في السّياسة

إيلي مارون خليل قرأها 1,642
  

في السِّياسة

إيلي مارون خليل

Elie%20Khalil%20photo%5B1%5D.JPG 

مرَّ ببالي، اليوم، أن أكتبَ في السِّياسة. فأنا الّلبنانيُّ الوحيدُ، على ما أظنُّ، الّذي لم يتطرَّق، بعدُ، إلى هذا الموضوع. ألا يكفي مِثْلُ هذا السَّبب؟ فكيف إذا كانت، هنالك، أسبابٌ أُخرى!؟

من هذه الأسبابِ الأخرى، مَثَلا، الحَسَد! نعم! ألحَسَد!

كيف يكونُ هذا؟ ألأمرُ في غايةِ البَساطة. إليكَهُ: ألا ترى، يوميًّا، على شاشات التَّلْفزة، عندنا، عشراتِ "الأشخاص" مِمَّن يتحدَّثون بالسِّياسة، فلا يسكتون؟ وهم لا يفقهون، فلا يَفهَمونَ ولا يُفْهِمون! تَرْغَبُ في أن تكونَ واحدًا منهم. بمَ، هم، عنك يتميَّزون؟ والنّاسُ.. مُصَدِّقون. "مُصْطَفّون". هذا وراء ذلك. وذاك خلْف ذيّاك. ترى، أنتَ، أنّهم ذَيْلٌ وراء ذَيْلٍ وراء ذَيْل. وهكذا.. وأنتَ؟ أبقي لك خَيارٌ حُرّ؟ تتحدّث.. وما إن يستمع إليك واحدٌ، فإثنان، فأكثر، حتّى "تُصَدِّقَ" أنّك "تفهم"، وأنّك "مُطَّلِع"، وأنّك.. لستَ "ذَيْلا"، لستَ ذَيْلَ أحد.

ومن هذه الأسبابِ، زملاؤك، جميعًا. لقد أخذَتْهم حُمّى "السِّياسة". فهم، بها، مُتَحَدِّثونَ لَبِقون غيرُ مُحْرَجين، ويظنّونَ أنَّهم، إيّاكَ، يُحْرِجون؛ خُصوصًا إن عرفوا أنّ رأيَكَ مُغايِر، أو أنّكَ غيرُ مهتمٍّ بآرائهم الّتي بها يَنطِقون. فيُلاحقونك بِـ"فِكَرِهم"، و"آرائهم"، و"نظريّاتِهم"، و"معلوماتهم".. إذا اقتضى الأمر. ويحسِبون أنَّها، كلَّها، "صائبةٌ" و"سديدةٌ" و"ثاقبةٌ" و"رؤيويّة"! وأنتَ.. أن تسكُتَ وتُصْغي. عليك ألاّ تكتفي بالاستِماع. والويْلُ لكَ إنْ لم تُصغِ أو "تقتنع"! فَهُمْ، بالأمورِ جميعِها، "مُلِمّون". وأنتَ.. أن "تَتَسَقَّطَ" من أفْواهِهم كلَّ "معرفة".

ومن هذه الأسبابِ، أيضًا، أنّ جيرانَكَ، ومنهم الأمّيُّ و"المُتَعَلِّمُ"، المُحامي والمصرفيُّ، الكاتبُ العدلُ والرِّياضيُّ.. كلُّهم "يُشَنِّفونَ" أُذُنيك بِما لديهم من "معلومات" بعيدةٍ، كلَّ البُعْدِ، عنك. ويتسابقون في الكلام، وإليه، غيرَ مُكترِثين. فأنت.. أن تسكتَ وتستمع. عفوًا: أن تُصغي. ويتراشقون بما يُشبِهُ الشّتائم. كلٌّ منهم يهاجم "زعيمَ" جارِه. "زعيمُهُ" وحده العارف. "زعيمُهُ" وحده الوطنيّ. "زعيمُهُ" وحده السّيِّدُ، الحُرُّ والمُستقِلُّ، على غِرار الوطن. "وطن"!!!

