الفنان السوري "فارس الحلو" يذكِّرنا بـ"جمال الحب"
حرصاً على الشمولية والتألُّق في الإبداع الفنِّي،
الفنان السُّوري فارس الحلو يذكِّرنا بـ"جمال الحب" –
تجربة صيف 2006
مع نسائم الربيع السوري اللطيفة، تداعب الخضرة النَّضرة في وديان مشتى الحلو وجبال الكفارين وتتغزَّل بألوان أزهارها وشذاها يفوح مستقبلاً طلائع الزوَّار والسائحين من عشَّاق الطبيعة الساحرة في واحدة من أجمل وأطيب مناطق الاصطياف في الشرق الأوسط، انطلقت في مشتى الحلو، في مطلع حزيران الماضي فعالية فنية جماهيرية هي الأولى من نوعها ارتبط فيها الإبداع في نحت الرخام بالالتصاق بجماليات الطبيعة وبالثقافة الفنية المتوارثة عند السوريين عبر آلاف السنين. وكان موقع "جماليا" قد نشر في حينها تقريراً عن الفعالية كتبه الأديب والصحفي محمد منصور.
الفنان الأستاذ فارس الحلو، الذي رعى "الملتقى الأول للنحت في سوريا" أراد أن يذكِّرنا بهذا الملتقى الناجح تأكيداً منه لضرورة جعله تقليداً سنوياً شعبياً يستطيع فيه كلُّ الرَّاغبين التعبيرَ عن أفكارهم وتخيُّلاتهم بأزاميل تستنطق الحجر، فأعاد إرسال مقالتين نُشرتا إبَّان سير الملتقى مع بعض الصور التي تبين مدى تفاعل المشتركين وسعادتهم بالنشاط الذي يعتبر بحد ذاته إبداعاً يستحق من دعا إليه ونظَّمه وكذلك من تبنَّاه الشكر والتقدير.
يقول الفنان فارس الحلو: "هذا أول ملتقى للنحت في سوريا يعنى عناية كاملة بالتشخيص في النحت، وهو محاولة جادة لإعادة الأمور إلى نصابها.. لقد كان جريئاً بما فيه الكفاية كتجربة أولى، وسوف أسعى في المرة القادمة إلى الإيغال أكثر في التشخيص والتعبير الواقعي قدر الإمكان .. مؤجلاً الإعتماد على الأسلوب التجريدي إلى حين آخر."
ونحن هنا ننشر، بكل فخر واعتزاز بالفنان المبدع وبالملتقى، المقالتين والصور واثقين أن أصدقاءنا قرَّاء الموقع سيسعدون بتذكُّرهم هذا العمل الذي نتمنى بدورنا أن يتألَّق المشتركون في دورته القادمة مع أساتذة النحت ومع الفنَّانين في قلب الطبيعة السوريَّة الخلابة وأن يكون ملتقى النحت حافزاً لهواة الفنون الأخرى للقيام بإبداعات مماثلة تتنشط معها الروح الخلاّقة والمهارات المتنوعة لأبناء الوطن .. جميع أبناء الوطن.
* * ** * ** * ** * *
"ملتقى مشتى الحلو" ميدان إبداع للنحاتين السوريين
ممثل يترك الاستوديو ليعزِّز مسرح الشارع في بلدته
راشد عيسى- الحياة - 28/07/2006/
لايستطيع الممثل السوري فارس الحلو أن ينسى ولعه بالمسرح، فهو حين يفكر بمشروع
ثقافي يزيّن مدينته الريفية الصغيرة مشتى الحلو ( 220كم شمال دمشق) سيختار نوعاً يخضعه لشروط المسرح، ولعله يختار شكلاً أقرب إلى مسرح الشارع يسهم في حوارٍ مختلف بين أهل المدينة وزوارها من جهة، وفنانين سوريين من جهة أخرى.
