التطورية في الذكرى المئتين لولادة صاحب أصل الأنواع
التطورية في الذكرى المئتين لولادة صاحب أصلالأنواع
بقلم: عبدالرزاق دحنون

لا بد من الاعتراف أن تشارلز داروين كان أبرز اسم في تاريخ علم الأحياء، وأحد أبرز الأشخاص في التاريخ البشري كله. درس داروين الدين في شبابه، وآمن بنظرية الخلق المستقل للأنواع في تلك المرحلة من حياته، ورغم أن جده إراسموس داروين لم يكن مُؤمناً بهذه النظرية، لكن رحلة تشارلز داروين العلمية على متن السفينة الملكية بيغل، التي امتدت بين عامي 1832 و1836 جعلته يؤمن بنظرية التطور.
واليوم لا يستطيع أحد أن ينكر أن كتاب (أصل الأنواع)، الذي نشره داروين أواخر عام 1859 قد أحدث انقلاباً حقيقياً، كثيراً ما يوصف بأنه أهم الثورات العلمية جميعاً، ففي هذا الكتاب العديد من الشواهد المؤيدة لفكرة استمرار تطور الأحياء عبر الزمان.
وفي العقود التالية لنشر كتاب أصل الأنواع اكتشف البيولوجيون مزيداً من الشواهد الدالة على أن هذا التطور قد حدث بالفعل، وبعد مدة قرن وربع القرن من تشارلز داروين لم تعد هناك حاجة إلى إثبات التطور، فقد انتهى الحديث عنه كنظرية، لأنه أصبح حقيقة راسخة رسوخ حقيقة كروية الأرض ودورانها حول الشمس.
إن تشارلز داروين لم يكن أول من فكر بالتطور، لكن إنجازه الحقيقي هو أنه جعل الفكرة محترمة.
نشوء الكائنات وتطورها
في أوائل القرن التاسع عشر كان مفهوم التطور غير مألوف تماماً، وقد كتب داروين إلى أحد أصدقائه عن حقيقة الاعتراف بفكرة التطور: (إنه يشبه اعترافاً بجريمة قتل). وعلى غرار داروين، كان ألفرد رسل والاس (1823 – 1913) قد توصل إلى نظرية التطور على نحو مستقل عن داروين.
كان والاس مسكوناً بسحر الجغرافيا، وعندما عمل في أرخبيل الملايو، أكد أن الحيوانات في الجزر الغربية تشبه أنواعاً من آسيا، والتي في الجزر الشرقية تشبه التي في أستراليا، ولا يزال الخط الذي يقسم بينهما يدعى خط والاس، وما لم يعلم به والاس هو أن تشارلز داروين ضرب على الوتر نفسه بعد عودته إلى إنكلترا من رحلة البيغل إلى أمريكا الجنوبية.
ويَروي داروين أنه في عام 1838 كان يقرأ مقالة عن السكان كتبها القس توماس مالتوس (1766 ـ 1834)، وقد صُعق من الفكرة التي طرحها مالتوس في هذه الدراسة، التي مفادها أن السكان يتزايدون بصورة أسرع من تزايد الطعام، فإذا صح هذا في مملكة الحيوان، فلا بد أن تتنافس لأجل البقاء، وهذا يعني أن الطبيعة تتصرف كقوة انتخابية، تُجهز على الضعيف، وتصطفي أنواعاً جديدة من الناجين، الذين يتلاءمون مع بيئتهم، وقال داروين: (ها قد توفرت لديَّ نظرية للعمل).
أصل الأنواع
في عام 1843 كتب تشارلز داروين مسودَة من 35 صفحة بالقلم الرصاص، وبعد ذلك بعامين توسع فيها بالحبر، فأصبحت 230 صفحة، وأودع هذه المسودة مع مبلغ من المال والتوصيات عند زوجته، لتنشرها إذا غيبه الردى.
أما ألفرد والاس فقد ذهب إلى الشرق الأقصى في عام 1854، وعلى مدى ثمانية أعوام تنقل في جزر أرخبيل الملايو، ليجمع نماذج من الحياة البرية لبيعها إلى المتاحف في إنكلترا. وهناك توصل إلى قناعة بأن الأنواع الحيوانية والنباتية ليست ممتنعة على التغير، ونشر مقالة بعنوان حول القانون الذي يتعلق بظهور الأنواع الجديدة، وكان ذلك عام 1855.
