الخوف من الفلسفة

عطية مسوح قرأها 6
  

عندما كنت في عمان منذ شهرين، مشاركاً في مؤتمر (الفلسفة والتغيير في الوطن العربي) علمت من بعض الأصدقاء الأردنيين المشرفين على المؤتمر، أن مادة الفلسفة لا تدخل في مناهج التعليم في المرحلة الثانوية في الأردن. بعد ذلك علمتُ أن الأمر نفسه موجود في عدة دول عربية.

الفلسفة ممنوعة في المرحلة الثانوية إذاً، ولا يمكن للشباب أن يطلع على مبادئها العامة ومدارسها وتياراتها، وأسماء روّادها ورموزها وأفكارهم، بطريقة رسمية منهجية، ولا يتاح التعامل معها إلا لمن يختارونها اختصاصاً لهم في المرحلة الجامعية. وهؤلاء، يدخلون مرحلة التخصص دون أن يكون لديهم أي اطلاع على مبادئ الفلسفة ولغتها ومفرداتها.

أما عامة المتعلمين، فهم (بلا فلسفة)، وأما المتخصصون في ميادين علمية أخرى، كاللغات أو الفيزياء، أو الرياضيات، أو الطب، أو غيرها، فهم يتلقّون المعارف التخصصية دون أن تكون لديهم قاعدة فلسفية ومعرفة بالمبادئ العامة التي تستند إليها العلوم كافة.

هل هذا نقص عفوي في مناهج التعليم، ناجم عن عدم اهتمام المشرفين عليها بهذا الأمر؟ أو هو عدم إدراك لأهمية الفلسفة في العلم والحياة؟

استبعدت هذا التعليل حين قال لي الأصدقاء الأردنيون إنهم، وغيرهم، طالبوا المسؤولين عن التعليم وبرامجه وسياساته بإدخال مادة الفلسفة إلى مناهج المرحلة الثانوية، ولكن مطالباتهم المتكررة لم تجد نفعاً.

فليس الأمر إذاً إهمالاًَ أو عدم إدراك لدور الفلسفة، بل هو عكس ذلك تماماً. إنه إدراك دور الفلسفة والخوف منه.

في الكثير من المراحل والأماكن، كان القائمون على شؤون السياسة، والمشرفون على المؤسسات الدينية، والكثير من رجال الدين، وقادة الحركات السياسية، يخشون الفلسفة، ويخافون انتشار روحها بين الناس. ولعلنا هنا نذكر (الحكمة) القائلة: من تمنطق فقد تزندق. أي إن الفلسفة تشكل خطراً على الاعتقاد الديني. كما أن الكثير من الحكام والسياسيين كانوا يخشون البحث الفلسفي الحر ويتوجّسون من امتداد الفلسفة إلى بحث مسائل الحكم والسياسة، وكانوا يشجعون نوعاً من (الفلسفة) ويروجون الفكر السياسي الذي يدعو إلى الاستقرار وطاعة الحاكم ونبذ السعي التغييري.

في إطار ذلك، نشرت فكرةُ ربط التفلسف بالهذر، ونُظِر إلى الفلسفة على أنها عمل من لا عملله، فكثيراً ما يقول الناس لشخص يهذر أو يتحدث بما لا فائدة منه، أو بما لا يقبلونه، أو لا يفيدهم: لا تتفلسف علينا!

لكن هذا الموقف الشعبي إن صحّ القول، هو نتاج الدعاوة الرسمية المركزة التي يقوم بها كثير من السياسيين ورجال الدين ضد الفلسفة، وأقول مكرراً، لا لأنهم يجهلون دورها أو يستصغرونه، بل لأنهم يدركونه ويستعظمونه.

ولا حاجة بنا إلى أن نؤكد أن العقل الفلسفي أساس تستند إليه العلوم كلها، سواء أكانت إنسانية أم طبيعية وفلسفة العلوم هي القاعدة التي يجب أن يتقنها المتخصص في أي علم منها. ولا حاجة كذلك إلى تأكيد أن الرأي الذي يستند إلى معرفة فلسفية هو أكثر جدية وعمقاً، في كل ميادين الحياة. وقد انتبه شاعرنا المتفلسف المتنبي إلى ذلك حين مدح ابن العميد بقوله:

عربيٌّ لسانُهُ فلسفيٌّ

رأيُهُ فارسيّةٌ أعيادُهُ

 
والذي يهمّنا من هذا البيت ليس قوله (عربيّ لسانه)، ففي كل لسانٍ خير وبركة، ولا (فارسية أعياده)، فلكل قوم أعيادهم ومعتقداتهم، وإنما تهمنا (فلسفيّ رأيه)، فهنا يميز المتنبي بين من يمتلك قاعدة فلسفية تمكنه من معرفة الأشياء والظاهرات وتكوين الرأي حولها والبت فيها، وبين من لا يمتلك هذه القاعدة.

أما لماذا يخاف الفلسفةَ الحكَّامُ الاستبداديون، أو الذين يقيمون أنظمة حكمهم على ركائز عشائرية أو طائفية أو تحزُّبية متعصّبة، أو رجال الدين المتخلّفون، أو المستفيدون من مراكزهم الدينية، أو القادة السياسيون المتشبّثون بمراكزهم، فهذا ناتج عن معرفتهم حقيقة لا لبس فيها، وهي أن للفلسفة دوراً تغييراً في كل مرحلة ومجتمع، وهو دور تقدّمي لأنه يستند إلى المعرفة وإلى تشخيص مصلحة تطوّر الفرد والمجتمع.

منذ القدم، كانت الفلسفة ذات دور تغييري، فهي تساعد الإنسان على فهم الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، والغوص في مشكلات الواقع، والتمسك بالقيم والمثل الأخلاقية. وهذا الفهم هو القاعدة الأساسية لكل سعي تغييري، وكان دور الفلسفة والفكر عامة في التمهيد للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية واضحاً في كل العهود ومنذ مئات السنين.

لذلك، فإن القوى المحافظة، التي تريد تثبيت ما هو قائم، ومنع التطور والتقدم، تخشى الفلسفة، وتسعى إلى استبعادها من الحياة اليومية، ومن الحركات السياسية، ولهذا قد تمنعها في مناهج التعليم، أو قد تسطّح تعليمها وتقلّل الاهتمام بها.

هذا شأن من يريدون أن تكون سياساتهم أمراً واقعاً، وأفكارهم مسلّمات يأخذ بها الناس دون تفكير أو نقد أو شك.