في تحولات الكتاب وجمالية التلقي - كتاب د. أحمد بلحاج آية وارهام - على حلقات

مكتبة جماليا قرأها 1,593
 

د. أحمد بلحاج آية وارهام

في تحولات الكتاب وجمالية التلقي

على سبيل التقديـم

قَلَّ الثِّقاتُ فـإن عَلِقْتَ بواحـد

  فاشْدُد يديك عليه فهو وحيد

مهيار الديلمي

أرى أن سيدي أحمد بلحاج آية وارهام من الثقات القلائل الذين يجدر بالمرء أن يعلق بهم وأن يشد على أياديهم النظيفة أكثر من الملائكة. وجدارته بهذا الأمر قائمة على أربعة أمور متكافلة :

أولها : أنه رَجُـل بكل ما تتضمنه الرجولة من قيم الشهامة والنبل والكرم والأنفة وعزة النفس والتواضع ونكران الذات والشرف واليقظة الدائمة والقدح في الخطوب بهمة وعزيمـة؛ والأمر الثاني قوامه أن الرجل هذا وحيد في سَمْتِه وصفاته وفي طباعه وأخلاقه، وفي مسلكياته وممارساته، إنه باختصار الرجل الوحيد الذي رآه الشاعر قديما بين "رجال" كثيرين؛ ومدار الأمـر الثالث أن الرجل الوحيد شاعـر يمتلك في مناسك الفضل ومناقبه مشاعر، ولا نعثر في شعره على سطر يُتحكَّم عليه بلووليت، يقول القول وهو مجيد، فتأتي القصائد أتراباً اختلفت شفاههـن على ماء العناقيد؛ أمَّا ملاك الأمر الرابع فالرجل الوحيد الفريد الشاعر كاتب : " تحت كل من كلماته كاعب، وهي مصبوبة في قوالب القلوب، نزيهة عن مقالب الجيوب، وبمثلها يعتذر الدَّهر المذنب عن الذنـوب".

ولست بهذا الحديث مُدْهِناً ولا مداهناً ولا مهادناً، لأنَّ هـذه مواصفات من لا خير فيه، وإنَّما القصد الشهادة على ما أنجزه الشاعر أحمد بلحاج آية وارهـام في يوم مشهود من العـام 2006، وهو بالتحديد يوم الجمعة 21 أبريل؛ إذ في هذه الجمعة التاريخية نظم اتحاد كتاب المغرب – فرع مراكش، بقيادة الأستاذ القدير النقيب إبراهيم صادوق. ندوة وطنية في موضوع : الطباعة وتحديث المجتمع، احتفاء باليوم العالمي للكتاب، وتكريما للحاج محمد بنمنصور المدير العام للمطبعة والوراقة الوطنية أو "المعلم" الذي لا تحفـى أياديه البيضاء جهويا ووطنيا وقومياً في مجالي الوراقة والطباعـة.

وقد التأمـت النـدوة على امتـداد يومين عبـر مداخلات وإسهامات أساتذة وفاعلين ثقافيين واقتصاديين من العيار الثقيل والوازن : د,أحمد شوقي بنبين : د.محمد رابطة الدين، ذمحمد الطوكي، دة. لطيفة الـﮕـندور، د. مولاي يوسف الإدريسي، ذ.أحمد بلحاج آية وارهام، ذة حليمة الطاهري، د.حميد الصولبي، د.نورالدين إيمان، د.جمال بوطيب، د. مصطفى لعريصة، د. عباس أرحيلة، د.محمد أيت الفران، ذ. عبد العزيز بغداد، ذ. البشر الكعبة، د.عبد العزيز جسوس، ذ. النقيب إبراهيم صادوق (هيئة المحامين بمراكش)، الشاعرة نجاة الزبير (اتحاد كتاب المغرب-فرع مراكش) أحمد صيلان (مؤسسة صيلان)، الحاج أحمد بتمنصور (المطبعة والوراقة الوطنية) ذ.مصطفى فراق (بلدية سيدي رحال) عبدالرحيم العيسوي (مؤسسة الإدريسي للمكتبيات والإعلاميات) والمدير العام بمؤسسة البشير للتعليم المدرسي الخصوصي، وفرقة جمعية هواة الملحون، علاوة على مجموعة الغيوان الجُدد ممثلة في الشاعر الزجال عبد الرحمان سمتـور والفنان رشيد المسعودي والفنان يونس باكو والفنان ياسين باكو وهما معا من سلالة الفنان العظيم عبد الرحمان باكو الذي يعرف الجميع أنه المؤسس الفعلي والوريث الشرعي للرأسمال الرمزي الغيواني في مغرب العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشريـن.

