في تحولات الكتاب وجمالية التلقي- كتاب د. أحمد بلحاج آية وارهام- القسم2- الفصل 1
د. أحمد بلحاج آية وارهام
في تحولات الكتاب وجمالية التلقي
القســــم الثانــــي
جماليــة تلقيــه
كائـن حـي مخطـوط ومطبـوع
الفصــــــل الأول
قيمتـه ومكانتـه في مختلـف الحضـارات
1?1- فاتحــة ضــوءٍ :
حتى ملامح الزمن الغائمة في حاجة إلى حياة تُحاورها. تماما كفيض الكلمة.
I
كم كانوا عباقرة أولئك المتمردين الذين لم يكونوا هناك فخلَّفوا لنا رموزا وتشابيه وجرأة وروابط أهلية وحياةً إنسانية أغناها عملٌ فريد متميزٌ قد لا تسعه ذاكرة الكسالى المتوانين فتتلفه.
*روني شار René char 1907م 1988م
« Les voisinages de Van Gogh »
1?2- توطئــة :
لا مراء في أن سؤال القراءة هو سؤال الكينونة في التباساتها وانفتالاتها، وهو كذلك سؤال وِعَاءِ المعرفة الكونية الذي لا قيام لحضارة إنسانية بدونه. فالإنسان والفكر نقطتان أساسيتان في دينامية الوجود، وتأطير الحياة تأطيراً أمثل.
وإذا كان الفكرُ هو سائس المادة، فإن المبدع هو روحُ العالم في أي صورة برز، وأي زِيٍّ لبس، قولهُ يُخلخل سكونية العالم ويدفعها إلى الإصغاء إليه، والسَّيرِ على مُوجِبِه. وطريقةُ استقبال الناس إياه وكيفيةُ معاملتهم له هما عنوانُ رفعتهم أَوْ ضَعَتِهِمْ، دليلُ وعيهم أو غبائهم، مقياسُ قيمتهم وتبصُّرِهِم.
فمهما اختلفت الرؤية إلى الكاتب فإنه لا يخرج عن صنفين –شأنه شأن كل شيء في هذا الوجود- : جيد ورديء، فمن قاد منهما إلى ينابيع الخير الأسمى بدقة وحكمة وإنسانية كان أشرف ما يكون وأعلى، وهذا أكثرُ ما يقدر امرؤٌ مبدع أن يفعله، وأن يجلُبَهُ. وقد تحدث الفيلسوف الألماني (فيخته) عن طبيعة الكاتب فقال: « إن جميع ما نُبصر من الأشياء؛ و لاسيما نحن الآدميين؛ إنما هي أثواب أو ظواهر حسية يكمُن وراءها ويستتر تحتها (معنى الدنيا المقدس)، وتلك هي الحقيقة المتوارية بِحُجُبِ المظاهر، وأغلب الناس في عمى عن هذا المعنى، وإنما يعيشون بين الظواهر والقشور والماديات، غير خاطر ببالهم أن تحت ذلك شيئا مقدسا، ولكن الكاتب مبعوث من قبل الله لِيُرِيَ لنفسه، ثم يُرِينَاهُ »، أي أنه يجلو المعاني المقدسة لأبصار العالَمِ، بحيث ينضو عنها ثوب الظواهر والمظاهر، ويبرزها متلألئةَ السرِّ، عارية عن الشوائب.(1)
فمن اشتمل هذا المعنى المقدسُ على أقطار نفسه كان هو الكاتب، ومن لم يكن كذلك فهو مراوغٌ ضائعُ الروح، حتى ولو كانت كتاباته تكتسي من الرونق والفخامة والأبَّهة ما لا سبيل إلى إنكاره، فالكتابة إيغالٌ في سرِّ الوجود، وضربٌ من العبادة لا يُحْسِنه إلا فؤاد موصول بهذا السر، وعقل مُنْجَذِبٌ لما وراء الظواهر، لا تطمسُ نورَهُ مُغريات الدنيا وعَرَضَها، ولا إغراءات السلطة وأحابيلها. والذي من هذه الطينة كثيرا ما يُجزى بحال أنكر على جليل ما يُسديه إلى الملأ، فهم لا يحفلون البتة أأصاب أم أخطأ؟ وُجِدَ أم فُقِدَ؟ وحتى إن أَوْلاَهُ طابع كتبه شيئا من الأهمية فإنما لكي يربح مبلغا من ورائها، أما مَنْ عداه فهم لايعبأون من أين جاء؟ وأين يذهب؟ وكيف وصل وما الطريق الأمثل لتذليلِ الصعاب أمامه وحفزه على الاستمرار؟ وإنما ينظرون إليه كأنما هو ظاهرة شاذة، فيتركونه قائلا بلسان المتنبي:
أَنَ فِي أُمَّـةٍ تَدارَكَهَا اُلَّـ لـهُ غَرِيبٌ كَـصَالِحٍ فِي ثَمُودِ
فكيف لمبدع يُقابَل باللامبالاة والجحود، ويُنْظَر إليه بعين الريبة، ويعيش في أنكر حالٍ أن يُنتج ما تصفو به حالنا، وتتضوَّأُ نفوسنا،وتسمو مداركنا؟ أليس في هذا إجحافٌ بحقه وحقنا ما دام هو المنتج الأول لرأسمالنا الرمزي، وقيمِنا الإنسانية العليا التي لا انخراط لنا في الكون إلا بها؟!