ومن هذه الأسبابِ، كذلك، أنّ مَن يقرأ الجريدةَ، أيّةَ جريدةٍ، يُصبحُ ناطِقًا رسميًّا باسْمِها. ألَم تقرأ فُلانًا؟ وفُلانًا؟ و"يَكْدَحُ" يُسَمّي لك أسماءَ كُتّابِها والنّاشرينَ فيها و"المُسْتَكْتَبين". وكلُّهم، بالنِّسبةِ إليه، "فاهمٌ" و"مُطَّلِع" و"مُصيب"! فكيف لكَ ألاّ "تُصغيَ" إليه، وهو راغبٌ في "هدايتِك" من "ضَلالِك"؟ حتّى ولو بَدّلَ "فُلانٌ" رأيَه، بعد فترةٍ، لـ"قناعاتٍ" جديدة! "ألقضيّةُ" تُلْزِم!

وكذلك مَن يمُرُّ قربَ مكتبةٍ، فيرى، في واجهاتِها، كتابًا سياسيًّا، يحفظُ عنوانَه، ويأتيك بما فيه وكأنّه قرأه، وفهم ما فيه، بل "غَيَّبَه"! وإيّاكَ ألاّ "تُصْغي" و"تُصَدِّقَ" و.."تفهمَ" مثله، ليضُمَّك إلى "قطيع" "زعيمِه" و"قائدِه" الفَذِّ المُضَحّي المُنْقِذِ الجماعة.

وعليه، فسأتحدّثُ في السِّياسة!

"أقرأ: ساسَ القومَ: دبَّرَهم وتولّى أمرَهم. وساسَ الأمرَ: قامَ به.. ويُقالُ: فُلانٌ مُجَرَّبٌ قد ساسَ وسيسَ عليه أي أدَّبَ وأُدِّبَ.." فما رأيُك؟ هل إنَّ "سياسيّينا" يُدَبِّرونَ ويَتَوَلَّونَ أمرَنا، أم "يُدَبِّرونَ" أمرَ أنفسِهِم ويَتَوَلَّونَ شؤونَها؟ أيقومونَ بالأمور المطلوبةِ منهم لخير شعْبِهم ووطنِهم، ولِسعادةِ الجميع؟ أجميعُهم "مؤدَّبٌ" ليستطيعَ "التّأديبَ"؟

وأقرأ:" ألسِّياسةُ (مص) استصلاحُ الخَلْقِ بإرشادهم إلى الطّريقِ المُنَجّي في العاجِلِ أو الآجِل// فنُّ الحُكْمِ وإدارةُ أعمالِ الدَّولة.. ألسِّياسةُ المَدَنيّةُ: تدبيرُ المَعاش مع العموم على سَنَنِ العدلِ والاستِقامة. ألسِّياسيُّ هو الّذي يُزاوِلُ السِّياسةَ أو يَتَّخِذُها حِرْفَةً له."