كان والاس على علم أن داروين كان يعمل في هذا الخط، لذا كتب عالم الطبيعة البريطاني من ماليزيا رسالة إلى داروين، يطلب المشورة حول مقالته تلك، وقد استلم داروين الرسالة في 18 حزيران عام 1858، فحار ماذا يفعل، فمنذ عشرين عاماً وهو يقدم حقائق تعزز هذه النظرية، والآن تهبط على مكتبه رسالة قال عنها: (لم أرَ تطابقاً أكثر إذهالاً من هذا، ولو كان ألفرد والاس كتب مخططاً لمخطوطتي في عام 1843، لما أنجز ملخصاً يختلف عنها).
ووضع الأصدقاء حداً لهذه المشكلة، وهو أن تُقرأ رسالة والاس مع أخرى لداروين في غياب كل منهما في إحدى الجمعيات العلمية في لندن، وهذا ما كان، ولم تُحدِث الرسالتان ضجة ما، بيد أن داروين وجد من يحثه على الإسراع في النشر.
وهكذا، كتب تشارلز داروين (أصل الأنواع)، ونَشَره في نهاية عام 1859، فكان حدثاً غير اعتيادي، ومن أكثر الكتب مبيعاً.
البيولوجيا التطورية
أسس داروين فرعاً جديداً من علوم الحياة هو البيولوجيا التطورية، وحظيت أربعة من إسهاماته التطورية بأهمية خاصة، إذ تجاوز أثرها كثيراً حدود علوم الحياة، وتتمثل هذه الإسهامات في:
· مبدأ عدم ثبات الأنواع.
· مبدأ التطور المتفرع، الذي يعني ضمناً التحدر المشترك لجميع أنواع الكائنات الحية على الأرض من أصل واحد.
· مبدأ تدرج التطور: بمعنى أن يكون متدرجاً دون فرجات أو انقطاعات رئيسية.
· مبدأ الانتخاب الطبيعي.
شكلت هذه التبصرات الأربعة قاعدة لتأسيس داروين فرعاً جديداً من فلسفة العلوم هو فلسفة البيولوجيا التطورية، أي أنه أدخل الجانب التاريخي إلى صُلب علوم البيولوجيا التطورية، بمعنى أن علماء التطور يحاولون شرح الأحداث والسيرورات، التي سبق أن حدثت في الماضي.
وضع داروين لنفسه مهمتين: الأولى هي استنباط الآلية التي يمكن أن يحدث بها التطور، وكانت الآلية التي فكر بها هي الانتخاب الطبيعي، الذي لا يزال مقبولاً حتى اليوم بعدِّه القوة الرئيسية التي تقف وراء التطور. وكانت المهمة الثانية جمع الأدلة الكافية لإقناع الناس بأن التطور قد حدث.
بعض الأدلة جاء من علم المستحاثات، وبالقدر نفسه من الأهمية كانت الأدلة المأخوذة من الكائنات الحية، وكان ذلك من الوضوح بما يكفي لأن يلاحظ علماء الطبيعة أن كل الأنواع كان يمكن ذات يوم أن تكون ضروباً، وأن كثيراً من الضروب تصبح بالتدريج أنواعاً، وهذه الملاحظة العرضية من علماء الطبيعة كانت ذات أهمية، لكن كان من الصعب أن يتعرض داروين للتجاهل، فقد قدم المعطيات الكثيرة في سبيل شرح أدلته، وكان أحد الأدلة الهامة هو أن النمط الأساسي للعظام يظهر في أطراف كل الثدييات، وهذه التشابهات تُبينُ أن الثدييات جميعاً قد انحدرت من سلف مشترك، وهناك مقاربة أخرى للتطور هي دراسة توزع النباتات والحيوانات في الطبيعة وعلاقات بعضها مع بعض ومع البيئة، وقد أقنعت حقائق كهذه تشارلز داروين بأن التطور قائم بالفعل.
