قُبلة إلى....... جوزف أبي ضاهر
قُبلة إلى....... جوزف أبي ضاهر
إيلي مارون خليل
قالت مُنى: جوزف أبي ضاهر! ثمّ التفتت إليه: إيلي خليل. إستدْرَكَتْ: إيلي مارون خليل! وانسحبت.
كافيةً كانت هذه الكلمات، ذات أمسيةٍ من نوّار 1968. فبدأت صداقةٌ لا تزال حيّةً، نابضةً، مشتعلة. وكنّا دون العشرين. نُحِبُّ الأدب: نثرَه والشِّعر. وندّعي ممارستَه. نتابع أخبارَه وأخبارَ أهلِه. نحضر المحاضراتِ والنّدواتِ والأمسياتِ أينما كانت. ثمّ بدأنا نشارك. يُشجِّعُنا طموحُنا وشيءٌ من الاعتداد. وبعضُ الأصدقاء. وحين ألقيتُ "قصيدتي" : (مزمور حزين لبلادي)، في احتفال ثانويّة غزير الرّسميّة بالاستقلال، عام 1969، وكنت تلميذَها في سنتي النّهائيّة، لم أعرف كيف وصلت إليه الأصداء، فطالبني بها ونشرها في نوّار 1970، في طبعتين متتاليتين. وراح يحضّني على الكتابة. وكذلك أنا. وبدأنا... ثمّ كانت (صَدى الأرز)، مجلّته الثّقافيّة، فالتّاريخيّة، ومنها انطلقنا.
أعترف بفرح: لولا مُنى، ربّما ما كنّا لنتعارف. ولولاه، ربّما ما كنت لأقتحم عالم النّشر. ولولا الأصدقاء، ربّما كنّا فقدنا الحوافز. ف"المبدعُ"، مهما سما فكرُه، وحسُن أسلوبُه، ولم ينشر، لن يُعرف، لا هو ولا فكره. فهو والنّشر والأصدقاء، ثلاثيّ مبارَكٌ مبارِك.
وجوزف كرّس نفسَه للصّحافة، للشِّعر، فالرّسم، فالنّحت.
في الصّحافة هو، وبعيدٌ، في الوقت نفسِه. خجول كبنفسجة. مُواظِب كنهر. مُحِبّ كمُتَيَّم. كتوم كَلَيل. صامت كنجم يوحي. ثائر كنبيّ غاضب. هادىء كنسيم يتنفّس. ثابت كصخرة تشير.
في الشِّعر، هو في قلب الشِّعر. بل قل إنّه، من الشِّعر، قلبُه ! صادقٌ كالمحبّة. ملتهبٌ كالرّجاء. صافٍ كالسّلام. عميقٌ كالأسرار. مُوحٍ كصُوَر البَيان. مُشرِقٌ كالفصاحة الآسِرة. واضحٌ كالبلاغة المُحْكَمة. مؤثّرٌ كالحَنان النّافِذ.
في النَّحْت هو صَبرُ أيّوب. يعاملُ الجِذْعَ، أو الغصنَ، أو الخشبةَ... بورَع الأتقياء. يُلامسُها بطهر الأمّهات. ينظر إليها بإعجاب العشّاق. يناجيها بسعادة الأطفال.
يكاغيها، يبتسم لها، يستمع إليها، يستوحي منها، يتقن خفاياها، يكتشف أسرارَها... فيُزيل، منها، ما يُثقِل عليها من زوائدَ لا طائل منها، ولا فائدةَ فيها، ولا دَور لها، فتظهر كائنًا حيًّا، بالحياة يضِجّ، بالأحلام تَمور، بالحُبّ تطفَح. تَبرُزُ، منحوتةُ أبي ضاهر، خاليةً من كلِّ زائد، مليئةً بكلّ ضروريّ، وإن بدا ضئيلا. لا يُثَرثر، جوزف، فقط يهمِس بالمفيد، الجميل، الموحي. يعتبر المنحوتةَ، كلَّ منحوتةٍ، قلبًا له، ثانيًا. فكم كثيرةٌ قلوبُ جوزف أبي ضاهر!
وفي الرّسم، هو يطرح نفسَه، بما هي عليه، في رسومه ولوحاته. في خطوطه وظلاله. في تنقيطه ومساحاته البيضاء. في ألوانه وفي ما بعد الألوان. وما معرِضُه الأخيرُ، في زوق مكايل-كسروان*، إلاّ الدّليل والإشارة والإثبات.
قسمَين، قسم جوزف معرِضَه هذا. أوّل بالحبر الصّينيّ، وفيه أسلوبُه التّنقيطيُّ المُنَمْنَمُ المُلَمْلِمُ حالَه بالخَفَر الخَلاّق، والإيحائيّة النّابضة. إحدى عشرةَ لوحة تَشي بالموضوع الأحَبّ: ألمرأة من "أوّل الفرح" إلى "راحوا"... وما بينهما، وفيهما، ويتخلّلُهما، يوحي ويُشير ويؤثّر، ويُفرِحُ ويُحزِنُ، ويُريحُ ويُثْقِل، ويُيئسُ ويؤمِّل... حياة بأكملها!
وثانٍ بألوان الـ"أكريليك". تسعٌ وثلاثون لوحة، قل: تسعة وثلاثون موضوعًا حيًّا من الطّبيعة: نابضة وجامدة. إلاّ أنّ هذه "الجامدةَ"، بدت تتنفّس، تتنهّد، تتأوّهُ، تأمُلُ، تَحِنُّ، تتلوّن، تتلوّى، تغمِزُ، تُواعِدُ، تُمانِعُ، تُعانِد... تُنافِسُ "الحيّةَ". لا جمود في لوحة أبي ضاهر، بل أنفاسٌ لا ألوان. شهقاتٌ لا ظلال. شهيقٌ، زفيرٌ، لا خطوط. مسيرٌ لا انحناءات. وفِكَرٌ لوحاتُه، جوزف، وأحلام. لا ينقل طبيعةً، هو. يشير إلى ما فيها بالتّفاصيل الأقلّ. بالأنفاس الأكثر. بالأحلام الأغزر. لا يستعمل، من الخطوط والظِّلال والألوان... إلاّ الضّروريّ. يُشَذِّبُ الكثير في سبيل لوحتِه/نَفَسِه. ولا يُبالِغ في الاقتصاد، فلا يوقِع في الغموض. صحيحٌ أنّ لوحتَه حلمٌ، لكنّه حلمٌ مفتوحٌ على المَدى... أنتَ، كمُشاهِدٍ راءٍ مستمتِعٍ، وما تقدِرُ عليه من استنطاقٍ للّوحة، واستقراءٍ، واسْتِكْشاف...
صديقي جوزف !
إخالُكَ الأصالةَ تمشي بين النّاس، في هذي الدّنيا القاسية! ولو عرفنا، معًا، أنّ حظَّ الأُصَلاء قليل. لا قليل في الحُبّ، بل رجاءٌ وافرٌ، عميم!
الاثنين 20/4/2009
* مَرايا العطر واللون _ بيت الحِرَفيّ _ زوق مكايل _ 28،27،26 أذار 2009