لا ندري إن كان الأمر حاضراً حقاً في بال الممثل، الذي ترك بضعة أدوار تلفزيونية، من بينها دوره في مسلسل عن شخصية الأديب اللبناني جبران خليل جبران، وراح يرعى "ملتقى النحت» الذي نظّمه في قلب المدينة السياحية، وفي واحد من شوارعها الرئيسة، فالملتقى صار شكلاً مضاعفاً من أشكال التعبير، النحت، ومن ثم النحَّات ومنحوتته حينما يصبحان موضوعاً للفرجة والمراقبة والاستكشاف، وأحياناً الحوار المباشر.
والملتقى، على ما يقول مديره الفني النحَّات أكثم عبد الحميد، نوع من إعادة تأهيل المدينة ثقافياً وجمالياً، في مواجهة الزحف الإسمنتي وطغيان التجارة والسياحة العابرة، ونوع من تمرين بصَري للمُشاهد العابر، يمنحه ثقافة بصَرية غير معتادة، إذ اعتاد الناس أن يشاهدوا المنحوتة في معرض مغلق، من دون أيِّ معرفة بكيفية ظهور المنحوتة إلى النور. هكذا أسهم الملتقى، كما تقول الفنانة كنانة الكود، «في فضّ الالتباس حول غموض هذا الفن، لقد بلغ الأمر ببعضهم أن يتصوَّر المادة التي بين أيدينا معجونة لينة، والمفارقة أنها كانت من أقسى أنواع الرخام، تلك المسماة "كَرارا"، أو رخام مايكل أنجلو التي صنع منها الفنان الشهير أروع تماثيله.
وفي محاولة لتبسيط هذا الفن وجعله في متناول الجمهور اختار الفنان فارس الحلو موضوعاً محبَّباً لدى الجميع، فنانين وجمهوراً، يقع تحت عنوان "جمال الحب"، وباتفاق بين نحّاتي الملتقى (أكثم بدالحميد، محمد بعجانو، عماد كسحوت، إياد بلال، نزار بلال، همام السيد، هادي عبيد، نور الزيلع، علاء محمد، كنانة الكود، سماح عدوان) حول ضرورة العمل الواقعي المبسط في كل الأعمال والابتعاد عن التجريد.
ولكن الحوار مع الناس والاقتراب منهم إلى هذا الحد له شروطه وضريبته أيضاً، ليس أولها مراعاة الموضوع، ولا آخرها اختيار الشكل الفني، يقول عبد الحميد: "غالباً ما نراعي الابتعاد عن التشخيص الإنساني في الأماكن التي يشتد فيها التعصُّب الديني، إذ يمكن أن يثير الأمر جدلاً وممانعة لاستمرار الملتقيات، علينا أن نراعي مشاعر البعض. أما هنا، في هذه البلدة، فأغلب النحاتين مرتاحون بأفكارهم وبطريقة طرحها تشكيلياً، لكننا في شكل عام لا نزال نعيش عقدة الصنم".
لذلك اضطر الفنان علاء محمد، وكان قد نحت جسد امرأة أطلق عليه اسم «نشوة»، إلى ستر جزء من جسد المرأة - التمثال بعد إلحاح «مشاعر» الناس الضاغطة... وإلى تعديل يعتبره جوهرياً في التكوين. ولكنه، مع ذلك، يجد أن للملتقى فضائله، منها "الخروج بالمنحوتة من الظل إلى النور، فالناس لديهم رهبة من الفرجة هنا، في الهواء الطلق، فكيف في صالة العرض. لقد كُسرت الرهبة إلى حد ما، لمجرد أنهم رأوا الكتلة الرخامية الصَّمّاء وهي تتحول مرات متتالية على يد النحات، صار عندهم الرغبة في التعرف على النتائج. لذلك هناك من يأتي ويراقب لساعتين أو ثلاث. يتساءل الزائر وينتظر مستكشفاً كيف سينحت الفنان هذه اليد أو تلك العين، لذلك سيبقى الملتقى طويلاً في ذاكرة الناس البصرية".