إن إعادة الاعتبار للكتاب لا يمر إِلاَّ من خلال إعادة الاعتبار للكاتب، ومن دون ذلك سنظل نراوح في أزمة القراءة، وسيَطُول غيابُنَا عن المشهد الفكري والعلمي، وستبقى الأزمة بنيوية، ولن تحلها الأيام والاحتفالات والمهرجانات التي تدعو إلى القراءة وكأنها تدعو إلى فرجة مجانية. إن القراءة وقتٌ وإضناءٌ، وسكنٌ في فضاء القطيعة مع غير الكِتاب، وتجْنِيدٌ لما فَضُلَ من طاقات الذات التي ابتلعها اليومي، فهل ينمُّ استحضار كل هذا حين ندعو إلى محاورة « خير جليس في الأنام »؟!
لا مشاحة في أن مستودع حكمة الغائبين والحاضرين هو الكتاب، فيه تتجلى أرواحُ العصور الماضية والحقب الخالية، بعد أن فَنِيَت أجساما، وأصبحت أوهاماً وأحلاماً، وأرواحُ الأزمنة الحالية ومدى قدراتها وتصوراتها. وإن صناعته هي ولا شك أكثر الفنون إعجازا وأعجب ما أبدع الإنسان، إذ بها صار الكتاب فؤاد العالم الواعي لكل ما فيه ومن فيه، والناطقُ بكل ما يعتمل دَاخِلَهُ...ولكن:
أما زال في الناس من يقرأ هذا الفؤاد؟
أما زال هو قادرا على الإتيان بالمعجزات؟
لقد أقام الكتاب في العالم دولة المعجزات، وضمَّ الماضي والحاضر بأوثق الصلات، واستشرف المستقبل بأنصع الآيات، ولاَصَقَ بين الشرق والغرب اللذين قيل إنهما لن يلتقيا، وصَاقَبَ بين القطب والقطب، وجمع بين طنجة وبيكين في قَرَنٍ، وأَلَّفَ بين نوح وأرَمْسْتْرُونْغْ في زَمَنٍ، وغير للناس وجوه الأمور وصور الأعمال، وجدَّدَ شأناً بعد شأن وحالاً بعد حال. فانتشاره وسهولةُ جلبه قَلَبَا اُلْأَمْرَ قَدَماً لرأس وذِرْوَةً لأُسٍّ، فما هو إِلاَّ أن يُطبع حتى يتناوله مَنْ هو مهموم به في طول الأرض وعرضها، يُقَلِّبُ فيه البصَر، ويرتشف منه أَفَانِينَ الفكر.
هذا الخالد الشامخ؛ مَنْ يُبْعِدُنا عنه؟ أهي إكراهات العيش وتوترات الحياة؟ أم هي جواذب العابر البراقةُ، وإيقاعاتُ التقنية اللاهثةُ خلف اللانهائي؟ كيف نربط جسرَ الحميمية بيننا وبينه؟ وهل بإمكانه أن يُعيننا على إعادة تحقيق ذواتنا؟ وبالتالي على إعادة تحقيقه هو كذلك؟
ذلك ما نروم التطرقَ إليه، واضعين نصب أعيننا سؤال القراءة الذي هو سؤال الذات والكتابة بامتياز. وقد قسمنا الموضوع إلى قسمين؛ تسبقهما توطئة، وتعقبُهُمَا خاتمة، كرسنا الأول لقيمة الكتاب ومكانته في مختلف الحضارات، وظهور المؤلِّف المحترف، وجدلِ السياسي والمعرفي، ومدى تأثير الطباعة على اللغة والخط. والثاني لأثَرِ تلقي الكتاب على الذات القارئة وعلى جسد النص المقروء، حيثُ أَوْلَيْنَا عناية لنظرية التلقي واستراتيجيتها و مقصديتها.
ولم نُغفل تذييلَ كل قسم بالهوامش الخاصة، وتذييلَ البحث بلائحة المصادر والمراجع، آملين أن نكون قد نبشنا فيما لا يكون النبش فيه كترقيم على الماء، وأن يكون فِعْلُ القراءة مسكنَ زَمَنِنَا الذي أضاعته الأفعال اللامبدعة.
1?3- نشوء فكرة الثقافة عن طريق الكلمة المكتوبة:
ليس الكتاب مجرد كيان مادي، وإنما هو كائن حي متعددةٌ صفاتهُ، عميقة آثاره، ودراستُه من هذه الوجهة لا تخلو من وجوه متشعبة وتعقيدات مُربكة، فهي تتضمن أصوله وإنتاجَه ومحتواه، واستخدامه وأهميته الثقافية والتعليمية، ودورَه في صنع الحضارات بصفة عامة، بمعنى البحث في جينيالوجياه وفي الأركيولوجيا الخاصة به. فإنتاجه يتطلب عدة عناصر متضافرة من مواد وتصميمات وخطوط وطباعة ورسوم توضيحية وما إلى ذلك.
وهو بمختلف أشكاله وأطواره يعد أداة للتواصل وعاملا رئيسا من عوامل حفظِ الثقافة والمعرفة الإنسانيتين وإنمائِهِمَا، نظراً لأنه وعاء لما ينتجه العقل البشري من أفكار وثقافات وفنون لا وجود لحضارة متقدمة من دونها،و باعتباره هذا كان وما يزال أساسَ الثقافة في مختلف الأزمنة. فعن طريق الكلمة المكتوبة وُلِدَت فكرة الثقافة، وتطورت عن طريق التعليم.
