في تحولات الكتاب وجمالية التلقي - كتاب د. أحمد بلحاج آية وارهام
د. أحمد بلحاج آية وارهام
في تحولات الكتاب وجمالية التلقي
القســـــم الأول
تحـولات الكتــاب
صراع أفقيـن معرفييـن لجـذب
ذاكـرة منفلتـــة
" لا يمكن أن نتجه صوب المستقبل دون أن نستند إلى الماضي، فما ينتمي إلى الحاضر فقط، يتلاشى بتلاشيه ."
ميخائيل باختين.
ثورات معرفية فتحت عالـمَ المحلوم به :
بالمعرفة قفزت البشرية قفزات نوعية إلى عالم المحلوم به، وإلى المحجوب الذي كان مُتصوَّراً على أنه ضربٌ من ضروب المُحال. وقد أهلتها لهذه القفزات ثوراتٌ علمية أساسية؛ نذكرُ من بينها:
1- الثورة التي أذكاها اختراع العَجَلَة، فقد كان الاختراعُ أساساً لكل التطورات التقنية والحضارية التي أتت بعده.
2- الثورة التي أجَّجَها اختراعُ الكتابة، والتي بفضلها انتقلت المعرفة من الدور الشفاهي إلى الدور التدويني القابضِ على ما كان القبضُ عليه مستحيلا، والمستحضِر لِمَا كان في حُكْمِ الذائب في الهواء. ويجدر بنا هنا أن نستحضر موقف الفيلسوف الإغريقي أفلاطون من هذا الاختراع، فهو بحُكْمِ انتمائه إلى الثقافة الشفاهية أبدَى انزعاجه وتذمُّره من الكتابة. لماذا؟ هل لأنها تشوش عالم المثل الذي يستقي منه وتُخَلْخِلُهُ، أو بالأحرى تُقيده؟، أو لأنها تُهَدِّدُ سلطة الثقافة الشفاهية التي يمثلها ويقبض عليها؟. يقول في رسالته السابعة الموجودة ضِمن محاورة "فِيدْرُوسْ" على لسان سقراط: (إن الكتابة غير إنسانية، تَدَّعِي أنها تؤسس خارج العقل ما لا يمكن في الواقع أن يكون إلا داخله، ذلك أنها شيءٌ، ناتج مصنوعٌ، فهي تُدَمِّرُ الذاكرة. وأولئك الذين يستخدمونها سوف يصبحون كثيري النسيان، لأنهم يعتمدون على مصدر خارجي لِمَا يفتقدونه في المصادر الداخلية.)(1) فهو يعادي الكتابة لأسباب ثلاثة:
أولها: كونها شيئا لا إنسانيا.
ثانيها: كونها تؤسس خارج العقل ما لا يؤسس إلا داخله.
ثالثها: كونها تُدَمِّرُ الذاكرة، وتقود إلى النسيان.
أمَّا عقلاء أجدادنا فقد كانوا يُحَبِّذُونها، ويحثُّون عليها
بقولهــم:
الْعِلْـمُ صَيْدٌ، وَاُلْكِتَـابَةُ قَيْدُهُ
قَيِّدْ صُيُودَكَ بِاُلْحِبَالِ اُلْمُوثِقَهْ
3- الثورة التي أحدثَها اختراعُ الصفرِ في مجال الرياضيات والعلوم المرتبطة بها.
4- الثورة الكُوبِّرْنِيكِيَّةُ التي قادت الإنسان إلى الفضاء الخارجي بخطى عقلانية، لا أثر فيها للسحر أو التنجيم أو التَّخَرُّصَات المتمسِّحة بالدين.
5- الثورة الجُوتَنْبِيرْجِيَّة التي وضعت حدًّا لاحتكار المعرفة باختراع الطباعة، وأخرجت الكتاب من أقبية المخطوطاتِ المحدودةِ التداول إلى سماء المطبوعاتِ الواسعةِ الانتشارِ، ومن المنغلِق إلى المنفتِح.
