ألحِقدُ يُطفىءُ النّفس!
ألحِقدُ يُطفىءُ النّفس!
إيلي مارون خليل
أن تحقِدَ على "آخَر"، هو أنْ تحسِبَهُ غريبًا عنكَ، أنتَ "الإنسانُ". ألستَ، أنتَ، أخًا للآخَر، شريكًا له في هذه الأرض، تقتسم معه خيراتِها، تتشاركان الرَّغائبَ، الأمنيات، والأحلام؟
أن تحقِدَ على "آخَر"، هو أن تكونَ ضِدَّ طبيعتِكَ البشريّةِ. أنتَ الكائنُ المجبولُ بالمَحَبَّة، وفيكَ روحُ الرَّبِّ، كيف تبصُقُ قلبَكَ، تملأ نفسَكَ حِقدًا، وتعيشُ على غير ما أنتَ له، أصْلا؟
أن تحقِدَ على "آخَر"، هو أن تكونَ خارجَ إطارِ الإنسانيَّةِ فيك، مُكَلِّلا ذاتَكَ بالبُغض، مُتَنَفِّسًا خُبْثًا، زافرًا شرورًا، تُعَشِّشُ، في كِيانِكَ، الآثام! فتكونَ "موجودًا" بَدَلَ أن تكونَ "حاضرًا"، حيًّا، فاعلا، موحيًا، مؤثِّرا. ف"الموجودُ" مُكْتَفٍ بالمادّةِ فيه، مُنْكَفِىءٌ في "وجوده"، وعليه، فلا يتفاعلُ، لا يتواصلُ، لا يتكامل. و"الحاضرُ" حيٌّ بكلِّيَّتِه، نابضٌ بالخِصْبِ، رافِلٌ بِزَهْو الحياة. فكيف تُقفِلُ، أنتَ الحاقد، ذاتَكَ بوجه ينابيع "الآخَر"، تَسُدُّ مَنافِذَها، تَهدِمُ هياكلَها؟ كيف تستطيعُ أن تُسَوِّغَ هذا لنفسِك، فتُقفِلُ حَواسَّك بوجه السِّوى، فلا ترى النّورَ، نورَهُ ؛ ولا تسمعِ الأنغامَ، أنغامَهُ ؛ ولا تشُمَّ الطّيبَ، طيبَهُ ؛ ولا تذوقُ المحبَّةَ، محبَّتَهُ ؛ ولا تلمِسُ النّجاحَ، نجاحَهُ!؟
منكَ، وحدكَ، يبقى النّورُ شحيحًا. منكَ، وحدَكَ، تبقى الأنغامُ خرساءَ. منكَ، وحدَكَ، يبقى الطّيْبُ مُلَوَّثًا. منكَ، وحدَكَ، تبقى المحبَّةُ ضئيلة. منكَ، وحدَكَ، يبقى النّجاحُ ناقصًا. لا تقدِرُ، على الحياة، وحدك. تَواصَلْ مع الآخَرِ، تكسِبْ صديقًا يكونُ عونًا لك في الصِّعاب. تَكامَلْ مع الآخَرِ، تَسْمُوا معًا، ومعًا تَنضِجا. إنّه الرُّقِيُّ الخصيبُ، الخَلاّق.
أحِبَّ "الآخَرَ"، إفْرَحْ لنجاحاته، أضِىءْ عليها أمام شُرَكائكَ في عملِك، في بيئتِك، في عيلتِك َ، بين أصدقائك، أينما كان. هكذا تنشرُ الفرحَ في حياتِك وحياة الآخَرين. أليس الفرحُ، هو إحدى غاياتِك، وغايات النّاسِ أجمعين!؟ إفتحْ قلبَكَ على المدى الخيِّر، ليكنْ فيه حبُّ سعادةِ "الآخَر"، لا التَّرَبُّصُ للإيقاعِ به!