فالكتاب كميراث إنساني كوني قام بتغيير جوهري كبير في مفهوم الثقافة، ولذلك اعتُبِر من أعظم السمات الحداثية التي جاءت بعد ثورة جوتنبرج في القرن الخامس عشر الميلادي، وخاصة بعد أن تخلى وجهه المخطوط عن عرشه لصالح وجهه المطبوع، ولصالح انتشار المعرفة التي كان يحتكرها. ومن ثمة أصبح يمثل اتجاها ثقافيا جديدا، ومؤشرا حضاريا على وعي الإنسان بقيمة الحرف المطبوع ودلالته على الذات الكاتبة، وصار الاعتناء به فائقا لكي يكون مُلبيا لرغبات عشاق القراءة بطريقة لم يحلم بها سلََفُهُم. فالجاحظ مثلا (ت: 255هـ/868م) الذي كان مؤلفا متعددَ الجوانب عاشقا بامتياز للقراءة كان يستأجر حوانيت الوراقين ويبيت فيها لأجل القراءة، لأن الكتب التي كان يرغب فيها لم تكن متوفرة لديه أمَّا الآن ففيض الكتب لا ينتهي، فهي متوفرة للقاريء كالهواء يشتريها إن كانت له قدرة شرائية أو يستعيرها من المكتبات، (2) ليحاورها ويرتادَ عوالمها المجهولة، ويقبضَ على مكنون أسرارها، ولكنه لن يتأتَّى له استنتاج المعاني الغائرة فيها والمُحايثة لها إلا إذا نظر إلى كلماتها على أنها إشارات لعوالم روحية، دون أن يكتفي بدلالاتها اللغوية أو يتعامل معها على أنها مفاهيم منغلقة على ذاتها، بل يَعقد معها أُلْفَةً، ويستوعب إيحاءاتها، لكي يستطيع الانطلاق من أرض الواقع إلى سماء الرمز الأسمى، وهو أعلى ما تصل إليه كل قراءة مهمومة بإحداث التحولات في الكيان والكون والعلائق.
1?4 – ظهـور المؤلـف المحتـرف :
وهكذا أسهمت الطباعة في تداول الكتاب تداولا خارقا، وفي ظهور أنماط ثقافية، وأشكال أدبية جديدة، وساعد على ذلك اضطلاعُ المجتمعات الغربية بدور كبير في نشر الكتب، واهتمامُها بطباعةِ العربية منها ونشرها في بلدانها أولا، ثم في داخل العالم الإسلامي بعد ذلك.
وقد ظهر في القرن التاسع عشر مؤلفون شاركوا مشاركة فعالة في التغير الثقافي الذي أحدثته الكتب المطبوعة، وكان معظمهم من مشايخ الطرق الصوفية، وقادة الفكر، والإصلاحيين. مما يدعو الدارسَ إلى إثارة مجموعة من الأسئلة حول نشرِ كُتُبِ هؤلاء المؤلفين: كم كان عدد المطبوعِ منها خلال تلك الفترة؟ وهل ما زالت موجودة حتى الآن؟ وما المجالات التي كان التأليف فيها رائجا؟ وكيف أسهم الانتقال إلى الطباعة في ظهور مهنة جديدة هي المؤلف المحترف؛ الذي لم تعد وظيفته تقتصر على كتابة النسخة الأصلية لكتابه وتقديمها إلى أمير أو وجيهٍ، على أمل أن يمنحاه مقابلها مكافأة مالية سنية، وإنما أصبح يرى كتابه مطبوعا ومصحَّحًا ومنشوراً في عدد كبير من النسخ المعروضة للبيع، ومن ثمَّ تحول تدريجيا إلى مؤلف محترف، أصبحت مؤلفاته تُقرأ فورَ نشرها في دائرة أوسع من القراء؟ ومَنْ مِنْ هؤلاء المؤلفين استأثر بأعداد كبيرة من القراء؟ ومتى تَضَخم حجمُ الجمهور القاريء إلى حَدٍّ لا تقوى على إشباعه إلا الطباعة؟ وهل الكتب المطبوعة هي التي خلقت ما نسميه بالثقافة الجماهيرية وقنَّنت العادات القرائية؟ أم أن انتشار التعليم هو الذي أَدَّى إلى انتشار الطباعة؟ وما هي الفئة التي تقرأ الكتب المطبوعة حديثا وتشتريها؟ وكيف أصبحت قاعدة القراءة؟ وما الأسلوب الذي تتبعُه؟ وما مدى الارتباط الحاصل بين التوسع في القراءة وبين التوسع في نظم التعليم التي أخرجت طبقاتٍ من المتعلمين جديدةً؟. (3)
قد تكون هذه الأسئلة مساهمةً في أركيولوجيا الكتاب، وفي استكناه مساراته، من أجل وضع تصور موضوعي عنه حينما نتحدث عن أزمة القراءة وتهميش العامل الثقافي في حياتنا. غير أن مثل هذا التصور لا يُمكن أن يكون صائبا إلا إذا استحضرنا المؤلف، وتساءلنا صراحةً عن شروط عيشه ووضعه الاعتباري، وحقوقِه المادية والمعنوية. فالناس كثيراً مَا يُقرون مُجَامَلَةً بفضلِه وَخَطَارَة شأنه، ولكنه إقرارٌ لا يشفعه عونٌ ولا مساعدة، ولا حتى تشجيع أو تحفيزٌ أو حوارٌ قرائي، إذْ كل ما هنالك عواطفُ عابرة لا تنتج عنها إمدادات مادية مُحَفِّزَة، ولا مكاسب ُمعنوية تشفي جراح الروح. وإذا كُنَّا نعترفُ ونُقر في المَظْهَرِ بأن للمؤلف على المجتمع أياديَ غرَّاء ومِنَناً غراء، وأنَّه يحدو به في سبيل التقدم، ويسمو به في مَرَاقِي المدنية، فإننا في المَخْبَرِ نُضْمِرُ عكس ذلك، وإلا كيف نفسر تركه في أسوأ حالٍ من نكد العيشِ، وجحد الحياة؟ يسقط وينهض في حيرة عشواء، وأزمنةٍ وَرْهَاء.