6- الثورة التكنولوجية التي نعيش مَباهجها الآن في شتَّى الحقول الحياتية جَليلها وحقيرها. فهي خلاصةُ الثورات العلمية السالفة، ومفتاحُ الإنسان لتحقيق الوجود الحق والناصع، إذْ بدون الدخول فيها لن تتعزز كينونتهُ، ولن تتفتحَ إنسانيتُه. أليس بفضلها أصبح الكون قريةً في حجم الكف نراه ويرانَا؟ فمن يستطيع إذن أن يقول: إني لا أريد أن أرى كفي؟ أو لا أودُّ العيشَ فيها أو التعايش معها؟. إن رأيا كهذا معناه اختيارُ الذهاب إلى العصر الديناصوري، أي اختيارُ الانقراض من حظيرة الوجود الخلاق والفعال.
1? أمـة ألغت الكلمة التي ربطتها بالسماء :
فماذا نروم من وراء هذه الإشارات؟
وما الغاية من ذِكر هذه الثورات؟
أكيدٌ أننا نريد من خلال ذلك كله الإيحاء بتاريخ الكتاب والكتابة في الحضارة الإنسانية بدءاً من الرُّقُومِ والألواح الطينية، ومروراً بالحَجَر والعظم وسَعَفِ النخل والجِلْدِ والأَدَمِ، إلى الورق والأقراص المُدْمَجَة، ثم التنبيه – في سياق الاحتفاء باليوم العالمي للكتاب المُكَرَّسِ له 23 أبريل من كل سنة – إلى أننا نحن الأمة الإسلامية - أُمَّةٌ لا تقرأ، وحتى إذا قرأتْ فإنها لا تعي ما تقرأ، أو لا تُفَعِّلُهُ في الزمن. كأنها تستحلي أن تكون خزَّانًا مرصودًا على الذات يتآكل بتآكلها، وينتهي بانتهائها، وذاكرة مطمورةً لا تومضُ إلا بما كان، وليس بما يكون أو سيكون.
أليسَ من المفارقة أن نكون أولَ أُمَّةٍ في الوجود ارتبطت بالسماء عن طريق كلمة "إقرأ"، وآخر أُمَّةٍ الآن في سلَّم القراءة والأمية؟!، إن أوجهَنَا في مرآة الكون لا تُعْجِبُ أحداً، لأنها أَوْجُهُ استهلاكٍ واتكالٍ، لا أوْجُهَ إبداعٍ و تشَوُّفٍ إلى الكمال، وقراءةٍ لمُمْكِنَاتِ اُلْمُحَال.
1?القراءة تحقيق للبعد الأنطولوجي للإنسان:
إن الكتابة والقراءة – وما اشتُقَّ منهما- في اللغة العربية تَدلان على الجمع والضمِّ والتركيب والبناء، وعلى تأليفِ ما لم يُؤَلَّف بعدُ. فهما جمعٌ لحروفِ ومفرداتِ اللغة التي هي وعاءُ الكائن والكون وفهْمٌ لها، كما أنهما تكوينٌ لنظُمٍ وبُنىً وحالاتٍ يطبعها التجانُس والتوحُّدُ والتناغُمُ، وتضوع فيها الدلالات. وإذا كان التنزيل هو كتاب الله المتلوُّ فإن الكون هو كتابه المشاهدُ بتلاوة البصَـِر والبصيرة، وبين لحظة التلاوة والمشاهدَة يتم الخرقُ والكشف والاكتشاف، وتتحقق الذات في بُعْدِها الأُنطولوجي؛ أي بُعْدِ التعرُّف والتعارف والائتلاف الذي لا يلغي مدار الاختلاف والتمايز. فالقراءة فعلٌ معرفيٌّ بَانٍ لِمَا لَمْ يُبْنَ بَعْدُ في مَناحي الذات والكون، والتخلِّي عن هذا الفعل هو تخَلٍّ عن الجوهر الإنساني فينا، ودخولٌ في فضاء العَيبِ والعار والخِزْيِ الذي قال عنه الفيلسوف المغربي المرحوم محمد عزيز الحبابي: "حرامٌ علينا أن نغذيَ جسومنا، ونترك عقولنا بدون تغذية".
