الأخوان رحباني: ثراء المعاصرة واستحضار التراث

غازي قهوجي قرأها 1,002
 

الأخوان رحباني: ثراء المعاصرة واستحضار التراث

غازي قهوجي

في أحد الأيام سألت عاصي الرحباني عن دور الفن في الحياة، ولم يكن منصور حاضراً آنذاك.

أجابني ببساطة: الفن هو محاولة راقية للتخفيف من مرارة الحياة!

وبعد رحيل عاصي بسنوات، سألت منصور السؤال نفسه.

فقال: الفن هو محاولة لجعل الحياة أجمل!

A,%20M%20&%20Fayrouz.JPG

وهكذا، فما بين افتراض يقول بدور الفن في تخفيف مرارة الحياة، ودوره في جعلها أجمل، انساب ذاك الدفق العظيم من الموسيقى والشعر والمسرح والصوت المعجزة فيروز.

لقد كُتب الكثير وقيل الكثير عن النتاج الفني للأخوين رحباني، ولقد أُنجز العديد من الأطروحات الجامعية والدراسات الجادة المعمقة التي تناولت سيرتهما، بالإضافة إلى الندوات واللقاءات التي عُقدت وتعقد حول ظاهرة الفن الرحباني المتعدد التجليات الرؤيوية والقادر على المخاطبة والحوار والذهاب بسلاسة وعمق إلى الآخر والتواصل معه أينما كان في دنيا العرب.

وتشكل لدى الرحبانيين شغفٌ جارف وساطع بالتغيير والتمرد على مجمل السائد والرائج مما ورثته وأدمنته الأسماع، لا سيما أنهما عرفا أسرار قطف العادي البسيط وجعله مدهشاً ومؤهلاً لسكنى القلب والعين والذاكرة.

والكلام عن الأخوين بشكل عام أو أحدهما بشكل خاص، أو عن الرحابنة مجتمعين يطول ويتعدد ويتنوع، وتصعب مقاربته بالتلخيص والايجاز والاختصار خصوصا أمام رائدين اجتهدا في تغيير عادات السماع، فأعادا تشكيل الكلام وتأليف الأشكال على هدي إيقاعٍ فرضَ حركته وتسيّدَ على الوقت والزمن وأمسك محتضناً ومختزلاً ببراعة نادرة جوهر المرتجى والمراد كحبة الرمل التي تختزن الصحراء، وقطرة ماء المطر التي تحضن مياه الله.

هكذا فمن رؤى ندهت بعضها تكوَّن منهجهما فكانت تجليات إنسانية جمالية سامية تغبط القلب وتنعش الروح وتخاطب الذهن، وترفع المدارك الإنسانية إلى مراتب الحلم والأمل برؤية الآتي على صهوات الموج وأجنحة السحاب كنبوءة تحفظ وتضبط توازننا الداخلي، وتؤكد لنا يقيناً، انه بذهاب الحلم يصبح اللقب في وحشة، والروح في شتات، وتثبت لنا بأن جوهر الإيمان هو الحلم بالعدل على الأرض، عن طريق استكشاف منابع الصفاء والنقاء وبكر المياه، والانتقال من مقام الهمس إلى حال القول الصريح، والتفريق بين السكون والإصغاء، وإلغاء المسافة العربية الطويلة ما بين السمع والبصر.

صياغة الفرح

لقد كتب الأخوان للأيام الآتية، وكانا خلال ما يزيد على نصف القرن في مقدمة المستشرقين، وما خبا لهما ضوء ولا كبا لهما جواد، وهما يصوغان فرح الناس وتمردهم في آن معاً، ويرفعان رايات فخر الانتماء إلى هذه الأرض وهذا الوطن الصغير الذي وصل معهما إلى غالبية أرجاء القارات الخمس.

ولم يكن استحضار التراث أو الواقعة التاريخية في بعض أعمالهما - وبعد ذلك لدى منصور منفرداً - سوى مجذاف ودفة وشراع لسفر مفتوح على الحلم المغاير وعبر مسار جريء وشجاع على عكس ما تشتهي الرياح، وقد أخذا من التراث جذوته وليس رماده في زمن كان فيه من لا يزال يسرج خيل قوافله متوجها نحو ماض مطفأ وخامد.

هذه المسيرة الطويلة الثرية المعاصرة، وذلك الاستحضار الحضاري للتراث وإعادة عصرنته بموهبة وذكاء بلوَرَ أصالةَ وصوابية دربِ الذهب، وجلا جماليةَ وروعة طريق النحل، ليبقى الزمن مشرّعاً على التساؤلات الأبدية، وليستمر السعي إلى قطف بهجة المعرفة ومحاولة التخفيف من مرارة الحياة وجعلها قدر الإمكان أجمل.