كيف يحدث التطور؟
إجابة تشارلز داروين كانت بأنه يحدث من خلال الانتخاب الطبيعي، فقد أثبت أنه يوجد دائماً اختلاف بين الأفراد ضمن النوع الواحد، بحيث يكون بعض الأفراد أكبر قليلاً، ويكون للبعض منها فراء أسمك أو أرجل أطول قليلاً، كما أثبت أيضاً وجود صراع من أجل البقاء، لأن الأفراد الذين يولدون هم أكثر من الأفراد الذين يمكن أن يبقوا على قيد الحياة. تلعب المصادفة، إلى حد ما، دوراً في تحديد الأفراد الذين يبقون، لكن صفات الفرد لا بد أن تشكل في بعض الأحيان صفة فارقة، فالحيوان ذو الأرجل الأطول سيركض أسرع، وبالتالي سينجو من المفترس، والحيوان ذو الفراء الأسمك سينجو من الشتاء القارص، وهنا تكون الوراثة هامة، فإذا انتقلت الأرجل الطويلة أو الفراء السميك إلى أفراد الذرية، فسيكون هناك المزيد من الحيوانات التي تمتلك تلك الصفات المفيدة في الجيل التالي. وبعد مئات الأجيال، فإن هذه التغيرات الطفيفة يمكن أن تتراكم، لتشكل صفة فارقة كبيرة وملحوظة، وافترض داروين أن هذه العملية هي التي تنتج التكيف.
أدلة عن التطور
1. يعاني ناس كثيرون وجع الظهر، أو من مشاكل في أوراكهم أو ركبهم، في حين أن الألم في الذراعين يكون نادراً، وبلغة داروين، فإن هذا ذو مغزى، فالبشر غير عاديين بين الثدييات بوقوفهم منتصبين، ويوحي الدليل الجزيئي أننا قد بدأنا نفعل ذلك فقط منذ 4 إلى 5 ملايين سنة، لذا فإن الظهر والأرجل البشرية لم تمتلك حتى الآن الوقت الكافي للتكيف التام.
2. ظهرت الحشرات الطائرة منذ أكثر من 300 مليون سنة، وتطورت بسرعة إلى أشكال مختلفة هائلة وكثيرة، وفي يومنا هذا توجد على الأقل 28 رتبة مختلفة من الحشرات، وبعضها متنوع إلى درجة كبيرة، فرتبة الخنافس تضم أكثر من 300 ألف نوع مختلف، وكما يبرهن البرغوث، فإن التطور ليس دائماً نحو الارتقاء، بل نحو التكيف والبقاء، إذ ليس للبراغيث أجنحة، ولا يمكنها الطيران، لكنها تطورت عن مجموعة من الحشرات التي كانت قادرة على الطيران، فلماذا فقدت شيئاً استغرق نشوؤه ملايين السنوات؟ الجواب هو أنه في نمط حياة البرغوث يكون الجناحان معرضين للإصابة، وبالتالي يكونان مصدر إعاقة أكثر من كونهما مصدر قوة.
3. هل كان من الممكن أن يكون العلماء مخطئين تماماً حول التطور؟ هذا الزعم يصدر أحياناً عن معارضي النظرية، ومع ذلك، ففي العلم لا تدوم الأفكار الخاطئة طويلاً، لأن النظريات تخضع للاختبار التجريبي. إن حالة عالم الوراثة السوفييتي تروفيم ليسنكو (1898 – 1976) قد أثبتت هذه النقطة، فقد دافع ليسنكو عن الأفكار اللاماركية، لأنها تتفق مع الإيديولوجيا الشيوعية، وصعد إلى السلطة في ظل ستالين، فقام بنفي علماء الوراثة الماندليين، وهيمن على علماء الوراثة السوفييت سنوات عديدة. مع ذلك، وفي نهاية المطاف، كان الدليل المضاد للوراثة اللاماركية قوياً للغاية، بحيث كان على الإيديولوجيا إن تفسح الطريق أمام العلم، فأدين ليسنكو، وأجبر على الاستقالة.