 فكيف "يَسْتَصْلِحُ" مَن ليس صالِحًا؟ ألصّالِحُ هو المُتَمَيِّزُ بالحكمة. ألحكمةُ أولى صِفاتِ/ فضائلِ السِّياسيِّ. ألحِكمةُ ليستِ العِلْمَ. ألعِلْمُ "ينفِشُ" صاحِبَه. ألحكمةُ هي العِلْمُ المُكتَنِزُ بالقِيَم، المُحافظُ على حقوقِ الإنسان، المُهتمُّ بمصائرِ الشُّعوب، المُفْضي إلى الحياةِ الحُرّةِ، الكريمةِ، الرّغْدةِ، السّعيدة. فأين الحِكمةُ في ما نرى، ونسمع، ونعرف؟ ألصّالِحُ هو النّافِعُ بالعدلِ، المُرتقي بالخيرِ، المُستنيرُ بالمحبّة. هل العدلُ في ما نرى ونسمعُ ونعرفُ من تشاتُمٍ، بل تَذابُحٍ، على امتداد ساعاتِ اليوم؟ هلِ الخَيرُ في ما نلمِسُ من "عَوَرِ" في نظر أهلِ السِّياسة اليوميِّ، ف"يخدم" السِّياسيُّ أهلَ "جماعتِه" و"يُقصي" الآخَرينَ، بل يَقطَعُ "دابِرَهم"؟ هل المحبّةُ في التّباغُضِِ والتّكاذُبِ والتَّناحُرِ، فيُشَوِّهُ سُمْعةً، و"يُهَشِّمُ" صيتًا، و"يهدمُ" إنجازات؟ هل "الخِدمةُ" في "نَفْعِ" فئةٍ من دون أُخرى؟ فهذا الحَجْبُ للحقوق عن فئةٍ، يؤدّي إلى الرّعاية. هكذا تُلزَمُ هذه الفئةَ على التَّوَجُّهِ إلى "الحاجب" و"المانع"، فتتمُّ "رعايتُها". لكن: مَن يضمَنُ أنْ تستمرَّ "الرَّعيّةُ" الجديدةُ، في إطاعةِ "راعيها" الجديدِ، هذا؟ و"المُرشِدُ" مَن وعى مسؤوليّتَه من وجوهِها المختلِفة. "ألواعي" مسؤوليّتَهُ، هو النّاضِجُ فِكْرًا، الصّائبُ هدفًا، السّليمُ منطِقًا، المُنفَتِحُ، الغَفورُ، المُسامِحُ.. فلا "يتعامى"، ولا يجبُنُ، ولا يُمالىءُ، ولا يُحابي، ولا يكذِبُ، ولا يَنِمُّ، ولا يقدحُ، ولا يذِمُّ، ولا يتغاضى، ولا يتقاعسُ، ولو عن "خُصومِه".. ألسِّياسيُّ مَن "وعى" واجباتِه كاملةً. لا تكونُ كاملةً، إنِ استثنى منها أحدًا!

وهل، بين السِّياسيّينَ، مَن يعي مسألةَ الزَّمن؟ فهل هو يُرْشِدُ، إذًا، "إلى الطّريقِ المُنَجّي في العاجِلِ أو الآجِل"؟ "ألعاجِلُ" و"الآجِلُ"؟ إنّه الزّمن الغادر! لا يغدِرُ بك مِثْلُ الزّمن! بسرعةٍ ضوئيّةٍ ينسلُّ ويختفي، ولا عودة. وبالتّالي فلا تعويض. وهنا، لا استرحام. ولا رحمة. فما لم يُنَفَّذ الآن، يُخَسِّرُك زمنًا. يُخَسِّرُكَ من عمرك. لا تستطيعُ تنفيذَهُ، مع سواه، بعد الآن. ثمّ لا تستطيعُ تنفيذَ الكثيرِ، ممّا تَراكم، وهو ضروريّ. وهكذا أنتَ تخسَرُ، وشعبُكَ، ووطنُك. فكيف تكون سياسيًّا "يَرعى" مصالِحَ شعبِه ووطنِه، في "العاجِلِ" من الأيّام و"الآجِل"، في "العاجِلِ"منَ الزّمان و"الآجِل"؟ ألإحساسُ بالزّمن، إنّهُ لَلأمرُ البَهيُّ، الصّافي، العظيم!