1? صراع أفقين معرفيين.. أهو صراع لإعلاء الذاكـرة :
ولكن؛ ما هي المصادر المعرفية التي سنغذي بها عقولنا؟ أهي تلك الآتية من أُفُقٍ وَرَقي؟ أم تلك القادمة من أفق إلكتروني؟ وما موقف الذاكرة من الصراع المحموم القائم بين هذين الأفقين؟ ثم هل في مُكْنَةِ الكتب الورقية راهناً أن تستجيب لطموحاتنا، ورغبات عقولنا في اللحظة التي تكتسح فيها الثورة الرقمية أخصَّ خَصَائِصِنا، وتُشْعِل فيه الكتب الإلكترونية الفتنةَ في عقولنا وخيالنا ووجداننا؟ أليس الركونُ إلى الأولى مؤشرًا على البقاء في نقطة التخلفِ المُضَاعَفِ؟ وهل النشر الإلكتروني إعلان عن موت حضارةِ الورق؟.
لن ندخل في تفاصيل هذه الإشكالية، وما يتفرَّعُ عنها من قضايا تتعلق بأزمات الكتاب الورقي قراءةً وطبعاً ونشراً وتوزيعاً وصناعةً، ولا بالهواجس التي يثيرها بزوغُ الكتاب الإلكتروني، لأن ذلك كله سيُدْخِلُنَا في سراديبَ ومتاهاتٍ لا حصر لها، وسيجنحُُ بنا عن المراد الذي هو تعميق فعلِ القرَاءَةِ لإثبات الوجودِ في كونٍ لا قَدَمَ فيه إِلاَّ لِمَنْ يَتَحَكَّمُ في هذا الفعلِ، ويُصَرِّفُهُ حسب مشيئته ونزوعاته. فأنتَ تقرأ معناه أنك تعرفُ الوجود وتملكه، وتصوغُهُ طِبقا لقدراتك المعرفية. والمعرفة –كما أكد ذلك ميشيل فُوكُو- سلطةٌ وقوة ورأسُ مالِ الرساميل المادية والرمزية، لا يَنْفُذُ الإنسان إلى أقطار الأرض والسماوات إلا بها، فهي السلطان المُشار إليه في القرآن.
1?وجهـان لسلطـان المعرفـة:
وهــذا السلطــان له وجهان :
أ- وجهٌ لَدُنِّيٌّ باطِنٌ؛ تناوله الصوفية بدقة وإحكام في مصنفاتهم، وأبرزُوا ملامحه بقلبِ العارفِ، وكلمات الوالهِ المُسْتَمَدَّةِ من مشكاة الذَّوْقِ والكشفِ والخرقِ والفيضِ والانغماسِ في حضرةِ الشهودِ.
ب- وجهٌ اكتسابيٌّ ظاهِرٌ؛ يتعرفُ عليه المرء بجدِّهِ وجهده، وبمدىَ قابليته للانخراط فيه، والتوغل في جغرافيته، إذ كلما كان فِعْلُ القراءة لديه مُتَوَهجاً وقويا وجزءاً مُهِمًّا من وجوده، كان هذا الوجه سِمَةً من سماته، و فضاءاً من فضاءاته جاذبا لكل ما عدَاهُ.
وبهذين الوجهين للمعرفة تتكَون دائرة الكون في باطنه وظاهره. والدائرة إذا شَطَرْنَاهَا أفقيا إلى شطرين فإننا سنحْصُلُ على نُونَيْنِ : نون علوية مقلوبة، ونونٍ سُفليةٍ على الوضع الذي أَلِفْنَاهُ لها. فالأولى حسب العافين الربانيين – عبارة عن جُزْءِ الكون العُلوي المحجوب عنا، أيْ عن الغيب الذي لاَ يَطُولُهُ العقل، وإنما يَطُولهُ الوجه المعرفي اللَّدُّني، ولذلك لا تظهر لنا هذه النون العُلوية المقلوبة أثناء الكتابة إلاَّ كنقطةٍ افتراضية. أما الثانية فهي عبارةٌ عن الجزءِ السُّفلي من الكون الذي نعيش فيه، وهو جزءٌ مادِّي يساعدنا الوجه المعرفي الاكتسابي على اكتشافِهِ وفهمِه والتعاملِ معه. ولذا يغدو بدوره نتاجاً جديداً خارجاً من أعطاف المقروء، دون أن يطابقه بالضرورة، ودون أن يخضع لشرطه.(2)
