معرفةُ الآخرِ

إيلي مارون خليل قرأها 1,416
 

معرفةُ الآخرِ

إيلي مارون خليل

ماذا تعني معرفةُ الآخر؟ ولماذا نحاولُ أن نعرفَه؟  

          معرفةُ الآخَرِ تعني الانفتاحَ عليه، التَّواصُلَ معه، الاغتناءَ به، العملَ معًا، تحسينًا وتحصينًا لذات ولجماعة.

          ألانفتاحُ على الآخر اعترافٌ به، أوّلا. وتاليًا احترامُه كإنسانٍ شريكٍ يشاركُ. فاهتمامٌ به: فردًا مُفَكِّرًا. وعليه، يكون هذا الانفتاحُ ضرورةً حَتميّة، وواجبًا كيانيًّا، الآن وهنا وهناك  وهنالك ودائمًا. ألانفتاحُ كينونةٌ حضاريّة!

          ألاعترافُ بالآخر، اعترافٌ بوجوده. هذا الوجودُ ليس جسديًّا فحسب، إنّه الوجودُ الفكريُّ الذّهنيُّ الوِجدانيُّ العاطفيُّ.ألوجودُ الفكريُّ تجسيدٌ لرؤى، تَطَلُّعات، عقائد... تُثبتُ، هذه، كينونةَ صاحبِها. تتلقّفُها، أنت، تتفحّصُها، ترى فيها، دائمًا، ما يُعجبُك، أو بعضَه. إن رفضْتَه كلَّه، تكن رافضًا لصاحبه. منتهى السّلبيّةِ الرّافضةِ الآخر. تتقبّلُه أو تتقبّلُ بعضَه؟ تُقيمُ حوارًا معه. ألحوارُ قد يكون مباشرًا أو غيرَ مباشر. ألحوار إقامةٌ سعيدةٌ في الآخر: غنيّةٌ مغنية. ألوجودُ الذّهنيُّ حضورٌ في الآخر. ألحضورُ في الآخر، يقظةٌ دائمة. هذه اليقظةُ وعيٌ رصينٌ لماهيّتَين: ماهيّتِك وماهيّةِ الآخر. وهذا الوعيُ الرّصينُ مُتَبادَل. أنت تعي الآخر، والآخرُ يعيك. إنّه "التَّلاقُحُ" المُخصِبُ، الحيُّ، المُحيي. تتأثّرُ وتؤثِّر. تُعطي وتُعطى. لم أقل "تأخذ". في الأخْذِ غَلَبة. "إغتصابٌ" لعوالم الآخر. لا يستأهل هذا منك، فهو مُشْرِعٌ هذه العوالمَ أمامك، وهو ينتظرُك ليُعطيك. تتبادلان ذاتًا بِذات. والوجودُ الوِجدانيُّ إنسانيٌّ أصيل. إنسانيّتُك ارتقاءٌ بك: فكرًا ونفسًا ودَورًا. وأصالتُك انتفاضةٌ، فيك، على الصّغائر، الدّناءات، الضّعف... هاتان الإنسانيّةُ والأصالةُ، هما أيضًا، ضرورةٌ حضاريّة. والحضارةُ نفْعٌ عام. أمّا الوجودُ العاطفيُّ فقبولٌ للآخر. قبولٌ منفتحٌ، فَرِحٌ مُفرِح. أنتَ تقبلُ الآخر، إذًا، فأنتَ تُحِبُّه! وهو يُحِبُّك! لم أقلْ: "يُبادلُك". ألمبادلةُ ثمنٌ. ألثّمن "تجارة". ليس في التِّجارة عاطفة.

*******

          إذًا، فنحن نحاولُ أن نعرفَ الآخر للانفتاح عليه، التَّواصُلِ معه، الاغتناءِ به ومعه، العملِ معًا، تحسينًا وتحصينًا، ارتقاءً بِذات، بِجماعة، تأسيسًا لمجتمع مُعافى، راقٍ، ولحضارةٍ مُثمِرة.

          نحاولُ، نحن، أن نعرفَ الآخر لأنّه الآخرُ المختلفُ لا المُخالِف، المُكمِلُ لا المُناقِض... كلُّ آخرٍ امتداد. كلُّ آخرٍ تَشَظٍّ. كلُّ آخرٍ غنًى. تَمَيُّز. إكتمال.