لكل هذا ومنذ البدء سلك الأخوان درب الصعوبة وفي الزمن الصعب، ومنذ البدء سارا حثيثاً وغزيراً على وتري الضفتين معاكسين لمجرى النهر وصولاً إلى المنابع، في حين كان آخرون ينتظرون عند المصبات.

لقد أدركا ان الفن هو ابن الوعي وانه ربيب المعرفة والعلم والتقنية والمثابرة والمتابعة، وهو المتوج الدائم بالرؤى الملكة والأحلام المبدعة.

رؤى خاصة

وما كان لثنائية الأخوين المتفردة أن تكون بتلك الروعة وذاك الدفق في العطاء المتنوع في الموسيقى والشعر والمسرح وسائر الفنون المرئية والمسموعة، لو لم يكن كل من الأخوين بحد ذاته يمتلك الموهبة والمزايا الفنية العالية التي قل تواجدها لدى آخرين.

ولو لم يكن لدى كل منهما رؤاه الخاصة بكل عمق تساؤلاتها وهواجسها وثراء جماليتها. وبرز ذلك عندما بات منصور وحيداً على الساحة موسيقى ونصاً ورؤىً وشعرا. ولقد كان أن ولد الكبيران في بيت واحد، ونشآ معاً، ودرجا معاً، فنمت وارتقت - وفي آن معاً - عبقريتان تقاطعتا على الدوام أحلام ورؤى كل منهما بأحلام ورؤى الآخر، وكاد هذا «الاتحاد» وليس «الوحدة» - هذا اذا استقام التعبير - يندرج وفق مقولة: أن الكبار هم دائماً على موعد لقاء في الرؤى... ودائماً ما يلتقون.

ولو لم يكن عاصي أخا لمنصور، لطلب منه أن يؤاخيه في الفن! وكذلك أيضا كان قد تمنى منصور!

ولكن الذي حدث هو أنه من العطايا الكبيرة التي وهب بها لبنان وسائر دنيا العرب أن عاصي ومنصور كانا أخوين حقيقيين في المقام والحل والترحال والإبداع.

وكانا بثنائيتهما نوراً على نور، فتجلّت عبقرية كل منهما وتوهّجت في مدارها، ثم اتحدت العبقريتان في فلك واحد، مما أسبغ عليها أبعاداً حملت في ثناياها تفرداً فنياً صعب تقليده أو حتى التماهي به أو تزويره.

لقد شكل الأخوان قمة عالية وشامخة تكاملت منهجاً بحيث لا يمكن الإضافة عليها، أو القول والتصريح بإكمالها، وأن من يُرد سلوك هذا الدرب عليه أن يسعى إلى تأسيس ورفع قمّةٍ جديدة إلى جانب من أنشأ وبنى ورفع القمم! وهذا على ما نعتقد هوى صعب أمام ظاهرة فنية لا تتكرر وإبداع لا يُقلد.

لقد كانت أربعينيات ومطالع خمسينيات القرن العشرين هي السنوات التي بدأ فيها لبنان يتلمّس الخطى لإنجاز استقلاله وصياغة طبيعة كيانه الاجتماعي. وذهبت كل الجهود آنذاك أو غالبيتها إلى بناء مفاصل الدولة إدارياً واقتصادياً وسياسيا.

وتزامناً مع هذا الحراك، ظهرت الحاجة المركزية والضرورة الحتمية إلى إيجاد الهوية الخاصة بالكيان، وإلى تأليف الشخصية التي تسعى إلى التفرد والتمايز في محيطها الواسع، لا سيما أنها تستند الى تاريخ حضاري عريق حفل على مر الزمن بالعطاء الإنساني الكبير.

هكذا بدأت تتوالد الأحلام الأولى، والرؤى الجديدة للبناء الفوقي للبلد، وتتبرعم وتزهر وتثمر بالموسيقى والأغنية والمسرح وسائر الفنون التي تشكل عالم الثقافة بجميع ما تحمله من طموحات وآمال كانت على الدوام هي الهدف لمضامين وجدوى الوجود الإنساني. وبدأ الخروج على النمطية والرتابة والجمود الذي ورثته الأمة فتراخت وانزوت دهراً تُقلّد وتتتبَّع وتسير أسيرة في ركب الغير.

في ذلك الوقت كانت مجموعة صغيرة من الشباب الفنانين المبدعين تتوق وتجهد لبناء تلك الشخصية الثقافية للبلد القديم - الجديد.

