عـطـبٌ وعـتـبٌ...
عـطـبٌ وعـتـبٌ...
حـنـّا نـور الـحـاجّ
"لاون"!!!
"لاون" (لامٌ تـتبعها ألِفٌ تـتلوها واوٌ تَـلحقها نونٌ)... على هذا النحو كتب أحد الطلبة كلمة "لَوْن" في دفتر امتحانه. كتبها ثلاث مرّات، في ثلاثة مَواضع، في الإجابة نفسها، بالطريقة نفسها. إذًا، ليس في الأمر خطأ كتابيّ عابر. ليس الأمر من باب السهو أو السرعة أو التسرّع.
هـل مـن تـفـسـيـر...؟
لم أجد تفسيرًا لمثل هذا الخطأ سوى أنّ الأمر وليد أحد اثنين أو كليهما: عداوة وتأثُّر... عداوة الجاهل لما يستصعبه فيزداد جهله فيه وكرهه له؛ وتأثُّر بمُغْرِيات قد يصحّ في بعضها أن تُستبدل غَينُها بحرف آخر يقاربه من حيث المخرج الصوتيّ!
العلاقة غير الودّيّة (ولنقل ما هو أصحّ وأدقّ: العلاقة العدائيّة) بالكلمة المكتوبة تقتل امتلاكَ اللغة. اقتصار علاقة الطالب الثانويّ (وسواه –لا ريب) باللغة العربيّة الفصيحة على بعض المسموع منها –المسموع لا المكتوب- يُفضي إلى هذا الوضع القتيل القاتل. حين تكون علاقة الطالب العربيّ بلغته العربيّة المكتوبة لا تتعدّى الاطّلاعَ على المقرَّر في الكتب المدرسيّة، وعلى بعض ما يُنشَر في الصحف (ويا لـَتَعْس المستوى اللغويّ –والمضمونيّ- في معظم صحفنا!)، ليس من المستغرَب أن يكتب هذا الطالب إملاءً مخطوءًا وإنشاءً معطوبًا متخلخلاً خاليًا من الصحيح ومن المليح.
مـزيـد مـن الـتـفـسـيـر...
أمثال هذا الطالب -وإنّي لعلى يقين من أنّهم كثيرون كثيرون- يقضّي كلٌّ منهم يوميًّا ما لا يقلّ عن ثلاث ساعات (ثُمْن يوم!) أو أربع ساعات (سُدْس يوم!) في غُرَف الثرثرة عبر الشبكة العنكبوتيّة. هناك، عبر شاشة الحاسوب، يحقّق تواصلاً يجعله منقطعًا عن الآخرين، منسلخًا عن الاهتمامات الأكثر أهمّيّةً ومنفعةً. ولا بأس من أن نشير إلى أنّ "الآخرون"، في هذا السياق، هم: الأقربون؛ الأهل؛ الأعزّاء. على هذه الشاشة، وفي الرسائل القصيرة التي يَبعث بها عبر الهاتف المحمول/ الخليويّ/ النقّال/ الجوّال (تعدّدت التسميات والهمّ واحد!)، يكتب هذا الطالب ما يكتبه مستخدمًا الحروف اللاتينيّة، على طريقة سعيد عقل وسِواه ممّن لا يستلطفون الحرف العربيّ ويرونه معيقًا معرقلاً. وحين يودّ أن يكتب "لَوْن" بهذه الحروف التي لا يُتعامَل فيها مع الحركات، يكتب: ((lawn)). من هنا استقى الألِف.
"دُرّة" أخـرى...
قد يظنّ البعض أو يتّهمونني أنّي أمارس الاختلاق، أو أنّي أحاذي المبالغة، إذ أشيرُ إلى أنّ أحد الطلبة الثانويّين كتب "منذ"، في أحد الامتحانات التوجيهيّة، ضمن قسم التعبير الكتابيّ، على النحو التالي: "منذوا"! هذا ما رأيته بناظريَّ لا بمِسْمَعيَّ. "شُفت بْعيني ما حَدِّشْ قاللي" –على حدّ قول المرحوم مرسي جميل عزيز بحنجرة المرحوم محرّم فؤاد!
أرجو أن يريحني هؤلاء الإخوة المتّهِمون المحتمَلون من عناء الدفاع عن مثل هذه "التهمة"! يكفينا ما فينا! حالة لغتنا بين صفوف أصحابها الطلبة وغيرهم أسوأ بكثير ممّا تظنّون. حالةٌ من الاغتراب والإهمال. حالةٌ من البؤس والتعْس. حالةٌ تثير من القلق والأسى ما تضيق به النفس. حالةٌ تَحُولُ دون معانقة الأمل.
ما سُـقته هنا (وهو كلمتان اثنتان فقط) ليس سوى النزر اليسير اليسير من أخطاء أستصعب رصدها أو تذكّرها وتناولها. تلك أخطاء تثير ضحكًا لا ينمُّ عن سرور. هل من حاجة إلى التنبيه أو التأكيد أنّ مَن يكتب "منذ" مُلحِقًا بها واوًا وألفًا هو في واقع الحال لا يميّز بين الفعل وسواه في أبسط صورهما؟! كيف لمن لا يميّز بين الاسم والفعل والحرف أن يفقه في مواضيع كالتمييز والحال والممنوع من الصرف والعدد وإعراب الجمل وأشباهها؟!
حـيـن يَـبـان الـسـبـب...
في المعتاد، حين يَبان السبب يَبْطل العجب. وهنا، بعد كلّ ما سُـقناه، أتساءل، جاهلاً لا متجاهلاً: هل زال أم زاد؟
بإيجاز غير شديد حاولنا أن نشخّص سببًا أو اثنين من أسباب العطب. أمّا الحلّ، فلا أشعر بالمقدرة على طرحه. الحلول في الوقت الحاضر لا تَحْضُرني؛ وقد لا تَحْضُرني لاحقًا كذلك. فهل من عتب...؟ اعذرونا!
عـبـلّـيـن
31/3/2009