مقتطفات من حياة ليف تولستوي.. ورسالة الإمام محمد عبده إليه

عبد الرزاق دحنون قرأها 284
  

L.TolstoiJam01.JPG

MohammadAbdoJam001.JPG

في إحدى سنوات عمره الأخيرة نشرت جرائد موسكو الصباحية خبر مغادرة ليف تولستوي المدينة في الساعة الثانية عشرة ظهراً بعد زيارة استغرقت عدة أيام متوجهاً بالقطار إلى بيته في قرية ياسنايا - بولانا في قضاء مدينة تولا الروسية العريقة. اجتمع آلاف الناس من أهل موسكو في ساحة محطة قطارات كورسك لوداعه، وعندما أطل تولستوي قامت الجماهير، وكأنها جسد واحد، بخلع القبعات عن رؤوسهم تحية تقديراً واحتراماً.

تماوجت هذه الجماهير كالبحر الهائج وامتلأ الجو بالهتافات، كان الحشد من مختلف فئات الشعب، وقد تزاحم الجميع في محاولة الوصول إلى مكان وجود تولستوي والاقتراب منه. وفي هذا الحشد الهائل دوّى صوت شاب آمراً إلى الصفوف. وانفتح الطريق أمام تولستوي بقوة ساحرة، وامتد ممرٌّ ضيقٌ طويلٌ من كلا الطرفين بالناس الذين تشابكت أيديهم. وعندما صعد تولستوي إلى عربة القطار، صمتت الأصوات كافة، شكر تولستوي مودعيه وتحرك القطار بهدوء والهتافات العالية ترافقه. ما الذي فعله هذا الشيخ الطاعن في السن بهذه الحشود التي تموج؟ وأية صلة تلك التي امتدت بينه وبين الخلق؟

المعروف عنه أنه أديب كبير خاض الكثير من أغراض الأدب، كتب القصة والرواية والمسرحية والحكاية الشعبية والشعر، وألف كتب التعليم الموجهة للأطفال، ونشر عشرات المقالات والأبحاث في الصحف الروسية والأجنبية دفاعاً عن الفلاحين مبرزاً فساد النظام الإقطاعي. ولقب نفسه في سنوات الثورة الروسية الأولى (1905 - 1907) بمحامي مئة مليون من الفلاحين. وفي ضيعته الموروثة ناضل للتخفيف من معاناة الفلاحين وأنشأ مدارس لأولادهم، ونظم حملات إغاثة للجياع في بعض المجاعات التي عصفت بروسيا في أعوام (1890 - 1891)، وتدخل مراراً لمساعدة ضحايا القمع القيصري مستفيداً من مكانته كوريث أرستقراطي وأديب كبير. وعمل بنفسه في زراعة أراضيه. وحين تجاوز الستين من عمره امتنع عن أكل اللحم ليصبح نباتياً صرفاً. وعاش تولستوي حتى بلغ الثانية والثمانين. وتوقف قلبه عن العمل في الساعة السادسة وخمس دقائق من صباح السابع من تشرين الأول سنة 1910 وشاع خبر وفاته في أنحاء العالم. وفي أواسط شهر كانون الثاني عام 1911 كتبت شقيقته ماريا نيكولايفنا عن لقائها الأخير بأخيها إلى مترجم أعمال تولستوي إلى اللغة الفرنسية شارل سلامون تقول:

"كان شقيقي يريد في زيارتي الأخيرة أن يركن، أن يعيش في وضع روحي هادئ فقط، كم فرح المسكين ليف برؤيتي، وكم تمنى أن يعيش في أي بيت فلاحي بسيط!
لكنه مات في تلك المحطة النائية استابوفو على خط حديد موسكو - كورسك، وتوقفت عقارب ساعات المحطة عند الزمن الذي توقف فيه قلبه عن الوجيب. وبقيت سيرة حياته وأفكاره ومؤلفاته حية ترشد البشر إلى طريق الخلاص. وفي الأشهر الأولى بعد انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 عهد لينين إلى رفاقه بنشر مؤلفات تولستوي على نطاق واسع، ومن ضمنها المؤلفات التي منعتها الرقابة القيصرية. وبعد سنوات من العمل الدؤوب ظهرت المجموعة الكاملة لمؤلفات ليف تولستوي في تسعين مجلداً من القطع الكبير.