إنّ نجاحَ الفردِ، نجاحٌ لأيِّ إنسان. ما يتوصّلُ إليه شريكُكَ في الحياةِ، تربحُه، أنتَ أيضًا. ألا تنتفِعُ بالدّواءِ المُكتَشَفِ في آخِرِ أصقاعِ الأرض؟ كيف يُمكِنُكَ ألاّ تفرحَ لهذا العالِمِ المكتشِف، يُكَلَّلُ شقاؤه بالنّصر، فينالُ جائزةً تُحَفِّزُه، كما تُحَفِّزُ سِواه، على المتابَعة؟ ما بالُكَ، إذًا، يَنْكَمِشُ قلبُكَ ُ، يُضْغَطُ على شرايينِه، فتكادُ تُسَدُّ وتنفجر؟
ألا تُحِبُّ نفسَك؟ أحِبَّها في "الآخَر"! ألا تُحِبُّ أحَدًا؟ أحِبَّه في البشريَّةِ جَمْعاء! لِماذا أنت كائنٌ حيٌّ تحيا في جماعة؟ ما قيمةُ الحياةِ، حياتِكَ، في هذه الحال؟ بل : أتَكون، هي، ذاتَ قيمة؟ كيف تَقضيها، إذًا، هكذا، وانتَ تعرفُ أنّها عديمةُ الفائدة؟ كيف ترتضي أنتَ، أن تكونَ بلا فائدةٍ، وسطَ مجتمعٍ ينتظرُ منكَ، كلَّ يومٍ، أن تُنْجِزَ ما يُفيدُ، فيُطَوِّرُ ويُسْمي ويُرَقّي؟ كيف تقبَلُ أن تكونَ عديمَ الجَدوى ؛ عديمَ الشَّوقِ إلى الانفتاح المُحْيي والموحي؟
*******
أنتَ إنسانٌ؟ فأنتَ كائنُ الحُبّ. إذًا، فأنتَ تَنهَدُ نحو الكمال. ألتّائقُ إلى الكمال، مُتَأهِّبٌ، دومًا، إلى العملِ مع جَماعة. مع الجَماعة. هو، هكذا، أقوى، أقدرُ على الوصول الأسرع. يختصِرُ الوقتَ، المسافةَ، الجَهدَ. يُكَثِّفُ الطّموحَ، الحُلمَ، الإرادة.
أنتَ إنسانٌ؟ فأنتَ كائنُ النُّبْل. إذًا، فأنتَ تَرقى بغيركَ، ومعه. تُحاوِلُ التَّرَقّي؟ تُفرِغُ ذاتَك من كلّ ما يُلَوِّثُها. كلِّ ما يُشينُها. كلِّ ما يُمكِنُ أن يؤخِّرَها. فأنتَ، هكذا، أسرعُ وأقدرُ. يقتدي بك آخَرون. معًا تُباشِرونَ وتُكمِلونَ وتَصِلون.
إنسانٌ أنتَ؟ فأنتَ كائنُ التَّسامُح. إذًا، فأنتَ تَتَماهى بِمِثال. بالمِثال. لا تؤخِّرُ مَسعاكَ تَفاهةٌ، لا تعثُرُ، لا تتراجع. وجهُكَ نحو الشّمسِ، قلبُكَ نورٌ صافٍ، ذِهنُكَ وقّاد، عَزْمُك هادر. وجسدُكَ، نفسُهُ، شَفيف. يُصْبِحُ جسدُكَ نسيمًا رائقًا، عذبًا، تَصَفّى.
لهذا كان الإنسان. ولا تَلتفِت إلى بعضِ الّلاهثينَ وراء ما لا يُسْمِنُ النَّفْسَ، ولا يُغنيها. ولا تُُنصِت إلى بعض الضّاجّةِ أصواتُهم تَخَلُّفًا وإنكارًا للآخَر، بل مُحاوِلةً قَتْلَه. ألقتلُ النّفْسيُّ، المعنويُّ، الرّوحيُّ، أشدُّ ضَررًا، أكثرُ فَتْكًا. هذا "الآخَرُ" حياتُنا. به نَغْنى، معه نَطْمَئنّ، من أجلِنا، معًا، نُحِبُّ، ونُسامِح.
ليس الحِقدُ من الإنسان. ألحِقدُ غرائزيّ. والإنسانُ بأصْغَرَيْه. بالعقل نَبني ونَرْقى. بالقلبِ نَذوبُ رِقّةً، بالحنانِ نَتَّشِح. ألحِقدُ يُيْبِسُ، والإنسانُ نارُ الإيناعِ الدّائمةُ الاشتِعال.
