"أنا جزائرية حدّ الوجع" - حوار مع الروائية الجزائرية ياسمينة صالح

ماجدولين الرفاعي قرأها 6
 

34245244357467587ity.JPGحوار مع الروائية الجزائرية ياسمينة صالح أجرتْه ماجدولين الرفاعي

ليس هنالك أجمل من امراة تعرف أين تضع أقدامها في ردهات زمن مليء بالعقبات. ياسمينة صالح اسم معروف في عالم الأدب وبالأخص الرواية فهي كاتبة وصحفية يشغلها الهمّ العام وهم المرأة بوجه خاص.

*  * * *  *

ولدتْ ياسمينة صالح سنة 1969، درست العلوم الإجتماعية في جامعة الجزائر، وأصبحت مدرِّسة للغة العربية في مدرسة إبتدائية. غادرت التعليم سنة 1988، وإنتقلت إلى العمل في الصحافة الثقافية. اشتهرت ياسمينة صالح بروايتها الأولى "بحر الصمت" التي تُرجمت إلى اللغة الفرنسة، وهي بصدد الترجمة الى اللغة الإسبانية .. ويوجد في هذه الرواية ما يشبه محاكمة لماضي وحاضر الجزائر. ويبقى الجرح الجزائري نازفاً فيها، إنها رواية البحث عن أسباب الإنحراف عن الحرية، وقد كتب عنها الناقد المغربي محمد برادة: "تحمل  بصمات اتجاهين سميناهما بالترميز الرومانسي وعنف النص، وهما اتجاهان موجودان في التجربة الروائية الجزائرية والعربية مع تلاوين مختلفة. وهذا التصنيف لا يلغي تباين التحققات النصية في المستقبل، لأن من رهانات الروائي، البحث عما يجدد عوالمه".

من الأعمال الأخرى لياسمينة صالح مجموعة قصصية ظهرت عن منشورات جمعية المرأة بعنوان "أحزان إمرأة من برج الميزان"، وهي عبارة عن قصص قصيرة قريبة من الخاطرة بسبب أسلوبها الغارق في الشعر والمأساة .. كما نشرت مجموعة أخرى بعنوان "وطن الكلام"، ثم مجموعة ثالثة بعنوان "ما بعد الكلام" عن منشورات الكتاب العربي بدولة الإمارات ..

الجوائز الأدبية:

حصلت الروائية ياسمينة صالح على عدد من الجوائز من عدد من الدول العربية منها تونس، العربية السعودية، العراق ولبنان وكذلك من فرنسا ) جائزة مالك حداد للرواية سنة 2001 عن روايتها الأولى "بحر الصمت").

في حوار أجريته معها قالت عن الكتابة:

"الكتابة مساحة للتعبير ..، لقول أشياء نعتقد أنها الأصدق والأهم .. دعيني أقولُ لك أنني في عمق إحساسي بالفجيعة أكتب، إنها لحظة من الحرب مع الورق، وبالتالي محاولة للتأريخ .. تأريخ الجرح بكل العري الذي فيه .. لهذا لا نكتب لأجل قضية دون غيرها، نكتب كي نوجَدَ في النهاية داخل أحزاننا اليومية وداخل إحساسنا باليتم السياسي معا".

*  * * *  *  * * * *  *

نرحِّب بالروائية الجزائرية ياسمينة صالح أجمل ترحيب.5t45667ngvvvvvv.JPG

1-             بداية وكما العادة أحب ان أعرِّف القارئ العربي بهويتك الشخصية فمن هي ياسمينة صالح؟.

• من الصعب الرد على هذا السؤال بالبساطة التي طرحتِه بها. لست أدري سوى أنها ورطة لا تخلو من رهبة أن تسألين نفسك "من أنا" أو تسألين الآخر "من أنت؟" ومع ذلك أقول لك أنا امرأة من وطن مجروح حتى العظم .. كاتبة في واقع من الشتات اليومي والمكرَّر بإصرار. إنسانة في زمن الخراب بكل تفاصيله الراهنة .. أنا جزائرية حدّ الوجع، ولا أقول هذا سوى لتبني هذه "الأكذوبة" بكل ما فيها من عري .. أكذوبة "الأوطان لنا" التي تغنى بها الشعراء أيام كانت كذبة الوحدة تنطلي على الناس لمجرد أنها تقال على شرف المأساة كيفما كانت مسمَّياتها .. 