4. ثمة دليل قوي جدا لصالح التطور هو أن كل الكائنات الحية، من الحشرات إلى الفطور، ومن البشر إلى الفيروسات، تشترك بالشيفرة الوراثية نفسها، فلو كان هناك أصلاً أكثر من شكل واحد للحياة، فلماذا اعتمدت كلها هذه الشيفرة نفسها، حيث أن كل كودون (ثلاث قواعد دي.إن.إي) قد اكتسب معنى ثابتاً، لكنه اتفاقي؟ من ناحية أخرى، إذا كانت كل الحياة تنحدر من سلف واحد، فإن هذا يكون مفهوماً تماماً، فما أن أنشئت الشيفرة، حتى بات من الصعب جداً نشوء أية تغيرات فيها، نظراً لأن هذه التغيرات سوف تصيب النظام بأكمله، مما يجعل إنتاج البروتين مستحيلاً.
ومن المفترض أن الشيفرة قد نشأت في مرحلة مبكرة جداً من تطور الحياة، وتوحي الأدلة الأحفورية أن أقدم أشكال الحياة كانت البكتريا، لذا من المرجح أنها هي التي ابتكرت الشيفرة الوراثية، التي تشترك بها حالياً كل الكائنات الحية.
التقدم والتطور
وهنا لابد أن نلاحظ انطلاقاً من مقولة داروين أن الانتخاب الطبيعي لا يترتب عليه بالضرورة تقدم تطوري، ولا هو الطريق الواصل إلى الكمال، ولا يسعنا إلا أن نعده قوة محدودة الفاعلية، وأقوى دليل على هذه المحدودية هو انقراض أكثر من 99 % من المسارات التطورية، التي خرجت إلى الوجود في عصور مختلفة من عمر الأرض. وهذا الانقراض الإجمالي المتكرر يلح على ذاكرتنا بأن التطور الدارويني ليس نوعاً من الارتقاء المطرد نحو الكمال، وإنما هو عملية لا يمكن التنبؤ بعواقبها، التي قد تتضمن زوال الأفضل بفعل الكوارث، التي لا تميز بين جيد ورديء، ولا حصانة للارتقاء حيالها، فهل يحق لنا أن نطلق اسم التقدم على هذه التغيرات، التي جرت في تاريخ الحياة على الأرض؟
إن الإجابة تتوقف على تحديدنا لمعنى كلمة تقدم وفهمنا لمضمونها. ومع ذلك، فإن مثل هذا التغيير هو في الحقيقة ضرورة حتمها الانتخاب الطبيعي، لأن محصلة الأثر المشترك بين قوة الانتخاب لن تؤدي إلا إلى واحد من اثنين: إما التقدم التطوري، وإما الانقراض، دون احتمال لبديل ثالث. ومن الغريب أن كثيراً من الناس يخلطون، إلى يومنا هذا، بين الارتقاء، وهو التغير إلى الأعلى، والتطور كما يجب أن يفهم من تشارلز داروين ومن شجرة الانتماء، التي توضح منشأ أنواع الكائنات المختلفة ومسارات تطورها عبر التاريخ الطويل للحياة على الأرض.
صحيح أن الارتقاء حقيقة واقعة، يشهد بها التفاوت الواضح في مستويات التركيب بين أدنى الكائنات متمثلة في البكتريا، وأرقاها متمثلة في الحيوانات الثديية، لكن الخطأ يكمن في تصور الكثيرين أن هذا الارتقاء قد تحقق عن طريق الانتخاب الطبيعي، فتتبع مسارات التطور على شجرة الانتماء، التي وضع هيكلها داروين، يدلنا على ما يدحض هذا المفهوم، فالبكتريا، وهي أدنى ما يُعرَف من الكائنات، بقيت دون تطور على مدى آلاف الملايين من السنين، ولو اكتشف العلماء في بكتريا اليوم اختلافاً عن أول بكتريا ظهرت على الأرض، فإنما هو اختلاف في غاية الضآلة، ولا يمثل أدنى قدر من الارتقاء، وفوق ذلك نلاحظ أن الطفيليات تبدو كأنها كانت موضوع نوع من التطور الانتكاسي أو التغير إلى الأدنى، وفيما عدا هاتين الحالتين، نلاحظ أن التركيب المعقد لكثير من الكائنات المتعضية يشهد على ما تحقق فيها من تخصص وظيفي، لكن تطورها نحو الأكثر تعقيداً لا يصلح شاهداً على تقدمها نحو الأرقى.