أليس من الإجحاف أن يلبس أناسٌ زِيَّ الكتابة ويقبضون عنها أجرا مُجزيا، ويبقى الكاتب الحقيقي متضاغيا من الآلام، متضوراً لا يسد خلته إلا بما لا يذبح الكرامة على أعتاب الشحاذة؟. إن هذا ليس بعدل من المجتمع، وإني لَمِنْ أُولَئِكَ الذين أسأمهم كثرة ما يُلغط به من سلطان المال وهَيْلَمَانِهِ على كل شيء، وفضلهِ وفضلِ أصحابه على الناس قاطبة، من القائلين بأنه لا ضير على المبدع الحر أن يكون فقيرا ما دامت روحه سامية شريفة، لم تخضع لجبروت المال وإفك الإيديولوجيات، ولم تساوم على المبادئ والقيم العليا التي نذرت نفسها لها. والمبدع الذي يبيع شجرة أقانيمه العليا من أجل خلاصٍ ذاتي أو من أجل شيك على بياض مسحوبٍ من مصرفٍ يعلم سلفاً أن ودائعه وأرصدتَه من العسف والدَّم أَتَتْ، يكون كَمَنْ لَبِسَ بِذْلَةَ نَارٍ تُلاَزِمُهُ كَجِلْدِهِ، ولن يستطيع خَلْعَهَا مهما حَاوَلَ، لأنها تَمَاهَتْ مع كيانه، وأَصْبَحَتْ جَحِيمَهُ الأبدِي الذي لا فكاك منه.
1?5- فيضُ المعـارف أم فيض الكتـب ؟ :
وأكيدٌ أن ما يقع في هذا الفضاء المتعلق بالكتابِ والمؤلف لهو أغربُ من الغرابة وأعقد من المفارقة !، فمن جهة هناك شكوى مريرةٌ من العزوف عن القراءة، ومن جهة ثانية هنالك فيضٌ من الكتب لا حصرَ له، ومن جهة ثالثة نرى إهدار حقوق المؤَلِّفِ، وتهميشه بطرق لا أدهى منها ولا أمكرَ.
وقد أشرنا إلى الجهتين الأُولَيَيْنِ، أما الجهة الثالثة فهي أعقدُ من ذَنَبِ الضبِّ، وتتبعُهَا قد يُوقِعُ في حِبَالاَتٍ غير مأْمُونَةٍ علميًّا مادامت شروط البحث فيها لم تتوافر بعدُ.
ويبدو أنَّ ما أُنْجِزَ من المكتوب إلى حد الآن يصحُّ معه أن نسأل: هل هذا الإنتاج المستمر لكتب بشكلٍ سرطانيٍّ وجَراديٍّ هو أمرٌ محمودٌ في كل الأحوال؟ وما جدواه إذا كانت العقولُ لا تستهلكُه إلا نادرا؟. فَمَهْمَا استبعدنا من الكتب فإن غيرها من كتبٍ أخرى ستحل محلها. فهل نحن عاجزون عن الحد من إنتاج الكتب أو التحكم فيه على الأقل حتى لو خُضنا معركة جادَّة كتلك المعركة الخاصة بالتحكم في زيادة السكان؟!
إن الذين يشتغلون بصناعة الكتاب وتجارته لا يودون بتاتًا تقليصَ الإنتاج، ولا يرحبون بهذه الفكرة، بل يرون إليها على أنها فكرة غريبة وسفيهة، قامعةٌ لحرية الصناعة والتجارة، شديدة العواقب على الاقتصاد، طامسة لروح الحضارة التي ما كان لها أن تستمر لولا الكتاب. فعلى مدى التاريخ كله كانت للكتاب قيمتُه ومكانته، ففي العصور القديمة كان الناس يشتكون من فيض المعارف لا من فيض الكتب، واستمرت تلك الشكوى في العصور الوسطى شرقا وغرباً، لأن المعرفة؛ وبخاصة في بعض المجالات؛ لا تمكن السيطرة عليها، والكتب المرافقة لها؛ أو بالأصحِّ المتناولة لبعضها؛ لم تكن كافية. فلماذا إذن هذه الدعوة إلى إلجام الكتاب في عصر الانفجار المعرفي الأعظم الذي لم يكن العقل يتصورُ مثله في يوم من الأيام؟! هل غزارةُ التأليف هي التي أَدَّتْ إلى هزالة ما يُؤَلَّف؟ أم أَنَّ نُظُمَ التعليم هي التي أخرجت عقولاً لا تنتج إلا الضحالة؟ أليس من التجنِّي اعتبارُ المشتغلين بصناعة الكتاب مسؤولين عن هذا، ومُلزمين بوضع حَدٍّ له عن طريق تحديد نسل هذا الكائن الورقِيِّ الحيِّ ؟!
تِلْكُمَا أطروحتان حول فيض المعارف أم فيض الكتب، ما يزال الجدلُ بينهما ساخناً ومُثيراً، ولن يكون الحسم فيهماَ سهلا، ولا متأتيا في المنظور القريب، ما دامت خيوط الإشكالية متشابكةً ومتداخلةً، وشروطُ تفكيكها ملتبسة ومُراوغة (4)
1?6- الافتخـار بالإكثار من الكتـب :
غير أن هذا التوتر بين الأطروحتين لن يصرفنا عن جمعِ أضواء من الماضي قد تساعدنا على حل الإشكالية، وتنير لنا طريق الخروج من مُدْلَهَمِّ واقع القراءة البئيسِ والمُفْجِعِ. فالماضي ما زالت فيه بعض الجسور التي بإمكانها أن تُبَصِّرَنا بالحاضر وتربِطَنا بالمستقبل المأمول دون اهتزاز ولا تَخَوُّف، وبخاصَّة في الجانب الفكري والثقافي.