ومن جميل الصدف في سياق هـذه النـدوة الاحتفائية التكريمية صدور ثلاثة كتب ذات أهمية استثنائية : كتاب الدكتور عبد العزيز جسوس وهو جملة قراءات في الأدب المغربي الحديث (منشورات الزاوية التي يشـرف عليها الأستاذ والروائي المتألق د.إدريس بلمليح)، وكتاب الدكتور محمد رابطة الدين  عن الوراقة بمراكش زمن الموحدين، والذي ساهم بتقديمه الدكتور رشيد السلامي وكتاب القاص الجميل عبد الرحيم الرزقي : سيلان من شقوق، وهو إكليل من الأقاصيص ساهم في تقديم عطوره للحاضرين والناظرين الشاعر عبد العالي بوحمدان والأستاذ الشاعر عبد العاطي جميل والشاعر الزجال نور الدين بنخديجة والزجـال الأنيق عبد الرحمان سمتور.

ويشكل سابق المعطيات بدلالاتها الرمزية والمادية السياق الخاص والمباشر الذي أنتج فيه كتاب الشاعر أحمد بلحاج أية وارهام في تحولات الكتاب وجماليات التلقي؛ وضمن شجون الحديث عن السياق يمكن التذكير مجدداً بأن الاحتفاء بالكتاب في يومه العالمي وتكريم الحاج محمد بنمنصور المدير العام للمطبعة والوراقة الوطنية يشكلان معاً واحداً من الحوافز التي جعلت الشاعر العظيم أحمد بلحاج آية وارهام ينخرط عن معرفة وبها في شؤون الكتاب وأسئلة تلقيـه.

ولا مجال للريب في أن الكتاب، بصيغه المخطوطة والمستنسخة والمطبوعة، وبصفته صناعة ثقافية، لعب على امتداد تاريخ المغرب- دورا هاما في ترويج الخيرات الرمزية وتبادلها وتسويغها؛ ولا مجال للشك بعد ذلك أن الطباعة نهضت بوظيفة جوهرية في إدمـاج المغرب ضمن سيرورة الزمن الحديث، وفي نشر الثقافة والإنتاجات المتخيلة والمُمَفهمة على نطاق واسـع.

والواقـع أن التواصل المكتوب يرقى في وجوده إلى آلاف السنوات، إذ مـارس الصينيون الطباعة منذ القديم، ولم يعمل كوتنبرغ شيئا آخر غير تحسين طرائق الطباعة عبر حروف رصاصية متحركة، وذلك في الألـزاس عام 1440م. وفي العام 1857، تم تشغيل آلات مختصة في صناعة الورق انطلاقا  من الخشب؛ وابتداء من العـام 1860، تحسنت المطابع الدائرية، وأتاحت بلوغ إنتـاج 36000 نسخة صحافية في الساعة سنة 1868؛ وصارت الجرائد مقاولات هامة تشغل العديد من الصحافيين الذين أخذ عملهم يتجه صوب الاحتراف. وسلك الكتاب تطورا موازيا، فبلغ قراء شعبيين وجمهورا متعلما ما فتىء يتعاظم طلبه لمصنفات علمية وتاريخية وسياسية. وكانت حرية الصحافة قد أدرجت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن للعام 1789، غير أنها تطلبت أكثر من قرن لتترسخ في الديمقراطيات الغربية.

وإذا كان اكتشاف الطباعة على صعيد القارة الأوربية يعود إلى القرن الخامس عشر، ويرجع إلى تاريخ سابق لهذا في الشرق الأقصى، فإن أغلب دول المنطقة العربية – وضمنها المغرب- لم تهتد إليها إلا في القرن التاسع عشر، الـذي اعتبر بحق قرن الآلة. وقد تعـرف معظمها على الطباعة الحجرية التي يشير عقد ميلادها إلـى القرن الثامن عشر، للانتقال بعد ذلك إلـى الطباعة الميكانيكية المعروفة في المغرب تحت إسم الطباعة السلكيـة.

وتؤكد مختلف المصادر والمراجع التي اهتمت بالموضوع أن الطباعة شكلت أحـد "مظاهر يقظة المغرب"، وأن الحاج إدريس ابن الوزير محمد ابن إدريس كان أول من أدخل المطبعة إلـى المغرب عقب عودته من فرنسا عام 1859؛ وفي العـام 1865، اقتنـى السيد الطيب الرودانـي المطبعة الحجرية من مصر وأهداها للسلطان محمد بن عبد الرحمن الـذي اقامها بمدينـة مكنـاس، حيث طبع بها كتاب الترمـذي : الشمائل، لتنتقل بعد ذلك إلـى مدينـة فـاس. ومن حسنات المطبعة الحجرية، أي الحسنات التي أملت اختيارها في هذه المرحلة التاريخية : الحفاظ على هيئة الكتاب المخطوط كتابة وشكـلا.