لكن ما يجد فيه الفنان محمد حرجاً لا تجده الفنانة نور الزيلع كذلك، "أستطيع أن أكون جريئة في تعرية المنحوتة، وأعتقد أن عملنا نوع من كسر الحواجز". أما لماذا يتغير العمل مرات عديدة في طريقه من الماكيت إلى شكله النهائي، فليس في الأمر انصياع لأي أفكار رقابية، بل تبعاً لحالات وخيالات يعيشها الفنان، وتتغير باستمرار. وعلى ما يبدو فإن النحات لا يستطيع أن يغتسل بماء النهر مرتين، كلما جاء تمثالَه سيكون قد تغير، ربما بمقدار ما تغيّر الفنان.
أما وجود فنانات في الملتقى فكان إنجازاً، لأنه يتطلب عملاً شاقاً في مناخ قد يسلب المرأة شيئاً من أنوثتها: الغبار، الشمس الحارقة، العمل على منحوتة ضخمة من حجر قاس وبأدوات صعبة. ولكنهن استطعن حقاً أن ينتزعن الإعجاب، ولا شك أن كل تلك الصلابة لديهن انهالت لمساتٍ جماليةً وأنثويةً في غاية الرقة والعذوبة على ملامح المنحوتات. تقول نور: "العين تألَف الرجل كرمز للقوة وتستغرب أن تنحت البنت في الصخر". وتضيف كنانة الكود: "نحن صبايا عاديات خارج النحت، ولكننا هنا ربما نأخذ قوتنا من الحجر".
محفِّزاتٌ كثيرة شجَّعت النحَّاتين السورييـــن للمشاركة في «ملتقـــى مشــتى الحلو الأول»، من بينها قلة محترفات النحت في سورية. ولملتقى مشتى الحلو خصوصيات عديدة، فإلى جانب كونه نُظِّم بجهد وتمويل أهلي خالص، حظي بشروطٍ تجعل النحات يتعامل مع المنحوتة كآبدة، كما يقول الفنان نزار بلال، أولاً بسبب الحجم الكبير للمنحوتة، ثم لطبيعة المادة المستخدمة في النحت (كرارا)، إلى جانب شكل العرض الذي سيكون في مدينة سياحية وجميلة مثل مشتى الحلو. لكن الأهم أن الناس مشاركون مبدعون.
ويقول بلال: "الذين يأتون إلى هنا سيعودون ثانية ليروا ما صار إليه التمثال، هل على صورة ما توقَّعوا؟ وهذا نوع من المشاركة في بناء المنحوتة".
ويبقى في النهاية تنشيط الحراك الثقافي والسياحي في المنطقة هدفاً للملتقى، ويقول مشرفه العام فارس الحلو: "يجب توظيف الثقافي في الشـــأن السياحي، أي تحويل مشتى الحلو إلى واحدة من حواضن الفن السوري. أحلم أن تكون المدينة معرضاً فنياً كبيراً يقصده زوار سورية. كما أحلم أن تتكرَّر ملتقيات بأشكال وموضوعات ومواد مختلفة. إلى جانب ملتقيات للرسم، ترسم على جدران البلدة، وعلى جدران المؤسسات الرسمية".
جنَّات ع مدّ النظر .. منحوتات تنبض بالسحر
يوم في "مشتى الحلو" المزدهية بـ"جمال الحب"
نضال بشارة
ما إن تصل إلى قلب بلدة مشتى الحلو، حتى تشعر وأنك قد اغتسلت من جزء لا بأس به من ضغوطات الحياة ومنغّصاتها، وذلك بفعل الطريق المؤدية إليها، فكيف إذا قضيتَ يوماً كاملاً في ربوعها، كما حدث معنا يوم توجَّهنا إليها لمشاهدة ملتقى النحت الأول الذي أقامه ونظّمه الممثل فارس الحلو؟
إثر وصولنا بدأنا بالتعرّف على الفنانين والفنانات المشاركين في الملتقى، رأينا تفاعلهم مع الناس القادمين إلى الملتقى لمشاهدة ما أقاموه من حوارات بين أرواحهم، وبين روح الرخام الإيطالي العالي الجودة.
أدركنا أهمية هذا الملتقى وضرورته، وضرورة مدّ يد العون له، على الرغم من رعاية وزارة السياحة ومؤسسة الإعلان له ومجلس البلدة. ولو أنك عزيزي القارىء جئتَ إلى الملتقى الذي زرناه قبل أيام من نهايته، والذي نتمنى أن تزوره في أقرب وقت، لمن المؤكد أنك ستستمتع بالأعمال النحتية المنجزة، وبجمال مشتى الحلو.