فسلفنا كان من عهود سحيقة يفتخر بقوة الذاكرة، وبقدرته على حِفْظِ كل المعارف ونقلِها شفاهة، ولكنه حينما رأى أن هذه الذاكرة بدأت تضعف مع توالي الأيام أصبح من الفخر عنده أن يمتلك الفرد أكبر عدد من الكتب. وقد خَصَّصَ الخطيب البغدادي (ت: 464هـ/1070م) في كتابه « تقييد العِلم » فصلا عن «الإكثار من الكتب» دعا فيه إلى:
- عدم التردد في شراء الكتب.
- الامتناع عن بيعها مهما كانت الدواعي.
- تَجَنُّبُ إعارتها لِمَنْ لا يردها، لأن في ذلك إضاعة لها.(5)
وهذا الأمر الأخير هو الذي كان الإمام الشافعي قد أشار إليه بقوله الرائع البليغ:
|
أَيَا مُسْتَـعِيرَ اُلْـكُـتُـبِ دَعْنِـي |
فَـإنَّ إِعَـارَتِـي لِلْكُـتُبِ عَــارُ |
|
وَ مَـحْـبُوبِي مِنَ اُلـدُّنْيَا كِتَابٌ |
فَهَلْ أَبْصَرْتَ مَحْبُوبًا يُـعَـارُ ؟ ! |
فالجوانب الثلاثة التي ذكرها الخطيب البغدادي كان قد استخلصها من التجربة، ومن الواقع المُعَايَنِ. فالكتاب الذي يمكن الاستغناء عنه حاليا قد يحتاج إليه المرء فيما بعد احتياجًا شديدًا، والقارئ الحصيف هو من يقتني كتبا في شتى صنوف المعرفة، حتى تلك التي لا صلة له بها، لأنه قد يأتي وقت ما يُحتم عليه الرجوعَ إليها، فإذا لم تكن في متناول يده ندم ندامة الكُسَعِيِّ. وإنْ هو ضاق بها في لحظة من اللحظات فإنه قد يستمتع بها في لحظات أخرى، وإذا لم يكن لديه من الوقت ما يكفي لقراءتها فسوف يجد ذلك الوقت في الأيام الموالية. ولذلك لا ينبغي التردُّدُ في شراء الكتب، ولا التسرُّعُ في بيعها، ولا إعارتُها لِمَنْ يتهاون في رَدِّها، فربما نستبعد كتابًا من مكتبتنا، ثم نحتاج إليه فلا نجده، فنُحْرَمُ طعمَ النوم، ولذةَ الصفاء، كما وقع لعَالِمٍ باع أحد كتبه ظنا منه أنه في غير حاجة إليه، ثم لما شرع في بحث –كان هذا الكتاب تناوله- بحث عنه فلم يعثر عليه، فَأَدْرَكَ خطورةَ تصرفه، وظل طول ليله واقفا على قدميه من شدة القلق والندم والأرقِ. ومعنى هذا أن بيعَ كتابٍ أو استبعادَهُ أو إضاعته يمكن أن يصيب صاحبَه –إذا كان قارئا عاشقا- بإحباط شديد وضنى موجع.
ولنتأمَّلْ في هذا السياق هاتين القصتين اللتين أوردهما الخطيب البغدادي:
t الأولى : عن قاريء باع كتابا من مكتبته، ولما احتاج إليه لم يجد أي نسخة يشتريها أو يستعيرها، والرجل الذي باع له نسخته رحل إلى بلده. فما كان منه إلا سافر إليه ليُعلمه بأنه لم يَعُدْ يرغب في بيع الكتاب، وأنه سيرجع إليه الثمن الذي أخذه منه، فرفض المشتري، فما كان منه إلا أن ترجَّاه أن يعيره إياه لينسخ منه ما يحتاج إليه، ولكن الرجل امتنع. فعاد إلى بلده محبطا، وأقسم ألا يبيع أي كتاب من كتبه أبدًا.