فمن أي مقروء سيخرج هذا الإنتاج الجديد؟ أَمِن مقروء النشر الورقي؟ أم مقروءِ النشر الإلكتروني؟. إِنَّ أُولَى سنوات هذه الألفية الثالثة قد أَثبتت أن رقعة النشرِ الإلكتروني قد اتسعت على حساب النشر الورقي في عَالَمِ الشمَال المُعَوْلَمِ، وأَنَّ عَالَمَ الجنوب الذي لم يَتَعَوْلَم بَعْدُ سيحتاج إلى ثلاثين عاماً على الأقل لِيُصْبِحَ له نصيبٌ يُعتد به في هذا المجال.(3) فالشماليون المُعَوْلَمُون يستخدمون الآن لإنتاج المعرفةِ وتوثيقها وصِيَانَتِها وتيسيرِ سُبُلِ تداولها وسيطاً آخر غير الورق، وذلك عن طريق النشر الإلكتروني وتكنولوجيا المعلومات، وبدأوا يَسْتَغْنُونَ عن الكتب والمعاجم والموسوعات الورقية المتعدِّدَةِ الأجزاءِ والضخمةِ الحجمِ؛ والتي كانت تحتل أرفُفاً كبيرة في البيوت والمكتبات، واستبدلوا بها الوسائل الإلكترونية الحديثةَ المتميزةَ بالدقة والخِفة والسهولةِ واليُسر في الثمن والمرونة في التداول. فالأوْعِيَّةُ المعرفية الورقية التي كانت نادرة، وصعبة الاستعمال، وباهضة التكاليفِ، ومُضْنِيَةَ التداولِ، أصبحت تتوفر في الأسواق في صورة بديلةٍ أرخصَ وأسهلَ وأخفَّ وأقلَّ حجماً بملايير الملايير ِ من المرات، بعد أن أصبح بالإمكان تخزينُها كاملة في أسطوانة مُدْمَجَةٍ واحدة، أو أكثر من أسطوانة إذا كانت بالغة الضخامة. وبالضغط الخفيف على زِرٍّ في الحاسوب الشخصي تصلُ فوراً إلى المعلومة التي تود الوصول إليها دَاخِلَ صفحات تلك الكتب التي تصلُ إلى ملايين الصفحات.
وهكذا صار بإمكان مستخدم الحاسوب اقتناءُ كل مصادر المعرفة التي يريدها، والتي كانت ورقية، بعد أَنْ أضحت مُخَزَّنة بالكاملِ في أقراص مُدْمَجَةٍ زهيدة الثمَنِ إلى حد المجانية بالمقارنة مع ثمنها في حالتها الورقية. وعندما ترتفع الدخولُ الفردية بوتائر عالية، فإن الطريق السيار للمعلومات سيشتغل أكثر مِمَّا هو عليه الآن؛ إذْ سيصل إلى كل المؤسسات والمنازل، وحينذاك لن يحتاج الإنسانُ إلى الأقراص المُدْمَجَةِ لامتلاك المحتوى الكامل للكتب والدوريات والوثائق التي يرغب فيها، لأنه سيكون بمقدوره الوصولُ إليها مباشرة من حاسوبه الخاص، حيث ستربطه شبكة الطريق السيار للمعلومات بمكتباتٍ إلكترونيةٍ ضخمةِ المراجع والموسوعات والدوريات ومُخْتلِف ألوان المواد المنشورة وغير المنشورة من معلومات ووثائقَ وغيرها.(4) وإضافة إلى هذا؛ فإنه لن يقرأ النص فحسبُ، بل سيتفاعل معه أيضا من خلال الوسائط المتعددة، أي من خلال الصوت والصورة، حيث يمكنُهُ وهو يقرأ موضوعاً في كتاب ما، أو دوريةٍ مَا أن يرى على شاشة الحاسوب في الوقت ذاته فيلماً متحركاً حول الموضوع نفسه، أو رُسُوماً متحركة ومقطوعة موسيقية كخلفية مُتَمِّمَةٍ ومُعَمِّقَةٍ للمعنى الذي يقرأه، أو يسمعُ صوتاً جميلاً يقرأ له النصَّ الذي على جهازه الشخصي.(5) فهو – والحالة هذه – لن يكون في حاجة إلى شراء أي مطبوع ورقي يرغب فيه، إذْ يكفيه الاشتراكُ في نوادي القراءة والمكتبات التي توفرها شبكة الإنترنيت لأعضائها، حيث سَيُلْفِي في حاسوبه عبارة (أدخل رقم عضويتك إذا أردتَ قراءة هذا الكتاب الجديد).
