فلنبْعث "عمر فاخوري"
منذ ستين عاماً رحل عمر فاخوري، الأديب الذي أتيح له أن يعيش واحداً وخمسين عاماً فقط.
هذا العمر القصير نسبياً، كان أكثر طولاً من أعمار كثير من المعمّرين. ولعلَّ السبب في ذلك أنه كان خالياً من الأوقات المهدورة الضّائعة.
كانت طفولة عمر فاخوري قصيرة جداً. وهذا شأن المبدعين الكبار الذين تولد معهم موهبة فذَّة، من جوانبها أن يعرفوا كيف يُعدّون ذواتهم بسرعة كي يدخلوا باب الإبداع مبكرين. ويكفي أن نعلم أن أديبنا هذا أصدر أوّل كتاب له عام 1913 أي وهو في الثامنة عشرة من عمره، كي ندرك كم كانت طفولته قصيرة، وكم أعطته موهبته وإصراره وجدّه ثقة واندفاعاً.
حمل كتابه ذاك عنواناً كبيراً لافتاً للنظر: كيف ينهض العرب؟ وحين تقرأ كتاب ذلك الفتى لا بد أن تدهشك شجاعته وعمق شعوره بالمسؤولية وصدق نزعته الثورية، ولا بد أن يشدّك إليه ذلك التمازج العفوي بين انفعالاته وأفكاره، بين قلبه وعقله ولسانه. وأظن أن من قرؤوا ذلك الكتاب الصغير عند صدوره قد تنبؤوا بما سيكون عليه هذا الفتى بعد سنوات وعقود.
أمّا آخر كتاب ألّفه عمر فهو (الاتحاد السوفييتي حجر الزاوية). وبين الكتابين الأول والأخير ستة مؤلفات وأربعة كتب مترجمة ومئات المقالات التي ما تزال متفرقة في المجلات والصحف تحتاج إلى من يجمعها ويصدرها.
هذه الكتابات تركت أثراً كبيراً في القراء والمثقفين والناشطين السياسيين في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، وما تزال قادرة على ذلك، لما فيها من فكر حيٍّ خلاق، في مجالات النقد الأدبي والكتابة الاجتماعية والسياسية.
برز عمر فاخوري بوصفه أحد أعلام التيار اليساري في فكر النهضة العربية. وأسهم مع غيره من نشطاء النقد الأدبي في إرساء تيار نقدي يربط الأدب بهموم الناس ومشكلاتهم، والتقى في هذا مع رواد كبار مثل محمد مندور ورئيف خوري ومارون عبودوسلامة موسى وغيرهم.
أما العوامل التي كوّنت شخصية عمر الثقافية على هذا النحو فهي ثلاثة رئيسة، هي:
1ـ حرصه على المعرفة، واتساع طيف ثقافته، واطلاعه على ثقافة الغرب، ولا سيما الفرنسية. لقد أتقن عمر الفرنسية وترجم عنها، وأمضى في باريس عدة سنوات درَس خلاها في جامعة السوربون، وتعرّف فيها إلى كبار المثقفين من ذوي النزعة الإنسانية، ومنهم أديب الحرية أناتول فرانس.
2ـ المناخ النهضوي العربيفي الفكر والأدب والسياسة. كان ذلك المناخ الذي نضج في بدايات القرن العشرين، حاضناً لفكر عمر ونشاطه، لكن عمر لم يكن متلقياً مستفيداً من هذا المناخ فحسب، بل أسهم في تكوينه وإنضاجه.
3ـ المنبت الشعبي لعمر فاخوري، فهو من أسرة شعبية متوسطة الحال دينية التفكير. ولعل المنبت الشعبي وسعة العلاقات مع الأوساط الشعبية كانا التربة التي نبتت فيها نزعته اليسارية واندفاعه للكفاح من أجل الحرية والعدالة.
أما هواجس عمر التي طبعت حياته ونشاطه، فهي ثلاثة أيضاً.
أولها هاجس النهضة. وقد أفصح عن ذلك كتابه المبكر الذي ذكرناه. كان خروج أمته من مستنقع التخلف والجمود همه الأول والمستمر، وفي سبيله جاء كل ما كتب وفعل.
وثانيها هاجس الحرية، وحقوق الإنسان. وخلق هذا الهاجس في نفسه تكوينه الفطري واطّلاعه على الثقافة الفرنسية. اسْمعْه يقول عن الثورة الفرنسية: (فإليها يرجع الفضل في أن حقوق الإنسان المدنية والسياسية داخلت الضمير الإنساني حتى أصبحتْ متمِّماً له عريقاً فيه، وجاوزتْ طور الأوضاع السياسية والحكومية كي تصبح أسلوب تفكير ونهج حياة للأفراد والأمم على السواء.
كان عمر ديمقراطي الميل، وقد نشر مقالاته الأولى بتوقيع (مسلم ديمقراطي). وعبّرت ممارساته اللاحقة عن عمق هذا الميل، ولا سيما حين أسهم في تأسيس عصبة مكافحة النازية والفاشية عام 1941.
وثالث هذه الهواجس هو هاجسالعدل. وقد تجلّى ذلك بتأييده للاشتراكية وصداقته مع الحزب الشيوعي ووقوفه إلى جانب الاتحاد السوفييتي الذي رأى فيه (حجر الزاوية) في بناء مستقبل أفضل للإنسانية.
هذه الهواجس وتلك المكونات جعلتْ عمر فاخوري أديباً خالداً، محبوباً، فجع به المثقفون والأدباء والتقدميون العرب عام 1946. ولعل العبارة التالية لطه حسين تدل على ما كان يتمتع به من مكانة ومحبة في أفئدة معاصريه. كتب طه حسين واصفاً لحظة تلقيه نبأ وفاة عمر:
"لم أقل شيئاً ولم يقل أصحابي شيئاً، وإنما اتَّخذتُ لهذا الأديب اللبناني العظيم قبراً في ناحية من نواحي قلبي، كما اتخذ اللبنانيون له قبوراً في قلوبهم، وكما حفروا له قبراً في ناحية ما من أرض لبنان.
فلنتذكر هذا المثقف الرائد، ولننشر تراثه، فهو ممن يستحقون أن يكونوا في عداد معلّمي الأجيال.