ومن المطبعة الحجرية، ثم بعد ذلك المطبعة السلكية التي شيدها بفـاس المولى عبد الحفيظ، انطلقت إلـى مجال التداول والتلقي الكثير من المصنفات النفيسة وأمهات الكتب في مختلف فروع الحقل الثقافي، طبعها محمد بن عبد الرحمـن وابنه المولى الحسن وحفيده المولى عبد الحفيظ وصنـوه المولى عبد العزيـز.

وإذا كانت هاتـان المطبعتـان قد التحقتا بمتحف التاريخ، فـإن المطبعة المحمدية التي أسسهـا المغفور لَه محمد الخامس بالرباط عام 1326هـ/1943م ستنهض مجددا بمجال الطباعة وحقل التواصل المكتوب، عبر إحياء العديد من الكتب وإعـادة طبع أخرى، تستجيب لمسار ومصار سوق الخيرات الرمزية؛ وتكفي هنا استشارة الحجم الهائل، كما وكيفا، من "المنشورات المغربية منـذ ظهور الطباعة إلى سنة 1956".

ومنـذ ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، استمرت العديد من الابتكارات في تغيير مشهـد الصناعات الثقافية والإعلامية والتواصلية : الحاسوب ونمنمته، التسجيل الرقمي، الكابل، البث عبر الأقمار الاصطناعية، قران الحاسوب مع الهاتف، الـذي أتـاح للأنترنيت تدبيـر " عنكبوت" عالمي للتواصل انطلاقا من بداية التسعينيات، المطبعة الموصولة مباشرة مع الحاسوب... وغيرها؛ وموازاة مع ذلك، أخذت الطباعة بالمغرب تشهد تطورا مذهلا وبادخـا في الوقت نفسه، يتماشى مع مستجدات هذا الحقل، ويواكب الطفرات النوعية التي عرفها ولا يزال مجال المكننة والمعلوميات والحواسيب والالكترونيات وتقانيـات التواصل الحديثة المرئيـة والمسموعة والمكتوبة، وهو ما نجد دلائل وقرائن ملموسة عنه في رحـاب المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش، التي يمكن التشديد على أن تاريخها العتيد المجيد قد يلخص نوعا ما تاريخ الطباعة والتواصل المكتوب بالمغرب عموما، وبجهة مراكش تانسيفت الحوز خصوصا، على امتداد عقود من القرن العشريـن وإلـى الآن.

واعتبارا لمجمـل الأدوار الطلائعية التي اضطلعت بها هـذه المطبعة في مختلف حقول الثقافة ومجالاتها، وعلى صعيد كافة أشكال التواصل المكتوب، جهويا ووطنيا، فإن تكريم الحاج محمد بنمنصور الـذي تعهدها وعمل بتفـان ونكران الذات على تطويرها وتثويرها لتصير إلـى ما هي عليه الآن، يعتبر ضرورة تاريخية، مثلما هو ضرورة وطنية وثقافيـة.

وإذ يقـرن اتحاد كتاب المغرب – فرع مراكش هـذا التكريم باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، فإن ذلك لا يخلو من دلالة رمزية بالغة وكثيفة؛ وهو فوق ذلك يطمح إلى أن يكون هـذا التكريم عرسا ثقافيا متميزا، بكل ما لكلمة عـرس من معـان. لـذا جَنَّدَ جميـع الفاعليـن الثقافييـن والجمعويين، وكل المؤسسات السياسية والمدنية والاقتصادية والثقافيـة والعلمية، ومختلف العمالات والمجالس والبلديات والكليات والمراكز الثقافية والمدارس العليا ومراكز التكويـن والمجالس العلمية والمندوبيـات والمنتديـات والجمعيـات إلى الإسهام فيه والعمل على إنجاحه، بما ينسجم ويتواءم مع مطلب النهوض بالشأن الثقافي على صعيد جهة مراكش تانسيفت الحوز، الـذي نعتبره رافعـة جوهرية ودعامة استراتيجية في التنمية البشريـة.

ولأَن القِـران هـذا كان شرعيا تاريخيا وثقافيا، فقـد تمخـض بشرعـة فائقة، فأنجب سلالة صالحة أشرنا إلـى بعض أسمائها سابقاً، والآتـي منها في سطـور الكتـاب الراهـن يحمل وسم : في تحولات الكتاب وجمالية التلقي، وهـو جديـر بالقراءة والاحتفال، امَّا القـادم فسيكون متعـدد الرؤوس، أي مؤلـف جماعي تحت عنـوان : الطباعة وتحديث المجتمـع.

عبد الجليل بن محمد الأزدي

                                                                               مراكش 11 ماي 2006

سيتم نشر الكتاب في موقع جماليا على حلقات

ترقبوا

القســـــم الأول

تحـولات الكتــاب

صراع أفقيـن معرفييـن لجـذب

ذاكـرة منفلتـــة