إن ثورة الاتصال المعلوماتي هاته لن تحجب عنا مباهِجُها الظاهرةُ تلك الانعكاسات الخطيرةَ التي قد تنجُمُ عنها في راهن ثقافتنا وقابِلها، وبخاصة فيما يتعلق بآليات نشر وتوزيع المُنْتَجِ الإبداعي والجمالي والفكري والعلمي لهذه الثقافة. فَبِنْيَةُ النشر العربي بنيةٌ هشة لا تستطيع الانتقال من النشر الورقي إلى النشر الإلكتروني بخطى سريعة وعقلانية، لأنها بالأساس محكومةٌ بشرطها الفردي والنفعي، لا بالشرط التاريخي والحضاري، ومن أجل ذلك ستبقى رهينةَ عجزها وتصوراتها الربحية اللامستقبليةِ، ما دامت لم تُوَحِّدْ جهودها في إطار استراتيجية عربية شاملة، ومسكونةٍ بهمِّ المسؤولية عن المستقبل، وسيبقى الكتاب الورقي مُرتفعَ التكاليف، وبعيدا عن القارئ. وفي المقابل سَيَعرف الكتاب الإلكتروني طفرةً نوعية وانتشاراً واسعاً، لأن ناشريه – الذين تركوا التعاملَ مع الورق كوسيط لإنتاج المعارف – وضعوا أمامهم استراتيجية تتمثل في:
1. توفيرُ أموال طائلة تُصْرَفُ في شراء الورق والأحبار وآلات الطباعة والصيانة.
2. توفيرُ ما يصرف أو يُخصم من نسب البيع في توزيع المطبوعات في مختلف البلدان.
3. تخفيضُ تكلفة المطبوع أيًّا كان مجاله بالنسبة لمُسْتَخدِم الحاسوب في القراءة.
4. زيادة كمية التوزيع باتساع فُرص الوصول إلى شبكة الإنترنيت من جانب مئات الألوف من القراء المحتملين.(6)
والواقع أن هذا التطورَ الكبيرَ في وسائل وآليات نشر الإنتاج الثقافي والفكري والعلمي والفني لَيُثِيرُ شجوناً شتى، وعديداً من المشكلات المحيرة؛ نأتي على بعض منها في التساؤلات التاليـة:
§ في المستقبل المنظور؛ هل يتخلى الناس عن الكتب الورقية شكلاً وجمالية وتداولا؟
§ وما مصيرنا نحن البشرَ الذين ارتبطنا بالكتب الورقية نفسيا وذهنيا على نحو يعتبر جزءًا من وجودنا؟
§ وماذا لو اختفت الكتب الورقية من عالمنا، وحلَّتْ مكانها كتب رقمية أو إلكترونية أخرى؛ هل ستبقى لنا نفس الحميمية مع هذه الكتب؟
§ ما الذي سنخسره؟ أو نكسبه؟ وما الذي سيخسره أو يكسبه غيرنا من أجيال تالية بزوال الكتاب المطبوع؟
إن الجيل الراهن من قراء الكتاب المطبوع سيغادر لا محالة المكانَ خلال 20 أو 30 عاما على الأكثر ليخلفه جيل الكتاب الإلكتروني، فهل سيصمد هذا الكتاب لمكر الزمان، وللتقلبات الإيكولوجية والنفسية والذهنية كما صمد الكتاب المخطوط والمطبوع والمنقوش على الألواح والرُّقُمِ وأوراق البردي؛ والذي ما يزال يراوغ مكر الزمن؟. أعتقد أنَّ الأقراص المُدْمَجَة وكلَّ أشكال النشر الإلكتروني لن تكون قادرة على هذا الصمود، زيادة على أنها غير محصنة من التلاعبات؛ إذ كثيراً ما تكونُ عُرضة للتزوير والتحريف والتبديل من طرف مُتلقيها، حيث يُغَيِّرُونَ فيها ويُبَدِّلون بواسطة استعمال حواسيبهم، ثم يُعيدون بثَّها من جديد. هنا نقع في ورطة الانتحال، ويجابهنا السؤال: أين النسخة الأصل؟ وما مقدار العبث فيها؟ وهل النسخة التي نتلقاها في موقع من المواقع على الشبكة هي النسخة الأُمُّ التي كتبها المُؤلف؟ مما يعود بنا إلى عصر المخطوطات وطريقة تحقيقها وضبطها والتعريف بهُويتها.
