ألألم طريقُ النِّعْمة

إيلي مارون خليل قرأها 1,406
  

ألألم طريقُ النِّعْمة

إيلي مارون خليل

Elie%20Khalil%20photo[1].JPG 

          ألألم سخاء الرّوح. عِلاج التّكبُّر.

          أن يأخذَك الألم، هو أن تستغرقَ في وُحول ذاتِك َ، تُحاسِبَها، تبحثَ فيها عمّا يُسيء إليك، أوّلا، إلى الآخر، ثانيًا، أيّ آخر، تاليًا. وأن يجرفَك الأسى، فالخجل، فالنّدم.

          ألاستغراقُ في وُحول الذّات، هو أن تنتميَ إلى الأصالة، فيك، فتُضيء على ذاتِك الدّفينة، المُعتِمة، تتعرّفَها، فتصل إلى ما ينبغي عليك التّخَلّي عنه في سبيل الأرقى.

          وأن تُحاسِبَ نفسَك، هو أن تُقارنَها بما يجب أن تكونَ عليه، أن تصبوَ بها إلى الأسمى، تقتربَ إلى المنبع الّذي منه انبثقت، وإليه تؤوب.

          محاسبةُ النّفس قهرٌ لها. قهرٌ تُحِبُّه، أنت، لها. في قهر النّفس، إعترافٌ صادقٌ بما هي عليه وفيه، وتَوقٌ إلى  الخلاص منه. ألاعتراف معرفةٌ بحقيقة فيكَ، ولا تُحِبُّها لك. 

          إنّه الأسى! تعرف وضاعتَكَ، تخجلُ الخجلَ الجارحَ، المُسَنَّنَ، الّلاهِفَ إلى التّغيير. ألأسى، هذا، دخولٌ إلى الذّات، خارقٌ، مؤجِّج. يخترق شرنقةَ الكيان، يؤجِّجُ النّارَ، يتمُّ الانصهارُ، فالتّطَهُّر. وفي الخجل احتقارٌ للمَهاوي والمزالِق الّتي تستنقع فيك، تعقِدُ العزمَ على تَخَطّيها.. وتنجح! 

          والنّدَم؟ صراخُ النّفس! مُشلَّعَةً تكون، غائرةً في الإسفاف، مُنْهَكةً، مُنْهِكة. مُنْهَكةٌ ممّا فيها، وبما فيها. ومُنْهِكةٌ جوهرَها تَخَبُّطًا، شوقًا هادرًا إلى الوصول. والنّدَمُ، بعدُ، إقرارٌ وقرار. إقرارٌ بالسّفاهة والانحطاط، وهما ذلّ النّفس الواجب أن تبقى أبيّة ؛ وقرارٌ واضحٌ، حرٌّ، صريحٌ، بعدم البقاء في ما نحن فيه من إهانة النّفس وإذلالِها.

           وهكذا، أفلا يبدو أنّ الألمَ دواءُ النّفس، أنّ الألمَ مصفاتُها ومُصَفّيتُها، أنّ الألمَ طريقُ قداستِها وقداستُها المشرِقةُ معًا؟  أفلا يبدو أنّ الألمَ ضرورةٌ إنسانيّةٌ ـ قُدْسيّةٌ في الوقت نفسِه!؟

         لعلّ أخشى ما أخشاه، في هذا الزّمن التّافهِ، الفارغِ، المُدْلَهِمِّ، أن يُفَرَّغَ الألمُ من   معناه، من جوهره. كيف يتمّ ذلك؟  بالاستسلام! ألإنسان الأصيل يَجْبَه. بالهرب! ألإنسان القويُّ يواجِه. بالتّسخيف! ألإنسانُ العاقل  يُدرك.  بالكفر! ألإنسانُ القُدْسيُّ يرجو.

          وبالتّالي : أوَليستِ المجابَهةُ والمواجَهةُ، أوَليسَ الإدراكُ والرّجاءُ، من خصائص الإيمان الحقّ؟ ألمؤمنُ، حقًّا، مُواجِهٌ لكلِّ المُغريات. مُواجِهٌ لكلِّ السّفالات. وهو فرِحٌ بكلّ تَصَدٍّ، فلا يتراجع. بكلِّ مواجَهةٍ، فلا يتعب. ألمؤمنُ، حقًّا، مُدرِكٌ مسؤوليّتَه، راجٍ خلاصَه، وفي الحالات كلِّها، مغمورٌ بالفرح.

          إنّ ألمًا يُصيبُك، يُعَلِّمُكَ كيف تتقبَّل، ولا تستسلِم. كيف تُقَيِّمُ نفسَك وحياتَك، فتشعّ، فيك، المسؤوليّةُ، وينضَج، فيك، الفرح.

          إنَّ ألمًا يُصيبثك، هو ضرورةٌ حيّةٌ لإنسانيّتِك. يُصَفّيك ممّا يَثقلُ، فيك، ويَثقلُ عليك. دربُك إلى الصّفاء.

          ألحقَّ الحقَّ، إنّ الألم جوهرٌ يُجَوهِر، وأصلٌ يؤصِّل...

         ألألمُ نِعْمةٌ لا نَقْمة... لِمَنْ يُدركُ و... يرجو!

                                                                            

19 آب 2008