          فما المعرفة؟

          ألمعرفةُ اختراقُ الحُجُب. كلُّ حِجابٍ مادّة. ألمادّةُ سِتارٌ، عازلٌ، يُبعِدُك عن "الآخر"، وعنك يُبعِدُه. يبقى، بالنِّسبة إليك، "الآخرَ" البعيدَ، المحجوبَ، المعزولَ، المجهولَ، النَّكِرة؛ وتبقى، أنتَ، بالنِّسبة إليه، "الآخرَ" البعيدَ، المحجوبَ، المعزولَ، المجهولَ، النَّكِرة.

          إختراقُ الحُجُبِ هو اقتحامُك، بِفرح، بشوق، بصفاء، عوالِمَ الآخر. أي أن تُزيلَ عن عينيك، من فكرك، من روحك، كلَّ غشاوةٍ نتِنة؛ أن تُلغي، من ذاتيّتك، كلَّ مسافةٍ تُبعِدُك من أن تكونَ الإنسانَ المُضيءَ، الإنسانَ الرَّقيقَ، الإنسانَ الرَّفيق. هو أن تُقدِمَ، بمحبّة، أن تحملَ ذاتَك نحو "الآخر"، بالنَّقاء، بالصّفاء، بالرّجاء. أن ترى أنّ "الآخرَ" هو "أنت" في جسدٍ ثان، تُقيمُ في مكانٍ ثانٍ، تلتزمُ فِكَرًا، معتقَداتٍ، وجهاتِ نظرٍ... ثانية. وأن تَقْبَلَها، وتفهمَها، ولا يُطلَب أن تتبنّاها. ألذَّوَبانُ غيرُ مطلوب. ألمطلوبُ هو التَّكامُلُ والتَّفَرُّع. إنّه الغِنى الخَلاّق!

          واختراقُ الحُجُبِ بالرَّهافة يحصُلُ. باللطافة. بالتَّأمُّل. وهذه تنعقدُ، لك، ب"القراءة". ألقراءةُ انسلالٌ إلى "الدّاخل"، "داخلِ" الآخر من خلال "داخلِك". حين "تقرأ"، فأنتَ لا "تفهمُ" فحسب، أنتَ "ترى" و"تُحِسُّ" و"تذوقُ" و"تلمِسُ" و"تشمُّ"، في الآن ذاتِه. هذه حَواسّ؟ صحيح! لكنّك تُصَفّيها وأنت تفكِّر أو تقرأ أو... تُنَقّيها من "شوائبها". من "مادّيّتها". من "غرائزيّتها". فتتراءى لك ذاتيّةُ "الآخر"، واضحةً، رقيقةً، نورانيّة... كيف تقدر على ذلك؟ بالاستعداد الرَّهيف، الوَرِع، التَّقيّ. ألرَّهافةُ تَصَفٍّ حميمٌ ممّا فينا من أنانيّة. من اغترار. من "طاووسيّة". ألوَرَعُ أن "تَقشرَ" من روحك ما يَسِمُكَ بالجَفاء. بالمُكابَرة. بالمُداوَرة. وليست التَّقوى، دائمًا، بالمفهوم الدّينيّ. إنّ لها مفهومًا إنسانيًّا خَلاّقًا، عميقًا، بعيدًا؛ وإن هو مُشابِه. ألتَّقوى، هنا، أن تقبلَ سِواك كالصَّلاة، بعد أن تؤمنَ به، إنسانًا راقيًا، يحمل، مثلَك، فِكَرًا وعواطف؛ وله، مثلُك، أحلامٌ ورؤى.

          معرفةُ الآخر؟ تَبادُلُ معرفة. هذا التَّبادُلُ "تَبادُعيٌّ" خصيبٌ مُخصِب. خصيبٌ بذاته وبالآخر. يُخصِبُ ذاتَه والآخر. هذه "المُخاصَبةُ" نِعمةٌ نفسيّةٌ، إشراقيّة. والإنسان... للإشراق!

ألثّلاثاء 12/5/2009