t الثانية : عن قاريء آخر فرَّط في كتاب من كتبه بالبيع، وبعد مدة احتاج إليه، فذهب إلى من اشتراه منه، وسأله أن يسمح له بنسخ الفصول التي يحتاج إليها من ذلك الكتاب، فرد عليه قائلا: لن تنسخ ما تريد إلا إذا دفعت لي ثمن الكتاب كله، فلم يجد بُدًّا من إعطائه ثمنَ الكتاب في مقابل نسخِ ما يرومه من كتاب كان قد فَرَّط فيه بالبيع. (6)
فالكتب التي تتناول موضوعات بعيدةً عن اهتمامنا في الوقت الراهن قد تغرينا بالتعرف على تلك الموضوعات في فترة ما، وكم من عالم سُئِلَ عن أسباب شرائه كُتُبًا خارج نطاق تخصُّصِه فأجاب بأنه إنما يفعل ذلك لكي يُضيف المجالات التي نتحدث عنها إلى معارفه، لأن مَنْ لا يَعْلَم يجب عليه أن يشتري كتبا ليعلَم. والجاحـظ (ت: 255/868م) ما يزال أسوة حية ماثلة أمام القراء، فهو أحد عشاق الكتب الكِبَار في التاريخ، وأحد الوالهين باقتنائها وإنتاجها. (7) ولا غنى لأي قارئ مهما كانت درجتُه في المجتمع عنها، لأنها أدوات الفهم والترقي والتطور والإبداع. وقد فطِنَ القدماء إلى ذلك، فكان مما يروى عنهم: أن قاضيا اعتادَ أن يستدين لشراء الكتب، وعندما استُفْسِر عن ذلك قال: (ألا أشتري شيئا ارتفع بي إلى رتبة القضاء؟!). فاقتناء الكتب والافتخار بالإكثار منها كان سنة مُتَّبَعَةً، ومَحْمَدَةً مُتَنافسًا عليها، كما كان التنبؤ بتزايدها معروفا، ففي الفقرة الثانية عشرة من الإصحاح الثاني عشر من سفر الجامعة جاء : (إن تأليف الكتب لا يقف عند حد، وإن طلب العلم يضني الأجساد)، وهو تعبيرٌ عن الوعي المبكِّر بتزايد الكتب بدرجة تصعب السيطرة عليها من الناحية النظرية على الأقل، وهذا التزايد لمن يتوجه؟ إنه بالتأكيد إلى القاريء العام، وإلى طالب العلم المُطَالَبِ بنمطين من القراءة في ذلك العهد :
النمط الأول : قراءة وإنتاج مـوادَّ مكتوبة .
النمط الثاني : مناقشة شفاهية لما قُريء وأُنتج
وهذان النمطان من القراءة يساعدان على بناء شخصية قارئة مُحَصَّنَةٍ ضد كل الإسفافاتِ والانحرافات التي تُمَيِّعُ المعنى النبيل المُتَضَمَّنِ في فعل « إقرأ ». وإن العالم ليشهد الآن فيضا هائلا من الكتب التي لا تُحصى، وإذا لم يتم التعامل معها بعقلانية إيجابية، ونظرة انفتاحية سليمة فإن الانزلاق لا محالة سيكون حضاريا، إذ مصير الحضارة معتمدٌ عليها فكل المعارف اليوم مدونة سواء منها ذات الطبيعة الخاصة أو ذات الطبيعة المقدسة، ولم يبق ثمة مكانٌ للنقل الشفهي للمعرفة، كما لم يعد هناك مجال للصراع بين قديم المعارف ومحدثها، وبين الأوائل والأواخر. فالفضاء المعرفي الآن تتواشج فيه القطائع والإبدالات، وتتراكب فيه الأزمنة، وتتبادل فيه النظريات والأفكار والفلسفات المواقع، وتُعِيدُ فيه المقاربات ما كان في حكم القديم حديثا ومعاصرًا، كل ذلك بمفتاح التأويل الذي هو السيد المُجْتَبَى في عصر التلقي. ولا أخال الشاعر العربي القديم كان ينتظر هذا لمَّا قال لِمُجَايِلِيهِ المسكونين بالماضي:
|
قُلْ لِمَنْ لاَ يَرَى اُلمُعَاصِرَ شَيْئًا |
وَيَـرَى لِلأَوَائـِـلِ اُلتَّقْـدِيمَـا |
|
إِنَّ ذَاكَ اُلْـقَدِيـمَ كَانَ حَدِيثـَا |
وَسَيَبْقَى هَذَا اُلْحَدِيـثُ قَدِيمَا (8) |
1?7- جـدَل السياسـي والمعرفـي :
وأمام هذا التدفق المعرفي والاكتساح الإعلامي الذي أصبحت الطباعة إحدى وسائله الأساسية، لم تجد السلطات بمختلف ألوانها بُدًّا من استخدام الكتب لتحقيق أغراضها الإيديولوجية، وتضييق الخناق على التيارات الفكرية التي لا تتفق مع توجهاتها، ولأجل ذلك فرضت ألوانا من الرقابة على الكتب، وحظَرَتْ بعضها حين يكون مناهضا لخطاها، وهو أمر لم يكن له وجود في عصر المخطوطات، ولن يكون في عصر الكتب الإلكترونية. يضاف إلى ذلك أن امتلاك الدولة مطابع عالية التقنية قد ساعدها على نشر وتوزيع نُسخ مجانية من الكتب المتمشية مع سياستها، وبذلك أصبحت صاحبة السلطة في تقرير الكتب التي تُطبع للاستخدام في مجال التعليم.
وهكذا أصبحت السلطة؛ في معظم الأحوال؛ هي الراعي الأساس للكتاب المطبوع في ميدان التعليم والدين، أما طباعة الكتاب غير التعليمي والديني فقد تُركت للمهتمين به تحت شروط الكتاب سوسيولوجية واقتصادية. ولكن متى بدأت طباعة الكتب الدينية تُنَافسُ طباعة الكتب المدنية القديمة والمعاصرة؟ وإلى أي مدى وصلت تلك المنافسة؟ وكيف نَماَ حجم الكتب المدنية بالقياس إلى مجموع ما يُطبع؟
إن الإجابة عن هاته الأسئلة تفرض الرجوع إلى وثائق الناشرين الذين ما زالوا موجودين في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وبخاصة في المراكز الرئيسة للطباعة مثل بيروت واسطنبول والقاهرة وطهران ودراستها، لا لمعرفة عدد ما نشر من الكتب فحسب، وإنما لمعرفة عدد طبعات كل كتاب وحجمه وتسعيرتَه. ومن هذه الوثائق يمكن أن نعرف إلى أي مدى كان الانتقال من عصر المخطوطات إلى عصر المطبوعات سريعا أو بطيئا في كل مركز من تلك المراكز الرئيسية.