2-             ما شكل المستقبل الذي تتخيله الأديبة ياسمينة صالح؟ .

• مستقبل؟ كأنك تسألين عن شكل الهباء الذي يمكننا الحلم به بأقل (أو أكثر) فظاعة ممكنة، ولا تظني في كلامي تشاؤماً باعتبار أنني لم أعد معنية بالمستقبل كرؤية تفتقد إلى الأساس. هل يمكن أن تتخيلي مستقبل شعب يعيش على هذا الفراغ والفظاعة والكبت والعنف والإرهاب بكل أشكاله؟ هل يمكن أن تسألي فلسطينيًا تطارده الأباتشي الإسرائيلية ويطارده الإعلام الغربي، وتطارده "اللاّ نخوة" العربية، ما نوع المستقبل الذي يتخيله أو يحلم به؟ هل بإمكانك أن تسألي شاباً عراقيَّاً فقد كل شيء بجرة قلم عن المستقبل وكيف يتخيله؟ لماذا علينا أن نبدو أكثر تفاؤلاً منهم، وهم الذين يعيشون واقعاً ندركه جيدا ونعيشه معهم بنفس الحدة والرعب وقد عشنا في الجزائر واقعاً مماثلاً وإن اختلفت صوره إلى حد ما، ولكن قبالة المجزرة من الصعب أن تتكلمي عن المستقبل، وأعني مجزرة الراهن في هذا النوع من التنازلات التي تقدمها الأنظمة باسمنا، وفي زمن "الفيديو كليب" التي يتعرى فيها الجميع لإثبات للعالم أننا أكثر تحضُّراً من "المعقَّدين" وأن ثقافة الشطح و النط والرقص و "الانحلال" هي "المقاومة" التي يجب التمسُّك بها لمناهضة "الظلاميين" ! فكيف تسألينني عن المستقبل بعد ذلك؟ !.

3-             ثورة الانترنت والثقافة الرقمية عالم جديد تأثر به العالم العربي بقوة.

برأيكِ، هل هذا التاثير إيجابي أم سلبي؟.

• أجمل ثورة حققها الانترنت أنه ألغى تلك الحدود بين الناس جميعاً، وأن الرسائل التي كان يراقبها حرَّاس البوابات العربية صار يراقبها "الكونجرس" عبر أجهزة مغايرة ـ كما يزعمون على الأقل ـ ربما متعة الإنترنت أنه خلق فضاءً مغايراً بحيث أن الثقافة الرقمية كما أسميتِها أنتِ صارتْ متاحة فعلاً. يمكنكِ قراءة صحف العالم كله في يوم واحد، ويمكن قراءة العالم كله في نظرة واحدة أيضاً .. أليس هذا جميلاً و مُبهراً، وإن لم يكن الانترنت خالياً من العيوب طبعاً مع انتشار ثقافة الرداءة عبره أيضاً ولكن هذا في نظري أمر طبيعي باعتبار أن الجيد و الرديء في كل مكان، إنهما كما الخير والشر متلازمان.

4-     يقال: هنالك فقر في القراءة عند الشعب العربي بعكس الأمم الأوربية فما سبب ذلك برايك؟ وماهي أفضل الطرق لتشجيع القراءة في زمن احتلته الفضائيات الغنية بالتفاهات؟.

• هنالك من يربط عدم القراءة بالانترنت، وصدقيني أن أزمة القراءة ليس سببها الانترنت وليس سببها الإعلام الرقمي كما يظن البعض. أعتقد أن الدول التي لم يدخلها الانترنت ولم تدخلها الفضائيات التافهة لم يدخلها الكتاب أيضاً .. أزمة القراءة عندنا مرتبطة بأزمة الأميَّة أيضاً، ففي الوقت الذي نحكي فيه عن الثقافة الرقمية نكتشف النسبة الرهيبة من الأمية في الوطن العربي. في الجزائر الأمر يبدو مخيفاً أيضاً كما هو الحال في المغرب وتونس و ليبيا وموريتانيا والسودان الخ. . كيف يمكن الدفاع عن القراءة في غياب التعليم الحقيقي؟ التعليم الذي لا ينطلق من "التبويس" ومن "تقبيل أيادي الزعماء" في كتاب القراءة! نحن نعاني من أزمة قراءة لأن الكتاب مربوط ثمنه بالخبز أيضاً، كأن يُسأل مواطن عليه أن يطعم أطفاله، كيف يشتري كتاباً يستمتع بقراءته على حساب خبز أبنائه. وأعود وأقول أن أزمة القراءة مرتبطة بأزمة البطالة بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية.