لكنك لو استغربت أن يدعو الممثل فارس الحلو لإقامة مثل هذا الملتقى، فإننا نتمنى ألا يطول استغرابك، إذ إن ثمة أكثر من علاقة بين التمثيل والنحت، فهما مِن عائلة الفن والجمال أولاً، ولهما رسالة واحدة ثانياً، ألا وهي السعي بالإنسان نحو السمّو بأفعاله والارتقاء بها. ومن المؤكد أن من يقدّرهما لا بد له أن يقدّر جمال طبيعة مشتى الحلو ويقيم في ربوعها، التي حاولنا في جولتنا التعرّف على أكثر من منطقة فيها، منها جبل السيّدة الذي أقيمت فيه كنيسة من طراز مختلف. ومَن يتجول في مشتى الحلو لابد أن يتمتّع بمباهج طبيعتها الزاهية، إلى درجة يجد نفسه فيها مسحوراً يغنّي مع الفنان الكبير وديع الصافي:
جنّات ع مدّ النّظر / ما بينشبع منها نظر /
وطيور ع نغماتها بينام وِبْيصحى القمر /
أزهار زيّنها الغِِوى /
بجفونها سحر الهَوى /
وغصون تعبّها الهوى /
من كثر ما بتحمل ثمر /
جنّات ع مدّ النظر.
وهذا مايدفعنا للقول: حقاً، مشتى الحلو بلدة سياحية ساحرة بامتياز، تروّح عن النفس وتسترجع لها شيئاً من توازنها. ومن هذا المنطلق جاءت تسمية الممثل فارس الحلو للملتقى بـ "جمال الحب" ففي مشتى الحلو كل شيء يدعو للحب.
شارك في الملتقى الفنانون (محمد بعجانو، عماد كسحوت، أكثم عبد الحميد، إياد بلال، هادي عبيد، نزار بلال، همام السيد، علاء الدين محمد، نور الزيلع، كنانة الكود، سماح عدوان).
فبعد أن رحَّب بنا الفنان الحلو، بدأنا بالتعرّف على الفنانين الذين ينفذون برنامج عمل يومي محدد، فبعض منهم، كاد أن ينهي منحوتته، وبعضهم الآخر يحتاج إلى استنفاد ما تبقى من وقت الملتقى، لكنهم كانوا جميعاً مسرورين بفكرة الملتقى وبعنوانه (جمال الحب)، وبتلقي الناس في مشتى الحلو له وتفاعلهم معه، خصوصاً بعد أن تخفف الشمس مداعبتها لهم بألسنتها النارية، وهذا مالمسناه بأنفسنا، إذ شاهدنا تجمع الناس كيف يطلّون إلى مكان الملتقى ويتأملون المنحوتات والفنانين، وما إن يستطلعوا المكان ويلمسوا ترحيب الجميع بهم حتى يشتعل الفضول لديهم فينزلون إلى مكان الملتقى ويشاهدون عن قرب كيف تنفّذ الأعمال النحتية، فيسألون، ويتحاورون، ثم يتصورون مع الفنانين والأعمال النحتية، ثم يغادرون بتلويحة ودٍ مزدهية بالمحبة. وتجدر الإشارة إلى أن ثمة منهم من حضر أكثر من مرة، ليتابع تحول الكتل الرخامية من شكل إلى آخر، وليحاول التقاط الحوارات التي أقامها هذا الفنان أو تلك الفنانة مع الكتلة الرخامية، وليشاهد كيف تتجسد هذه المنحوتة أو تلك بعد كل ذلك العناء اللذيذ.