وكان في طليعة هؤلاء كل من عاصي ومنصور الرحباني.

ومذاك بدأت لبَنات البناء الفوقي بالارتفاع.

من هذا المنطلق، ومن رحاب هذا الواقع كان الرحبانيان من المبدعين البارزين الذين شاركوا مكيناً في تأسيس بنية كيان لبنان!

وكانا من أكبر رموزه الفنية والثقافية الحية والفاعلة والمؤثرة، التي تفتحت أحلامها على الآتي، وذلك بامتلاكها لمفاتيح الأصالة والتجدد والنقلة النوعية التي طبعت عصرنا بأكمله كما طبعت بمناخها وهواها كل العالم العربي.

توالد الأفكار

لقد وضع الأخوان مقولة التمرد مقابل صيغة الثورة- بالمعنى الانقلابي- ذلك أن التمرد يعني التوالد الدائم للأفكار المبدعة، وهو الحافز الأمثل والأهم للتغيير نحو الأفضل والأجمل والأشمل، وطرحا من دون تنظير أو استعراض معرفي، فعل «رأى» بعد فعل «نظر»، وذلك انطلاقاً مما يقال بالمحكية:

«كل الناس بتتطلع، بس مش كل الناس بتشوف!».

لقد قصدا وهدفا أن تتدخل البصيرة - البصر كمشارك أساس في استيعاب والتقاط إشارات الوجود وأحداثه، واستكشاف ماهية الأمور والدلالات المحيطة بنا، وملاحظة وفهم تعدديتها وتراكماتها، ومحاولة إدراكها وذلك بهدف تغييرها وتطويرها وإعادة تأليفها، والانطلاق بها إلى رؤى معاصرة هدفها الإنسان كفرد وجماعة ومجتمع.

على هذا الصراط انساب النص الموسيقي والنص الدرامي «شعراً وكلاماً» ومعه الأداء والتشكيل اللوني في المشهدية الرحبانية التي بلغت مطارح عالية.

لم يكن هاجس الرحبانيين محاكاة الطبيعة على الرغم من وصفهم الرائع لها.

ولم يكن هدفهما تكرار الحدث والجمال الطبيعيين، أو شرح مواصفات «المكان" وإظهاره بواقعه الجغرافي. كذلك لم يسعيا إلى التفسير بواسطة الكلمة واللحن والشكل لفكرة ما أو موضوع ما، بل جهدا إلى عجم واختزال ما تراه العين وما تسمعه الأذن، وكأنهما يصوغان «لوغو» لكل من النص الموسيقي والأداء الصوتي والحركي، والتكوين اللوني والإيقاع العام.


حرية التصور

لقد سعى الرحابنة إلى تحليل وخلخلة العديد من عاداتنا ومسلّماتنا البصرية والسمعية، تلك التي تحد من مدى حرية التصور والتخيل، وذلك عن طريق إخراجها من سجن التراكم النسخي المتوارث الذي استعمر الأذن وأدمنت على رؤيته العين.

لقد حاول الرحبانيان استدراج رؤانا وتأويلاتنا المسبقة ونقلها من مقامات السكون والتفسير الواحد ثم طرحها بصياغات جديدة تفاجئ العين وتستثير المخيلة، وهذا ما تكثف لدى منصور فيما بعد، والذي يتطلب تحطيم جمودها المادي المباشر والغاء أحادية معناها من الناحيتين الوظائفية والجمالية، وإيجاد مساحة للجدل الجدي يصل إلى درجة هتك وإزالة صمت العين وتخليصها من موروثها البصري المزمن وأخذها إلى فضاءات الانفتاح على الرؤى الجديدة، والإمساك بكل الوسائل التي تؤدي إلى إعادة تأهيل محفوظات ذاكرتنا المحفورة في أرشيف أبصارنا كمسلّمات نهائية يقينية محسومة.

هذه التركة المشهدية، وهذا الإرث السمعي - البصري قد أخذ بنا ككلّ موروث ظلاميٍّ متخلّف إلى حالات مريبة وملتبسة من التردّي الثقافي والفني والمعرفي.

لقد حاول الرحابنة عبر كل ما أنتجاه وأبدعاه تغيير عاداتنا في التلقّي، وهما على علم بما يتطلب هذا من مراجعات وهزّات لمجمل عناوين وتفاصيل مقارباتنا التي ما زالت تغويها وتغريها وتؤثر فيها المشهدية النسخية التفسيرية بأدواتها كافة وسائر مركّباتها البرّانية المغرقة والغارقة في المباشرة.

* القبس الكويتية