ألحرّيّةُ نَمَطُ حياة

إيلي مارون خليل قرأها 1,406
 

ألحرّيّةُ نَمَطُ حياة

إيلي مارون خليل

Elie%20Maroun%20Khalil.jpg 

أؤمن بأنّ ٱلّلهَ هو ٱلخيرُ ٱلمُطْلَقُ، ٱلكامِلُ، ٱلجميلُ. وبأنّهُ قد "خلق الإنسانَ على صورته كَمِثالِهِ".  

         لكنّي أتساءلُ: فَمِنْ أين الشّرُّ والنُّقصانُ والبشاعةُ في الكَوْن ؟

        أرى أنّ ٱلأمرَ يتعلّقُ بٱلحُرّيّة. وقد يكون ٱلإنسانُ أساء استعمالَها. وأنّ ٱلأمرَ يتعلّقُ بٱلضّمير. وقد غلّب ٱلإنسانُ مُيولَه. وأنّ ٱلأمرَ يتعلّقُ بٱلقناعة. وقد غلّب ٱلإنسانُ طمعَه. وأنّ ٱلأمرَ يتعلّقُ... وقد غلّب ٱلإنسانُ...

*******

         حَوّاءُ لم تُغْوِ آدم. آدم تنازل عن حرّيّته.

         لم تُقَدِّمْ إليه ٱلثّمرةَ ٱلمُحَرَّمة. إكتشف إيقاعَ الحَواسّ.

         لم تُقَدِّم إليه نفْسَها. غامر في أقاليم الّلذائذ.

         قايين لم يقتلْ هابيل. هابيل قدّم ٱلأسباب.

         قايين لم يُعادِ أخاه. أخوه حلّقَ في إيمانِه.

         قايين لم يَحْقِدْ على أخيه. أخوهُ تَرَسَّخَ في ٱلأصالة.

         إبنتا لوطٍ لم تُضاجِعا أباهما. أبوهما سكِر.

         لوط لم يُفَكِّرْ في ٱلنّسْل.  إبنتاه رأتا بعيدًا.

         لوط لم يَشْتَهِ إبنتَيْهِ. إبنتاهُ أيقظتا جسدَه.

*******

         أين كانتْ حُرّيّةُ آدم ؟

         تنازلتْ أمام ٱلإثارة. حَوّاءُ جميلةٌ، أخّاذةٌ، مُثيرة. تُفّاحتُها تَلَطّفَتْ بأطايبِها. أطايبُ حَوّاءَ خصيبةٌ، غنيّةٌ ، لا متناهية. بَدَتْ، أمامها، حُرّيّةُ آدم، محدودة.

         وأين كانتْ حُرّيّةُ حَوّاء ؟

         تَفَجّرَتْ في مَكامن ٱلفكرِ ومَطاوي ٱلإغْراء. آدم جميلٌ، صحيحٌ، مُثير. جسدُهُ مُضَمَّخٌ بِعُطور ٱلرّغبة. جسدُ آدم خُصوبةٌ، غِنًى، لا تناهٍ. بَدَتْ حُرّيّةُ حَوّاء، أمامه، إنقلابيّة.

         فٱلتّغييرُ تجديدٌ مُجْدٍ. إنفتاحٌ مَعْرِفيّ. تكسيرُ حدودٍ جامدة. حُرّيّةٌ جديدة. أصيلة.  

*******

         أين كانتْ حُرّيّةُ قايين ؟

         عصفتْ أمام ٱلغضب. هابيل مؤمن، ساذَجٌ، يُثيرُ ٱلأعصاب. إيمانُهٌ كلّيٌّ، مُطْلَقٌ، أعمى. إيمانٌ، كهذا، يُطْلِقُ حَناجِرَ ٱلحِقْدِ في ٱلنّفْس. بَدَتْ حُرّيّةُ هابيل، أمام أخيهِ، مُقَيَّدة. ألإيمانُ سجن.

