كيف كان يُغنّى لبنان قبل الرحبانيين وفيروز؟
كيف كان يُغنّى لبنان قبل الرحبانيين وفيروز؟
حسن داوود
عاصي ومنصور الرحباني تركانا سنوات نتكهّن كيف هي القسمة بينهما: مَن منهما يكتب؟ من يلحن الأغنيات؟ هذه المقدمة الموسيقية لمن، ولمن فكرة تلك المسرحية؟ أغلب الظن أن ما كنا نتوصل اليه لم يزد عن تغليبنا لأحدهما على الآخر، لكن بما لا يتعدى الكلام على الموهبة بعمومها. ذلك كان يعفينا من التفكير بكيفية تقسيم العمل بينهما. أما من ناحيتهما فكان غريباً إصرارهما على الاحتفاظ بسر تلك الشراكة، وهذا باب آخر من أبواب التفكير في ما كاناه. أحياناً كان يبدو لنا ذلك الكتمان نتيجة لعهد قطعاه ولم تقو مجريات الشهرة وما يتحصل منها على النكث به. ظلا "أخوين" بل "الأخوين"، هكذا كما لو أنهما لم ينفصلا عن البيت الواحد الذي أقاما فيه ولدين. تلك الأخوة لم يقطعها أيضاَ ذلك السبق الذي كان عليهما أن يخوضاه الى الحداثة، والى توسيع مجال موهبتهما لتتعدى ما كانا قد بدآه في أنطلياس وجوارها. تلك الخطوات المتلازمة الى الأمام، خطوة من جانب الأول تقابلها خطوة مساوية من جانب الثاني، تبدو غير قابلة للحدوث، اذ ليس هناك اثنان يقطعان تلك الطريق الطويلة وهما متخاصران ممسكٌ أحدهما بذراع الآخر. لا بد ان أحداً منهما كان يتأخر قليلاً، لكن كان الآخر ينتظره ماداً له يد الإقالة من العثرة. وكان ذلك امتحاناً آخر للأخوة التي، في ظننا الآن، حيث يتلازم الطموح مع التخفف من كل إرث، ليس من شأنها الا ان تقطع المرء عن فرادته.
ذاك العهد الرابط بين الأخوين هو الذي نجّاهما من التقلبات التي كان يمكن أن تصيب كلاً منهما. الشهرة التي عقدت حياة فنانين كثيرين، مثل سيد درويش أو مثل اسمهان، التي تابع المشاهدون العرب مأساتها على شاشاتهم المنزلية، لم يبد أنها أصابت الأخوين عاصي ومنصور. لا حياة ثانية خلعت أياً منهما عن حياته الأولى ولم يلتفتا، كلٌّ بمفرده، الى ما سبق من أيامهما مباشرين القطيعة معها. كانت حياة مستقيمة تلك التي عاشاها، سائرة في خط متصل واحد. وهذا ما وسم حياتهما الفنية ايضاً، تلك التي عرفت "التطور الطبيعي" تطور الخطوة خطوة الذي لم تتخلله ثورات وتغييرات جذرية حاسمة وإعادات نظر قاطعة. عالمهما الجمالي، ومنه الحيز الريفي الحنيني الذي لم يفارقاه (مع استثناءات خرجت من ذلك العالم الريفي الى بيروت، واستثناءات أخرى تعلقت بإنشاد أغنيات لمدن عربية مثل القدس ودمشق ومكة وغيرها...) بدا كما لو أنه أعطي لهما كاملاً منذ بدايتهما. لم يتغيرا عنه، واذ أحبا ان يبتعدا عنه الى روما القديمة كما في بعض مسرحهما، كان ذلك كأنهما يفتحان نافذة من ضيعة كحلون مثلاً ليطلا منها الى العالم البعيد. ثم ان روما تلك ليست أكثر من عبرة مؤكدة للقيم التي دعَوَا إليها في مسرحهما. لبنان الصغير هو روما القديمة، أو ربما كان ضد روما حين تسعى الى الهيمنة وإلحاق الدول بها.