ومن المتوقع أن تتفوق التقنيات الحديثة كثيرا في جعلِ الكتب أكثر انتشارا، وأيسر تداولا، وأقل سعرا، وفي خَلْقِ أسواق وطبقات اجتماعية واقتصادية جديدة في المجتمع. فهل حدث شيء من ذلك؟ أَوْ لاَحَتْ مؤشراته في الأفق؟ وإذا كان قد حدث؛ فما مداه؟ وكم كان حجم دَوْرِ الدولة في مواجهة المؤسسات الخاصة التي تشتغل في هذا الميدان؟ وما هي الكتب التي كانت تَلْقَى الإقبال؟ ومن أي الجهات كان يأتي هذا الإقبال؟ وما هي الكتب التي كانت تحظَى بالدعم والتشجيع؟ وما نسبة الكتب التي كان يقرأها القراء في الحقلين: الديني والمدني؟. (9)
وباستقراء هذه الأسئلة سيتجلَّى أن الكِتاب ليس مُجرد وسيلة للاتصال، ولكنه انعكاسٌ بالدرجة الأولى لأحوال المجتمع، وتعبيرٌ بليغ عن الثقافة والفكر فيه. فدوره ومكانته يتأثران بطبيعة هذا المجتمع وظروفه التاريخية وأوضاعه النفسية والسياسية، وسيلمس المتتبع له ذلك منذ ظهر مطبوعًا في أوربا وفي إيطاليا خاصة، قبل أن يظهر في البلاد العربية، إذ أن أول كتاب طُبع بالعربية هو كتاب في الصلوات المسيحية، وكان ذلك في (فانو) عام 1514م، ثم بعده مصحف طبع في (فينيسيا) حوالي 1537م.(10) ولـم يلبث الكتاب العربي أن طبعته دولٌ أخـرى أوروبية
كهولندا وفرنسا وانجلترا وألمانيا، أما أول كتاب عربي طبع في العالم العربي فكان قبل عام 1706م(11)، ثم استمرت الأمور على يد الدوليتين الرائدتين في الطبع والنشر مصر ولبنان، حيث ارتفعت وتيرة الطبع على نطاق واسع في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وامتدت في الارتفاع إلى الآن. ولا يخفى أن هناك علاقة وثيقة بين الكتب والتعليم، فكلما زادت نسبة التمدرس زادت معها نسبة انتشار الكتب، فانتشار المدارس والمعاهد يصاحبه دائما تطور عالِ في إنتاج الكتب.
1?8- تأثير الطباعـة علـى اللغـة :
وليس هذا فحسب؛ وإنما هناك كذلك ذلك التأثير الذي خلفه اتساعُ نطاق الطباعة على اللغة العربية، وعلى تطور قواعد الإملاء وبناءِ الجملة، بحيث أسهم فن الطباعة في تبسيط وتوحيد طُرق كتابة الحروف والكلمات، وفي استخدام علامات الترقيم وتداولها، كما أسهم في إحياء مؤلفات كتبها أصحابُها لزمن آخر، وأُهملت لفترة طويلة، ثُم بُعثت إلى النور بمذاقها السابق نفسه.
فقد كان الكتاب في العالم الإسلامي موجودًا جنبًا إلى جنب مع الرواية الشفهية التي لعبت فيها الذاكرة دورا أساسيا، حيث كان يُنظر إلى الكتابة على أنها أداة مساعدة للذاكرة، وليست أداة تُقلل من الاعتماد عليها، لكن الطباعة عجَّلت بعكس ذلك أي بالتقليل من الاعتماد على الحافظة، وعملت على التأثير في ثقافة العصر والذاكرة، مما يدفع إلى التساؤل حول أنواع التغيير التي أحدثتها، خصوصاً في نوع الكتب المتاحة للقراء، مقارنة بما كان موجودًا قبل ظهورها؟ وكيف حدث هذا التغيير؟ ولماذا؟ وما هي الكتب التي كانت تُطبع؟ وما حجم التراث الذي أصبح متاحا بشكل أكبر؟ وهل يرجع ذلك إلى سهولة إصدار نُسخ متعددة للمخطوطات النادرة؟ أم إلى سهولة الوصول إلى المكتبات والمجموعات التي كان الوصول إليها والاطلاع عليها متعذرا؟ أم إلى توافر المعلومات عن النسخ المخطوطة عن طريق الطباعة بصفة عامة، وفهارس المخطوطات بصفة خاصة؟.(12) فالإجابة عن هذا ستُطلعنا على معرفة الوقت الذي استطاع فيه المطبوع أن يزيح المخطوط إلى مرتبة ثانية، وكيف أفلح في ذلك وجعل القراء يتأقلمون معه نفسيا إلى درجة أصبحوا فيها يبحثون عنه وفيه بدلا من المخطوط، مما أدَّى إلى شِبْهِ اختفاء لعادة قراء المخطوطات لدى عامة القراء، بحيث أصبح لا يقوم بها إلا قلةٌ قليلة من العلماء. فدراسة المكتبات العامة والخاصة، واستخداماتها عبر العصور، لا تبرز أهميتها إلا هنا. (13)
1?9- المطبـوع في طريق تبديـل هيئته :
وعموما؛ فإن العالم الإسلامي قد جنى ثمار الثورة التكنولوجية والثقافية التي أحدثتها الطباعة، ولكنه لم يضع نفسه جِدِّيا في شروط ثورة أخرى تحل محلها تدريجيا، وتُهدد بأفول الكتاب المخطوط والمطبوع معا، ونعني بها ثورة الكتاب الإلكتروني المقروء آليا، فهذه الثورة الرقمية كفيلة بتغيير كل الحسابات التي يراهن عليها الكتاب المطبوع الآن، وحتى من دونها فقد بدأ يفقد سلطانه على الكثيرين من القراء بعد أن كان وسيلة الاتصال الجماهيري الكبرى التي لا ينافسه فيها، لا الرواة، ولا المنشدون، ولا حتى الإذاعة والتلفزة والسينما والمسجلات منافسة حقيقية. إذ الكلمة المطبوعة كان لها سحر وقداسة، وصدارةٌ في قلوب الناس، ولم يكن لها منافسون أقوياء كما هو الحال اليوم مع الكتاب الإلكتروني.