         وأين كانتْ حُرّيّةُ هابيل ؟

         مُسْتَغْرِقةٌ في ٱلتّسْليم ٱلمُطْلَق. قايين، غيرُ مؤمن. مادّيٌّ. طَمّاع. عَلَّ ٱلإيمانَ ٱلمُطْلَقَ يَقذف، في قلبه، يوقِظ. قلبُ قايين مُقْفَل. قد يفتح ٱلإيمانُ نوافذَ قلبِه. فكرُ قايين جامد. ضميرُه سَواد. عاطفتُه جليدٌ دائم. ما ٱستطاع، إيمانُ هابيل، سبيلا إلى كِيانِ أخيه. بَدَتِ ٱلحُرّيّةُ، لِقايينَ، تَحَرُّرًا من سلاسل ٱلحِقْد. بَدَتْ خَلاصًا من عذاب. من دماء ٱلرّوح.

         فٱلقَتْلُ تَعْديلٌ واضح. تَوَحُّدٌ في ٱلمادّة. إستئثارٌ بٱلمنافع ٱلعامّة. حُرّيّةٌ جديدة. ساطعةٌ. إستئثاريّة.

*******

         أين كانتْ حُرّيّةُ إبنتَي لوط ؟

         إستيقظتْ أمام أعاصيرِ ٱلجسد. ألجسدُ أمْرٌ رائع. نبعُ حياة. طريقُ بقاء. ألجسدُ يُخَلِّد. ألخلودُ مأزِق. ألجسدُ حُلولُه. أبوهما...؟ وإنْ...؟ إنّهُ جسد. كلُّ جسدٍ تستيقظُ فيه خُصوبتُه.

         وأين كانتْ حُرّيّةُ لوط ؟

         شَبِقَتْ. إبنتاه ؟ جسد. جسدان. إمرأة. إمرأتان. تَعْتَعَتْهُ ٱلشّهوةُ. ألشّهوةُ ٱنطلاقٌ كثيفٌ للجسدانيّة ٱلحيّةِ، ٱلخصيبةِ، ٱلدّائمةِ ٱلإمتلاء. بَدَتِ ٱلحُرّيّةُ انقيادَ ٱلرّوحِ لِرياحِ ٱلجسد. حُرّيّةٌ تغييريّة.

         فٱلنّسْلُ ضرورةُ ٱلبشريّة. أمِنْ دون ٱلنّسْلِ إيمان !؟

*******

         لا زلتُ أؤمنُ بأنّ ٱلّلهَ خيرٌ مُطْلَق. كامل. جميل. خلاّق. وبأنّهُ "خلق ٱلإنسانَ على صورتِهِ كَمِثالِه".

         ولا زلتُ أتساءلُ : فَمِنْ أين الشّرُّ والنّقصانُ والبَشاعة ؟

         لكن...

         أين ٱلشّرُّ في حُرّيّة حَوّاء ٱلإنقلابيّة ؟ وفي حُرّيّة قايين ٱلإستئثاريّة ؟ وفي حُرّيّة إبنتَي لوطٍ ٱلتّغييريّة ؟

         وبٱلتّالي : أليستْ حُرّيّةُ كلٍّ من هؤلاء تغييريّة ؟

         ولو لم يحدث هذا ٱلتّغييرُ، أكانَ، هناكَ، "وعْدٌ" بٱلخلاص ؟

         ولولا هذا ٱلتّغييرُ، أكان هذا ٱلجَمالُ ٱلمُتَنَوَّعُ كلُّه ؟

         ولولا هذا ٱلتّغييرُ، أكان هذا ٱلتّطَوُّرُ كلُّه ؟ وهذا ٱلفنُّ كلُّه ؟ وهذه ٱلحضارةُ  كلُّها ؟

*******

         أيَبْقى الشّرُّ شرًّا، وٱلنّقصانُ نقصانًا، وٱلبشاعةُ بشاعةً، حين نُحَقِّقُ هذا ٱلتّغييرَ كلَّه !؟

         ألشّرُّ في عدم ٱلقدرةِ على ٱلإختيار. كَبْتٌ للحُرّيّة.

         ألنّقصانُ في عدم ٱلقدرةِ على ٱلإمتلاء. سَجْنٌ للحُرّيّة.

         ألبشاعةُ في عدم ٱلقدرةِ على ٱلتّنَوُّع. إعْدامٌ للحُرّيّة.

*******

            ألحُرّيّةُ... ألحُرّيّةُ...

          ليستْ هِواية. إنّها طريقةُ حياة !

                                9/2/2007