌ آخر. وسواها قارىءٌ سِواه... ويُثير ما عند مُتَلَقّيه من "موهبة" تفجير الألفاظ والتّعابير والمعاني ... ما يختزن من ثقافة يُحَوِّلُها إلى "طاقةٍ" خَلاّقة . فالنّصُّ يُحَرِّض، يستفِزّ؛ والقارىءُ المُتَلَقّي، الذّوّاقةُ، الموهوبُ، يُخصِبُ، يُغني، يُلَوِّنُ، يُنَوِّع... ألنّصُّ أهلٌ لذلك إذا تهيّأ له مُتَلَقٍّ ذكيٌّ، دَؤوب. ألفنُّ: ممارسةً وتَلَقِّيًا، يتطلّب الصّبرَ الوفير. ألصّبرُ، في الفنِّ، نِعمةٌ عميمةٌ.
يبقى القارىء. مَن هو؟ ما به؟ ما دورُه؟ كيف يتأتّى له ذلك كلُّه؟
ألقارىءُ هو "الفاعلُ" و"المُفَعِّلُ". ماذا يفعل؟ يعرف كيف "يقرأ". كيف "يستقرىء". كيف "يستدرجُ" النّصَّ إلى الإفصاح. يعرف كيف "يراود" الكتابة. كيف يُخْصِبُها. يستولدها. يُجَدِّدها، وعلى العصور. كأنّه "بانيها". من دونه، ماذا يبقى!؟
وما به؟ أيعرف، هو، ما به؟ ما به كثيرٌ، عميقٌ، غنيّ. ألكثرةُ تَنَوُّعٌ واختلافٌ راقٍ. ألعمقُ إخصابٌ للثّقافة الجديدة، بها يُكتَب، لا بالذّاكرة. ألغِنى تلوينٌ للفكر، للعاطفة، للصّورة، للخيال، للأسلوب... للشّخصيّة: شخصيّةِ الكاتبِ، يجدُ القارىءُ فيها ما قد يكون الكاتبُ ،عينُه، سها عنه؛ وشخصيّتِه هو، كقارىءٍ، يُظهِر "قدراتِه" التّحليليّةَ، "الاستكشافيّة. ألقارىءُ مُستكشِفٌ للكتابةِ الّتي قد تكونُ، بدورها، "استكشافًا" للقارىء.
وما دَورُهُ؟ إنّه الدَّورُ كلُّه. وأكبرُ، أهمُّ، أعمقُ، أبعدُ... من دور الكاتب! ألكاتب يكتب، مرّةً، ما يريد. ما يشعر به. ما "يراه". أمّا القارىءُ، فينثر ما كُتب، في كلّ مكان، كلّ زمان. كلّما قرأ قارىءٌ، وُلِد النّصُّ من جديد. ما يؤمِّن بقاءه. بقاءُ الكاتبِ وكتابتِه، من "فضْل" القارىء، القارىءِ الكاشفِ، المُؤوِّلِ، المُلَوِّن... الفاتحِ، للنّصِّ، وعليه ولأجله، أجملَ الآفاق، وأكثرَها بُعدًا، وأغناها ألوانًا. إنّه يُغدِقُ، على الألفاظ والتّعابير، ما يجعلُها ابنةَ الحياةِ إلى ما لا نهاية. لكأنّه مُشارِكٌ في عمليّة خَلْقِها. غائصٌ في إثْرها. عارفٌ أسرارَها. مُطْلِقٌ آياتِها. وهو، هكذا، يُهدي الكاتبَ، معاني وفِكَرًا وعواطفَ وصُوَرًا لم تخطر في باله. ويُهديه معجَبين. ويُهديه مُحِبّين. ويُهديه "مؤمنينَ" به: شخصيّةً وكتابة. و...يُهديه "الحياة"!
كيف يتأتّى له ذلك؟ هو لا يعرف! وكيف له أن يعرف؟ ألقارىءُ المُثَقَّفُ، الذّكيُّ، المُتَعمِّقُ، المُتَخيِّلُ، المُرهَفُ... يقرأ ويفهم ويؤوِّل من دون قصْدٍ، من دون انتباه. تمامًا تمامًا، كما الكاتبُ الأصيل.
وعليه، ألا يَصِِحُّ التّساؤلُ: أين يبدأ دَورُ الكاتبِ، وأين ينتهي؟ وتاليًا: أين يبدأ دَورُ القارىءِ، وأين ينتهي؟ مَن يستطيع التَّمييزَ بين الكاتب والقارىء؟ أليسا واحدًا في جسدَين منفصلَين؟ ألكاتبُ الحَقُّ مَن تَلَبَّس دَورَ القارىء الحقّ، وكذلك القارىء. ففي كلّ كاتبٍ جيّد قارىءٌ جيّد؛ وفي كلّ قارىءٍ جيّد كاتبٌ جيّد. أليس كذلك!؟
وتستمرّ الكتابة، تستمرّ القراءة... يستمرُّ الإبداع!
الجمعة 22/5/2009