كانا يتسّعان من حيث هما، من مطرحهما، او من حيث بدأا، مزينين عالمهما بصور وأفكار وأسماء لم تُحدِث إضافتها أي مراجعة لما سبق لهما أن أنجزاه. تلك المراجعة أو النقد كانا سينتظران زياد الآتي من بعدهما والذي، في مسرحياته، بدا كما لو أن هاجسه الأول تمثل بنعي ذلك العالم الريفي الذي لم يعد موجوداً، بحسبه، إلاّ في الأحلام والمخيلات. "ما تقول دوالي... قول ملالة"، كان يقول على لسان احدى شخصيات مسرحه. أما في ما يتصل بأغنيات الرحابنة فكان زياد أقل ميلاً الى الثورة إذ عمل على إعادة توزيع بعضها في محاولة منه لتحديثها، أي الى جلبها من حيث هي لجيل الشباب الذي لا نعرف الآن إن كان اكتفى من الأغنيات هذه بنسخة زياد أم أنه آثر الاحتفاظ بالنسختين معاً.
"الأخوان" ومعهما فيروز صنعوا بالموسيقى والأغنيات والأعمال المسرحية التي تحول بعضها أفلاماً سينمائية، نوعاً من هوية ثانية للبنانيين المبعثرين المتوزعين في هوياتهم الخاصة. للأجيال التي عايشت أعمالهم ليس هناك من صورة للبنان، أو معنى، سبقا ما رسمه الرحابنة وفتحا أفقه. من قبلهم لم ينوجد شيء يُعرّف به لبنان أو تتخيل به طبيعته مندمجة مع فكرته مع صفات أهله المقيمين فيه.
كأنهم، هم الرحابنة، صانعو اللبنانية وان ما فتئت لبنانيتهم هذه تتعرض للدحض والشك والاتهام بقصر النظر، كما بكونها خيالاً خالصاً تكذّبه، في كل يوم، وقائع ومجريات تظهر حاملة ثقل الواقع كله.
ما صنعه ذلك العالم الهشّ، تلك الهوية الثانية التي تساويه هشاشة، ظلاّ صامدين لم تنل منهما الحروب التي تقلّب فيها لبنان متخذاًَ في كل جولة منها صفات وتعريفات جديدة. بل ان الحروب هذه عززت التعلق بلبنان الأول، الوهمي، ذاك الذي لم يبق من رموزه إلاّ تراث الرحابنة وصوت فيروز. ونحن، برحيل منصور، نخاف أن نكون نودّع، ليس شخصه فقط بل ذلك التراث الكامل الذي شارك في صنعه. نخاف أن يصير ذلك التراث منطوياً في ماضي لبنان مثله مثل أشياء لم نعلم أنها وجدت قبل ان تفتتها مطحنة التنازع وتغير الخرائط وإنكار كل مرحلة لما كان قد سبقها.
في كل يوم تحمل لنا الإذاعات صوت فيروز، لكن فقط لساعة أو ساعتين تعقبان الفجر. نفكّر أحياناً أن القصد من ذلك هو إبعاد ذلك الصوت عن صخب النهارات ومعمعاتها، أي أن تترك النهارات هذه لمن يدقّونها بمطارقهم لمحو بعضهم بعضا. ثم نفكر في ساعة الصباح الأولى تلك أن ذلك اللحن القديم ما زال قابلاً للتجدّد، أو أنه، على الأصح، ما زال معلّقاً في علوّ مانعاً الزمن من مسّه والوصول إليه. ذلك ما يسمونه اختراق الزمن في لغة النقد الأدبي، لكننا، هنا، في ما خصّ الرحبانيين وفيروز، نجد أننا نستنكف عما توحي بها عبارة الإختراق القاسية.
لم يشأ منصور أن يتوقف عن العمل بعد وفاة شريكه عاصي. كتب قصائد بالعامية والفصحى وعرض مسرحيات وأقام مؤتمرات صحافية. ذلك الدأب لتأسيس بداية ثانية لم يُفلح في أن يزيح منصور عما كان قبله. أقول ذلك متردداً قليلاً إذ ربما كان آخرون، بينهم أناس من أجيال جديدة، يرون خلاف ما أرى.
المستقبل