في حين أن الكتاب المطبوعَ والمرقمَ ترقيماً وطنيا ودوليا لا يمكن أن يَتسرب إليه هذا بتاتًا وإن كانت قرصنتُهُ تجاريا ممكنةً، أما الإلكتروني فهو معَّرَّضٌ للتحريف والقرصنة معا. فإلى أي كتاب من هذين نسكنُ؟ ومن أين تأتي السكينة إذا كانت الثورة الرقمية تعمل على محو حضارة الورق ظاهراً، وتعتمد عليها باطنًا، حيث أن معظم من يتعاملون مع الكتاب الإلكتروني يعمِدُون إلى إخراجه من حواسيبهم كتابا ورقيا؟!.
1?فعل لا يتحدد بمفعول :
وكيفما كان الحال؛ فإن فعل القراءة يبقى هو مقصدَ المقاصد في هذين النوعين من النشر، ولكن أية قراءة نقصد؟ أهي قراءة عبورٍ على السطور والتقاط معانٍ وكلمات من هنا وهناك قصد التسلية والمتعة النفسية وتزجية الوقت لا غير؟ أم هي أعمق من ذلك؟ إن فعل القراءة المطلوب يعني عملية التفكير والفهم، والتحاورِ مع المقروء، وعمليةَ الابتكار انطلاقًا منه وتجاوزًا له، وهذا المعنى هو الذي أصبح متداولا الآن في الأوساط الفكرية، باعتباره خبرةً محددةً في إدراك شيء ملموس في العالم الخارجي، ومحاولةَ للتعرف على مُكوناته وفهمِ هذه المكونات وظيفةً ومعنى. (7) فالقراءة من هذه الوجهة؛ ومن وجهة الوحي المتمثلة في "إقرأ"؛ لا تتحدد بمفعول، مما يؤيد أن المقصود بها هو التوجيه لذات الممارسة والفعلِ، واستكناهُ التمايزات في المقروء على اختلاف حقوله، ومنظومات فكرية وأدبية وعلمية وجمالية جديدة لم يُفصح عنها المقروء.
1?حق الذاكرة في الاختيـار:
وإذن؛
فإن من حق الذاكرة أن تعانق أي أفق من هذين الأفقين المعرفيين المتصارعين من أجل الفوز بها، سواء أكان أُفُـقَ الكتاب الورقي أم أُفُـقَ الكتاب الإلكتروني، ولكنَّ الذي ليس من حقها هو أن تنصرف عنهما معا، لأنها بذلك تُلغي وجودَها وتسْتَقِيلُ من ماهيتهاالإنسانية، ومن مسؤوليتها في تأثيث الكون بقيم الجمال والروحية والإبداع.
هوامش القسم الأول
1- د. محمد المخزنجي: "في انتظار الكتاب الإلكتروني: قراءة ثقافية نفسية"، ضمن كتاب العربي 55 (مستقبل الثورة الرقمية: العرب والتحدي القادم)، ط1، 15 يناير 2004 م، الكويت، ص: 125.
2- عبد الفتاح الشاذلي: " القراءة وفعل التجاوب"، (العلم الثقافي)، السنة 35 ، السبت04 ربيع الأول 1425 هـ/24 أبريل 2004م، ص: 6.
3- د. سليمان إبراهيم العسكري: "عالمنا العربي ومستقبل الثورة الرقمية، ضمن (كتاب العربي 55) المشار إليه، ص: 3.
4- المصدر السابق، ص:4.
5- نفسه، ص: 5
6- نفسه، ص: 6
7- الشيخ حسن الصفار: "كيف نقرأ الآخر"، مجلة (الكلمة)، العدد 40 من السنة 10، صيف 2003م/ 1414هـ، فصلية تصدر عن منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، بيروت، ص: 7.