واقعية بحرفية عالية
والمتأمّل في المنحوتات يجد أنها جاءت بأسلوب واقعي ممزوج قليلاً بالتعبيرية في بعضها، وسبب اختيار الفنانين لهذا الأسلوب هو أن هذا الملتقى هدفه الأول تقديم ثقافة بصرية بشكل مباشر أمام الناس، كما أسلفنا قبل قليل، والسبب الآخر هو مخاطبة أذواق عامة الشرائح، بما أن هذه المنحوتات سوف توضع في أماكن متعددة من البلدة، لكن هذا لا يعني أن الأعمال جاءت على قدر قليل من الفن أو القيمة الجمالية، بل على العكس تماماً ونابضة بالسحر. ولعلّنا نتوقف أولاً مع منحوتة الفنان أكثم عبد الحميد لأنها حملت اسم (بورتريه لمشتى الحلو) كما أخبرنا، فقدّم لنا مشتى الحلو بوجه امرأة جميلة ليعبّر عن جمال طبيعتها، فكانت السطوح في أغلبها ملساء وتحمل حناناً، في حين جاء شعر البروتريه يعبّر عما يشبه أمواج البحر، والأذن كدائرة، وهما يتضمنان رموزاً هندسية، ولغوية مسمارية، كدلالة على عراقة مشتى الحلو وانتمائها إلى عمق حضاري، وهذا ما منح المنحوتة إيقاعاً جميلاً، ونزعم أنه حقق التوازن لها مقابل المساحة الواسعة من السطوح.
وتأتي منحوتة الفنان عماد كسحوت لتوازي أو تضاهي منحوتة عبد الحميد من جهة لإتقان في كل ما ذكرناه سابقاً، وإن لم نسأل عن اسمها، وهي تجسد أيضاً بروتريه، لكن في جهة منه يعبّر عن الشباب والجهة الأخرى عن الكهولة، وهي كهولة دون ترهل، وكأنها الود الذي يمكن أن يشتعل بين شاب وأبيه، وهذه جرأة نحتية، إذ إن الفنان كسحوت لم يذهب إلى علاقة تقليدية بين شاب وصبية، أو رجل وامرأة ناضجين، والعين في البورتريه تشبه إلى حد كبير امرأة مستلقية، فتمنح البورتريه جمالاً إضافياً. لكن ورغم ما أشرنا إليه من التزام الفنانين بمخاطبة أعمالهم، أذواق عامة الشرائح، إلاّ أن جرأة كسحوت في الإبقاء على ثلاث مناطق في المنحوتة لم يقاربها بإزميل أو مطرقة، حيث تبدو للمشاهد وكأن ثمة من اعتدى على المنحوتة، وبذلك خلق الفنان كسحوت ما يحفّز المشاهد ليبحث عن الأسباب. وهذه مغامرة تجريبية تسجّل له.
واشتغلتْ نور الزيلع وهادي عبيد على جسد المرأة في حين غابت التضاريس عند هادي وأخذت السطوح مساحة واسعة فهي إذاً أقل حسية، لكن لا نشعر بخلل إيقاعي في المنحوتة، وينتابك إحساس بأنها لامرأة قديسة تتباهى بخصوبة روحها، وكأن لمنحوتته من اسمه نصيب. وكذلك فعلت نور مع اهتمام أكثر بالتضاريس، فالمنحوتة لامرأة ممشوقة القد، تفحّ أنوثة وإثارة. وتشترك مع منحوتة هادي بالرشاقة، وبمفهوم بصري معاصر لجسد المرأة، ويمكننا تشبيه الأولى بالدمعة، والثانية بالسنبلة. أمّا الفنانون محمد بعجانو ونزار بلال وعلاء الدين محمد فقد اشتغلوا على جسد المرأة بتضاريس أكثر، فأظهرت منحوتاتهم اهتماماً أكبر بعمارة الجسد. وجاءت منحوتاتهم على عكس المنحوتتين السابقتين من جهة الرشاقة، لكنها تتمتع بحركية الجسد، ما أضفى عليها جميعاً تفرداً خاصاً وتكويناً متوازناً.
