مَن يعلِّمُ مَن؟
ما إن يجلس أحدنا، نحن كبار السن، مع الشباب، حتى يأخذ وضع المعلم الخبير، الذي عركته الحياة، ومنحته التجارب خبرة ومعرفة لا وجود لهما لدى الشباب. ولا يكاد أحدنا، يبدأ حديثاً مع من هم في سن الشباب، حتى يطلق التوجيهات ويقدم المواعظ، كأنه رسول المعرفة والوعي.
وكثيراً ما نستخدم، ونحن نتحدث إلى الشباب، عبارات لم يعد لها في نظرهم أي معنى أو نفع، كأن نقول: هذه المشكلة واجَهتْنا ووجدنا لها حلاً هو كذا، أو: خذوا عبرة من كذا وكذا وغير ذلك. أما لماذا لم يعد لهذه العبارات معنى في نظر الشباب، فلأن محدّثهم الشيخ لا يرى الفرق بين ظروف الأحداث التي يَعدُّها تجارب استنتج منها عِبَرَه ومواعظه، والظروف الجديدة المحيطة بالشباب والمولّدة لأفكارهم، كما لا يرى الفرق بين المنازع الأخلاقية والنفسية التي درج عليها هو وجيله، ونظيرها لدى الجيل الشاب.
إن وضع المعلم الخبير الذي يتخذه الكبار وهم يجالسون الشباب ويتحدثون إليهم ينمّ عن رغبة داخلية في ممارسة التسلط من جهة، وعن إعجاب بالذات لدرجة أنهم يتطلعون إلى جعل الجيل الجديد مماثلاً لهم وصورة من صورهم. وكلما كان التماثل أكبر كان نجاح الشيوخ في تربية الشباب أعلى. نعم، هكذا نسلك نحن الكبار في علاقتنا بالشباب، عن وعي حيناً، ودون أن نعي حيناً آخر.
لكن في اتخاذ وضع المعلم الخبير جانباً سلبياً آخر، هو الأخطر والأشد إيذاء، إنه ازدراء معرفة الشباب واستصغار قدرتهم على التعامل مع الواقع والتفاعل مع معطياته.
ننطلق ـ نحن الكبار ـ من أن ما مررنا به، وما قرأناه، وما نتمتع به من قيم وأخلاق، هي الكنز الذي علينا أن نفتحه أمام الشباب، ليأخذوا منه ـ بإشرافنا ـ ما يأخذون، مقروناً بمنة منا، لأنهم ما كانوا ليجدوا، أو يكنزوا كنزاً آخر من خلال تجاربهم وعلاقاتهم.
نريد من الشباب أن يُقبلوا على كنوزنا، ونستهجن أن نجد لديهم ما لا يتوافق مع هذه الكنوز، وقد يقبلون، ويتفحَّصون ويستخدمون، ليجدوا أن الكثير مما في هذه الكنوز صار عملة قديمة لا تنصرف في أسواق اليوم، أو هو عملة زائفة أصلاً، لأنها تقوم على أوهام ورثها جيلنا عن أسلافه، فكبّلت حركة المجتمع وأمعنت في جعله هشّاً، أسير عادات وتقاليد سلوكية وفكرية عفا عليها الزمن.
ولو أننا انتبهنا إلى تنوع مصادر المعرفة المتاحة للشباب، لوجدنا أن ما يمكن أن نقدمه لهم نحن، لا يعدو أن يكون لمسات قد تسهم في (الضبط) و(التوجيه) والإمساك بمنهج التفاعل، ولكنها قد تتحول من لمسات مساعدة إلى قيود معوقة إذا بالغنا فيها، وقرنّاها بالإلحاح، وقدمناها على شكل توصيات وتوجيهات.
منذ أكثر من ألف عام قال المتنبي، ما يمكن أن نعدّه منهجاً في التعامل مع الشباب:
وما الحداثـةُ عن حلـمٍ بمـانعةٍ
قد يوجدُ الحلمُ فيالشبّانِ والشيبِ
وكلمة (قد) هنا، لا تعني تقليل احتمال وجود الحلم في الشباب، بل تعني أنه موجود في بعض من الشباب وبعض من الشيوخ، وغير موجود في بعض من كليهما.
إنه يساوي بين الطرفين، وهدفه من ذلك أن يقول للكبار: كفّوا عن استصغار معرفة الشباب ووعيهم، وتعاملوا معهم على أنهم أنداد يمكن أن يقدموا لكم ما لا تعرفون برغم تقدمكم في السن ومروركم بالتجارب.
وأقول إن الشباب يمكن أن يقدموا لنا ما لا نعرفه فعلاً، فهم يمتلكون ثلاثاً من السمات الإيجابية مما لا نملكه نحن.
أولاها: مرونة العقل والحواس، وهي سمة تجعل أثر المعلومات الجديدة فيهم أكبر من أثرها فينا.
وثانيتها: سرعة التعلم والحفظ وتوقّد أجهزة الالتقاط والتذكر.
وثالثتها: العيش في العصر حقاً. فهم لم يحملوا موروثاً يقيّدهم ويمنعهم من التفاعل الكامل مع الجديد، ولم يمتلكوا عادات ترسَّخت فيهم بالتراكم والتكرار، وصارت مانعاً للخروج على المألوف.
هذه السمات، وربما الكثير غيرها، تضع الكبار في موضع التعلُّم من الشباب، ولنقل، كي لا نكون أحاديي النظرة، وكي لا نجرح غرورنا، إن هذه السمات ينبغي أن تجعل العلاقة بين الكبار والشباب، وبين الأجيال عامة، علاقة حوار ومعايشة وتواصل تؤدي إلى تبادل التعلّم والتأثر والتأثير.
ولعلنا نقول إن التواصل القائم على مجالسة الشباب والحوار معهم، يفيد الكبار ويغنيهم، لأنه يجعل الكبير يحتفظ بشيء من مرونة العقل وبعض من مواكبة الزمن. أما الشباب، فلعل أهم ما يفيدهم هو ألا يقبلوا على ما يقوله الكبار إقبالاً تسليمياً دون شك أو تفكير، سواء أكان هؤلاء الكبار أهلاً أو معلمين أو مسؤولين أو قادة مؤسسات وأحزاب وحركات.
إن للشباب خبرتهم أيضاً، ومنها خبرتهم في اكتشاف الكبار حين يكونون معلّمين ووعّاظاً يتصنّعون التواضع، وأوصياء متحكمين يتصنّعون الديمقراطية.
فليتعلم الكبار من الشباب ما يمكن، وليوسعوا لهم الطريق، وهم يتلمَّسون المعرفة، وليكتفوا ببسط (كنوزهم) أمامهم، وتركهم يتعاملون معها كما يشاؤون ويأخذون منها ما يناسب زمنهم وروحهم وتطلعاتهم.