حجر الزاوية
لم يجد داروين في بحوث الذين سبقوه تعليلاً مقبولاً لنشوء الأنواع بطريقة التحول العضوي، فمضى في بحثه مستقلاً، وبدأ شوطه بأن ينظر في الشواهد التي يمكن أن يستمدها من الحيوانات الأليفة والنباتات المزروعة، وهي أقرب شيء لتناول البحث، وقد انكب على ذلك، وعكف على درسه، ولم يلبث غير قليل حتى وضح له أن الانتخاب هو حجر الزاوية في نجاح الإنسان في توليد السلالات النافعة، حيواناً كانت أو نباتاً، وكانت هذه أول خطوة خطاها في سبيل الاهتداء إلى الحقيقة، غير أنه ما لبث أن اصطدم بمشكلة، إذ قال: (لقد استغلق عليَّ حيناً ما أمر آلية تأثير الانتخاب على الكائنات العضوية في حالاتها الطبيعية).
وعثر على مفتاح ذلك السر في التنافس على البقاء، حيث يكون نجاح جانب من المتنافسين معناه خيبة الآخرين، ومعنى ذلك الانقراض، ويرجع الانتخاب إلى أنهم أكثر تكيفاً مع الوسائل والحالات التي يقتضيها التنافس، فالتحول العضوي غير المحدود يقتضي تنافس الضروب المختلفة، وذلك التنافس لا بد من أن ينتهي بانتخاب الأكثر تكيفاً مع مختلف حالات الحياة.
ومبدأ انتخاب التحولات النافعة التي تولدها الأسباب الطبيعية، هو طريقة علل بها داروين ظاهرة التكيف، التي عجز عن تعليلها قبل ذلك، إذ لا فرق مطلقاً بين قولك إن الفرد الناجح في معركة التنافس هو الأصلح للبقاء، أو قولك هو الأكثر تكيفاً مع البيئة، ولا شك في أن أكثر صور التكيف تعقيداً أو رقياً، قد يكون نتيجة منظومة طويلة من التحولات النافعة تستجمع على مدى الزمن، ويعترف داروين في مذكراته الأولى، التي شرع يصور فيها أبحاثه، أنه أغفل النظر في مشكلة من أدق المشكلات الهامة، ولم يوفق إلى تعليل ظواهرها إلا بعد ردح من الزمن، وقال: (هذه المشكلة هي نزوع الكائنات الحية المتحدرة من عترة معينة أن تنحرف صفاتها، إذا ما شرعت تتكيف. أما تعليل ذلك، على ما أعتقد، فهو أن الضروب المتغلبة الآخذة في التزايد، والتي تكيفت فعلاً، تنزع إلى أن تتهيأ وتتكيف مع الأقاليم الشديدة التباين في نظام الطبيعة)، ويلاحظ هنا أن داروين عمل بصبر وبعد نظر وتريث في الوثوب إلى النتائج قبل التثبت من جميع مقدماتها واحتمالاتها، ومن هنا نستطيع القول إن أسلوبه في كتاب (أصل الأنواع) قد أمتاز بالليونة والهدوء، اللذين يخفيان وراءهما صعوبة الموضوع وتعقده.
أسلوب هو أشبه شيء بلين الرمال، التي إن غرتك ليونتها، فإنك لا تلبث أن تغوص فيها. ومن ذلك أيضاً ما يحفل به الكتاب من ضخامة المعلومات العامة، وفخامة التنسيق وفراهة الحكم واستقلال الرأي إزاء كل مشكلة من مشكلات التاريخ الطبيعي، التي عرضت فيه.
ونحن هنا لا نكتب سيرة تشارلز داروين من وجهة نظر شخصية، إنما نكتب سيرة تطوره العقلي، وكيف حولت هذه المسيرة عجلة تاريخ العلوم الطبيعية إلى مجراها الصحيح.
النور