*******
أيُعْقَلُ أن يُحِبَّ الحاقِد؟ ألحاقِدُ، حقًّا، مليءٌ حَسَدًا. ألملآنُ حسدًا لا يُحِبُّ. لا يستطيعُ أن يُحِبَّ. ألحاقدُ، حقًّا، لا يرى نجاحَ "الآخَر". لا يستطيعُ أن يرى. ألحاقدُ، حقًّا، لا يُسَرُّ بِفَرَحِ "الآخَرِ". لا يستطيعُ أن يُسَرَّ.
"داخِلُ" الحاقِدِ مِرْجَلُ كُرْهٍ يَغْلي. يُزَلْزَلُ طَمَعًا. يَنْشَقُّ غَيْظًا. "يَفورُ" غضَبًا. يَئنُّ ألَمًا. يَسيلُ حُزنًا. لا يُمكِنُهُ أن يَسعَدَ لنجاحِ "الآخَرِ"، ولا لِسعادتِهِ، ولا لِحُبِّ النّاسِ له، ولا لِكَوْنِه كثيرَ الأصدقاء، ولا لأنّه "يَستعمِلُ" الحياةَ، ولا لأنّه "يَستنفِدُ" قُدُراتِه، ولا.. ولا.. ولكن : أيُريدُ أن يَسعَدَ لِهذا "الآخَر"؟ كأنَّ الحاقِدَ مُقَرِّرٌ، سَلَفًا، أن لا "يَسعَدَ"، بَلْ أن لا "يرى" نجاحَ "الآخَرِ"، ولا سعادتَه، ولا حُبَّ النّاسِ له ولا.. ولا.. ولكن، مرّةً، بعدُ، هل يستطيعُ الحاقِدُ أن يَحيا حياةً سَوِيَّة؟ أن يَحيا، يَفرَحَ، يسعَدَ، يُحِبَّ، يتواصَلَ، يتكامَلَ، يَتَآلَفَ، يَتَناغَمَ... ينجح؟ ولكن، بعدُ، أيُقِرُّ الحاقِدُ، ويَعترِفُ، بأنَّ غَيرَه "ينجحُ"، أو "يَتواصَلُ" أو... "يَحيا"؟
أيُحِبُّ الحاقِدُ نفسَهُ؟ أيَستطيع؟ ألا يَكرهُ الحاقِدُ نفسَهُ، في حَمْأةِ غَيْظِه، وغَضَبِه، وكُرْهِه، وحَسَدِه؟.. ألا يَنِمُّ الحاقِدُ عن حالِه، في مُسْتَنْقَعِ وحولِ شخصيَّتِه؟ ألا يَشْتُمُ حياتَه، في دَوَرانِه حَولَ الّلاجَدوى؟ ألا "يَموتُ" في التِفافِه على الّلامَعنى في جَوف العَبَثيَّة المُحرِقةِ روحَه؟غري...بٌ كيف يُشَرْنِقُ الحِقْدُ مَن يَتَلَبَّسُه، فلا يَخرُجُ إلى "النّور" لِ"يرى"" و"يَسمعَ" و"يَشُمَّ" و"يلمِسَ" و"يَذوق" و"يَصْفو" و"يَسمو" و"يَتَمَتَّع"!
ألحياةُ حُلوةٌ لا تَستحِقُّ أن تُهْمَلَ، أو تُهَمَّشَ، أو تُحتَقَر... لا تُعاقِبْ نفسَكَ، أيُّها الحاقِدُ، بألاّ "تَحياها" بالحُبِّ والسّعادةِ والطٌّمأنينةِ والسّلامِ الدّاخليّ... "ألآخَرُ" عونُكَ على المَصاعِب، والمُشْكِلاتِ، وأنتَ عونُه! هكذا تهنأُ به، وبِك يَهنأ.. وتَهنآن! ألحياةُ تَسْتَحِقُّ فِعْلاً، أن تُعاشَ، أن تُحْيا!
11/10/2008