فالمرأة عند بعجانو حورية ممتلئة بالخصب، وعند بلال منتشية وكأنها انتهت للتو من فعل حب، وهي قنطرة محبة عند علاء. واشتغل إياد بلال على وجوه ذكورية وأنثوية فيما يشبه منحوتة قادمة من حضارة قديمة، إذ تركّز عمله في وسط المنحوتة وترك الجانبين الأعلى والأسفل سطوحاً شبه ملساء موشاة ببعض الرموز ليكتمل إيقاع المنحوتة. أمّا همام السيد فانقسمت منحوتته إلى بورتريه رجل، في الأسفل، وينبثق منه ذكريات حبه على شكل امرأتين تحنوان على بعضهما بطريقة مميزة، ولا تشكو المنحوتة رغم ضخامة البورتريه من هرمية في التكوين بل على العكس، وتكوين المرأتين وانحناءاتهما أضفيا توازناً وسحراً. وإن اشتغل الجميع على تلوينات جمال الحب عند الإنسان، كما أسلفنا، فإن كنانة الكود لم تبتعد عن ذلك لكنها غرّدت خارج الفعل الإنساني وذهبت باتجاه الطيور، فمنحوتتها عبارة عن طيرين متلامسين بالوجه والأجنحة بحالة عشق أخاّذة، وبما أن الطيرين توضَّعا في رأس المنحوتة فكان لا بد من أن تضبط إيقاع المنحوتة بتجويف دائري في منتصفها تقريباً، دون أن تنسى منحها رشاقة تتطلبها مثل هذه المنحوتة.
ورشة للأطفال
اهتمّ الملتقى أيضاً بالطفل فخصَّص له ورشة تعرّفه على هذا الفن وأساسياته وأدواته، وتولت هذه المهمة الفنانة سماح عدوان، فخصصت لهم كل يوم ساعتين وكان (الطين) وسيلة إيضاح وتدريب للأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين (4) و (12) سنة، فلمست لديهم شغفاً بهذا الفن إلى درجة أن بعضهم كان يقدّم مقترحات فنية، فتشجعهم على تطبيقها، ومن المفترض أن ما أنجزوه سيقدم في معرض خاص. ولم تخف سماح إعجابها بالملتقى ورغبتها في أن تكون بين صفوف زملائها في الملتقى الثاني لتقدم منحوتتها الخاصة.
مساهمات تنتظر دعماً
ويذكر أن أبرز المساهمين في تمويل الملتقى إلى جانب الفنان فارس، د. بسام بدر الحلو، و فندق مونتانا، فندق بانوراما، ومطاعم (برادايس، ع البال، رأس النبع، كان يا مكان)، ويمكننا القول إن هذه المساهمة خطوة يجب تقدّيرها وتشجيعها ومساعدتها، لتتعزز فكرة الملتقى الذي يجعل الأنظار تلتفت إلى مشتى الحلو سياحياً بوساطة الثقافة، فهل تتضافر الجهود بين مجلس مشتى الحلو ووزارة السياحة ومؤسسة الإعلان الذين ساهموا برعاية هذا الملتقى، هل تتضافر لتبنّي الأعمال المنحوتة لوضعها في أماكن تليق بها، وبالتالي نؤمّن للفنانين المردود المادي الذي يليق بإبداعاتهم؟ أم أننا مثل العادة نصفق لكل فكرة جميلة شرط ألا يكلفنا ذلك تقديم معونات مالية، وبذلك يتم قتل كل مبادرة تخدم تطوير أي جانب من جوانب الحياة في بلدنا، على رغم تصريحات حكومتنا بأنها تشجع القطاع الخاص ومبادراته لتطوير البلد. إذاً لعلّ جهة رسمية ما تكفننا بخيبة فتقوم بعمل إيجابي تجاه هذا الملتقى، وما يشبهه من جهة أهدافه النبيلة.
أخيراً، لا أستطيع أن أغفل الإشارة إلى من جعلوني شريكاً لهم في المتعة التي حصدتها في مشتى الحلو، ففي المكان الذي انضممتُ إليهم في حمص، ودّعتُهم وتمنيتُ لهم الوصول بالسلامة إلى دمشق، بعد أن عدنا وأجراس الحياة ترنّ فينا من جديد، وهم الأعزاء: الروائي والسيناريست خالد خليفة، والزميلان راشد عيسى وماهر منصور، والمصور أيهم ديب.