ولكن ينبغي ألا ننخدع بالمظاهر التقنية البراقة في الكتاب الإلكتروني، فهو من بعض الوجوه يُمثل عودةً إلى أحد ملامح عصر المخطوطات، لأن النسخ ستخضع لتغييرات وتعديلات مستمرة، وسوف يُصبح بالإمكان- استخدام وسائل متعددة للاتصال-إنتاج نسخة واحدة في الحال في أي مكان من الأرض، بل وفي مكان يبلغه الإنسان خارج هذا الكوكب الذي نعيش فيه، ومن هذه النسخة الواحدة يمكن إنتاجُ عدد لا نهائي من النسخ واستخدامه وتوزيعه.
فالكتاب الإلكتروني والكتاب المقروء آليا والمُكوَّن من نص رقمي وأشكال رقمية، أو مزيج من النص الرقمي والأشكال، سَيَحُلُّ إن عاجلا أم آجلا محل الكتاب المخطوط والمطبوع معا، لأنه أيسر وسيلة للوصول إلى ما تحتويه الكتب من معلومات. ومع السرعة التي تتطور بها التكنولوجيا لا يمكن التنبؤ بأشكال الكتاب الإلكتروني والكتاب المقروء آليا، ولكن المؤكد هو أن أهمية ميزة الكتاب المطبوع هي الانتشار الواسع، والسعر المناسب، وهذه الميزة سوف تتيح استمرار أنواع معينة من الكتب المطبوعة كالكتب الشعبية. وفي المقابل فإن كثيرا من المؤلفات العلمية، وكلَّ المؤلفات ذات الطبيعة الخاصة كالمؤلفات الغنية بالرسوم والخرائط والجداول والبيانات والزخارف ستكون إتاحتها في شكل إلكتروني أيسر، وسيجري تداولها عبر الكرة الأرضية من دون حاجة إلى طبع عدد كبير من النسخ الورقية. وإن المخطوطات سوف تنتقل مباشرة من الشكل المخطوط إلى الشكل الإلكتروني والمقروء آليا من دون المرور بمرحلة الطباعة... ولكن هل سيتم هذا التحول بنجاح؟ أم سيواجه صعوبات تؤدي إلى تعثره؟ تعتمد الإجابة عن ذلك على عدة أمور؛ منها :
أ - مدى الرغبة في المزيد من المعرفة عن المخطوطات.
ب - الدروس المستفادة من الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، والمشاكل التي صاحبت هذا الانتقال.
ج - مدى القدرة على مواجهة الصعوبات التي ستواجهنا عند التحول إلى الكتاب الإلكتروني والكتاب المقروء آليا.
د- الاستراتيجية المعتمدة عند الشروع في هذا التحول.(14)
هوامش الفصل الأول
1- توماس كارليل: كتابالأبطال، ترجمة: محمد السباعي، ط1، دار المعارف، تونس، غشت1986م، ص: 214
2- جورج عطية: الكتاب في العالم الإسلامي، ضمن كتاب « الكتاب في العالم الإسلامي » سلسلة (عالم المعرفة)، العدد297، تحرير: جورج عطية، تر: عبد الستار الحلوجي، المجلس الوطني للثقافةوالفنونوالآداب، الكويت، أكتوبر2003م، ص ص: 11،10
3- محسن مهدي: من عصر المخطوطات إلى عصر المطبوعات، ضمن كتاب« الكتاب في العالم الإسلامي » سلسلة (عالم المعرفة)، العدد 297تحرير: جورج عطية، تر: عبد الستار الحلوجي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أكتوبر2003م، ص:22.
4- فرانزروزنتال: عالم الكتاب..عالم بلا نهاية: النظرة الإسلامية التقليدية، ضمن كتاب« الكتاب في العالم الإسلامي » سلسلة (عالم المعرفة)، العدد297مرجعمذكورةمعطياته، ص ص: 33.
5- الخطيب البغدادي: تقييد العِلم، تحقيق: يوسف العش، ط2، دمشق1975م، صص:137، 136 .
6- الخطيب البغدادي: المرجع السابق، ص:138.
7- فرانزروزنتال: مرجعمذكور، ص: 38.
8-حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، تحقيق: شرف الدين يالقايا ورفعت بيلكه الكليسي، اسطنبول1971م، ج 1، المقدمة، عمود:39 .
9- محسن مهدي، مرجع مذكور، ص ص: 24، 23.
10- جورج عطية: الكتاب في العالم الإسلامي : لبنان ومصر نموذجا، ضمن كتاب « الكتاب في العالم الإسلامي » سلسلة (عالم المعرفة)، العدد297، تحرير: جورج عطية، ترجمة: عبد الستار الحلوجي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أكتوبر2003م، ص:309، هامش رقم1.
11- المرجع السابق، ص:212.
12- محسن مهدي، مرجع مذكور، ص:27
13- المرجع السابق، ص:29.
14- نفسه، ص:29.