وفنُّ الحُكْمِ؟ صحيحٌ! إنّ الحُكمَ فَنٌّ. فالفنُّ رؤيةٌ ورؤيا. رؤيةُ تغييريّةٌ إلى واقعٍ خامِلٍ. لكنّ السّياسيَّ الفنّانَ، السِّياسيَّ النّاجحَ، طَموحٌ، قويٌّ، صَلْبٌ، لا يَلينُ، ولا ييأس؛ ورؤيا إستِباقيّة، بوساطتِها "يزرعُ" وطنَه: شعبًا ومؤسَّساتٍ، في قلب الغد. ألسّياسيُّ الرّؤيويُّ، شاعرُ الأمّة، شاعرُ الأمّةِ المُتفائلُ، أبدًا. وأبدًا دائمُ الرّؤى الخَلاّبةِ، المُدهِشةِ، النّافِذة. ولا تَراجُع. إنّهُ القائد! حتّى إنّهُ "يرى" أحلامَهُ، رؤاهُ، و"يقودُها"، لا يتركُها "تَقودُه". لذلك هو "المُنَجّي"!

والسّياسيُّ "القائدُ" و"المُنَجّي"، طاهرُ القلبِ والنّوايا والِّلسان. مؤمنٌ بِرَبِّه، ممارسٌ. مُقَدِّسٌ مُلْكِيَّةَ الآخَر، غيرُ طامعٍ بشيْء. مُحاسِبٌ نفسَهُ والآخَرين، خصوصًا من أهلِ خاصّتِه، وأخَصّ، إنْ حكموا. فهو تارِكٌ، زاهِدٌ، مُتَقَشِّفٌ، قابِلٌ بالقليلِ لقوام أمَدِه. بعيدٌ عن "الفَخْفَخَة" و"الجاه" و"الانتفاخ" و"الطّاووسانيّة" السّخيفة المُسَخِّفة أصحابَها في عيون العُقَلاء. يحيا الاستقامةَ، وبها يُبَشِّر. فالسِّياسةُ، معه، ليستْ فنَّ المُمكنِ، كما يشاؤها المُنَظِّرون. إنّها فَنُّ المستحيل! فَنُّ العملِ الدَّؤوبِ، تحقيقًا لِمُمكِنٍ يُرجى. "يُكَبِّرُ" أحلامَه، لِتَعظُمَ أعمالُه! ألعملُ الحقيقيُّ نَشوةُ القائد "المُنَجّي".

وهو غيرُ ثرثار، خلافًا للشّائع. ليس كلُّ سياسيٍّ ثرثارًا. ألعاديُّ ثرثار. "ألطّاووسُ" ثرثار. ألكاذبُ ثرثار. ألدّجّالُ ثرثار. ألخبيثُ ثرثار. ألنّمّامُ ثرثار. وما الثّّرثرة؟ إنّها وابِلٌ، قَصْفٌ، من الكلام، فارغٌ، لا يقولُ شيئًا، لا يُفيدُ في شيء. يوحي غيرَ ما يُضْمِر؛ ألغايةُ منه إضاعةُ الوقتِ والجمهور. يَتحدَّثُ كثيرًا، يتحدَّثُ دائمًا، ولا يُفهَمُ منه أمر. هذا يُمكِنُ أن يكونَ مَقصودًا. هذه "حَرْبَقة" سياسيّة، "شَطارة". أليس كذلك من منظار "العامّة"؟ لكنّ السّياسةَ "القائدةَ" تقودُ "العامّةَ" ولا تنقادُ لها.

إنّ من مَهامِّ السِّياسيِّ، قولَ الحقيقةِ، بل إعلانَها، بصوتٍ عالٍ، ومن دون مُوارَبة. ألحقيقةُ حُصنٌ يُحَصِّن. ألحقيقةُ تُنَظِّفُ وتُريح. تُفصِحُ وتوضِح. تُشْرِقُ وتقود. ترفعُ رأسَ القائلِ بها، العامِلِ في سبيلِها، تجعلُهُ دائمَ التّوََهُّجِ والإشراق. فهل؟

ألسِّياسةُ! ألسِّياسةُ! كم نُحِبُّك. كم نتكلَّمُ باسْمِك. كم نُعَرِّفُك. ولكن.. أنعرفُكِ!؟

  11/12/2008