5-     تحدثتِ في وروايتكِ "بحر الصمت" عن الثورة الجزائرية التي تفتخرين بها ثم في روايتك الجديدة "وطن من زجاج"545y6hjjhjhjhjhjh.JPG تحدثت عن الوطن بعد الثورة الجزائرية.

برايك هل الجزائر الآن بحاجة الى ثورة جديدة؟

• دعيني أقول لك أن أكبر حملة انتقاد تعرضتُ إليه في الجزائر اتهمتْني بأني "بهدلتُ" الثورة، بمعنى أنني لم أمجِّدها كما تعودنا تمجيدها.. ولكني أعتقد أنني في بحر الصمت كتبت عن الأخطاء التي ارتُكبتْ في الجزائر في ظل أولئك الذين هرعوا للكراسي على حساب الشعب.. أنا ابنة رجل مناضل أعتز كثيراً بانتمائه إلى الثوار إبان الثورة التحريرية، و أنه لم يهرع مثلما هرعوا بعد الاستقلال للنهب والسلب والسلطات القمعية. أحمد الله على أن الفقراء يكسبون أبّهة الفقر من هذه الخاصّية أيضاً، بمعنى أنهم لن يتورطوا مع الأغنياء ولا حتى في طريقة الدخول إلى الجنة ! "وطن من زجاج" رؤية مغايرة في نظري لواقع المجزرة الجزائرية. مَن يقتل مَن؟ ذلك السؤال الذي ظلَّ ينهشنا طوال تلك العشريّة السوداء قبالةَ أكثر من 150 ألف ضحية .. "وطن من زجاج" هو طريقتي في قراءة تلك المرحلة التي عشتُها داخل البلاد وليس خارجه.

6-     عزيزتي .. يتَّهِم النقاد دوماً كتابة المراة بانها عبارة عن سير ذاتية وانها مغموسة دوماً بهمومها فما هو ردك؟.

• صدِّقيني لستُ معنية بهذا الطرح باعتبار أنني أعتقد أنهم لن يقولوا أن "الضابطة" في الجيش الأمريكي التي أطلقت النار على الطفل العراقي يوم العيد قد قتلتْ ضحيتها برصاصة نسائية (على طريقة الأدب النسائي) !.

7-              في الكثير من كتاباتك تكرَّرت عبارة "نحن أيتام هذا الزمن الكئيب" ماذا تقصدين بتلك العبارة؟ .

• أقصد ما جاء في العبارة فعلاً. أنا نفسي يتيمة هذا الزمن الذي اعتقدنا أن نولد فيه في ظل أب وأم ووطن لنكتشف ذلك اليتم الشامل .. كلنا ضحية نفس الأشياء تقريباً وكلنا يتامى بكل ما تعنيه العبارة من "فقر حلم" !.

8-     تتابع الأديبة ياسمينة صالح ماتعرضه الفضائيات والمحطات الاخبارية عما يحصل في العراق وفلسطين من قتل ودمار وتجويع.

ماهو شعورك كأديبة عربية؟

• شعوري؟ إنها الفجيعة الكاملة وأعرف أن دورنا قادم. لم يعد ثمة دولة تدَّعي أنها بمنأى عن الوحش الأمريكي، ولا عن أهداف إسرائيل ولا عن الاختراق الصهيوني الكامل في دولها. الآن كل واحد فينا يجلس في مقعده وينتظر أن تمرَّ الدبابة الأمريكية أمام بابه باسم "التغير" وباسم " الديمقراطية" وباسم "الفتوحات البابوية الجديدة" !.

9-             ياسمينة صالح .. فُزتِ بعدد من الجوائز وحقَّقتِ الكثير من النجاحات،

فلمن تهدين كل هذا المجد؟.

• لروح أبي الذي توفي حزيناً كوطن فقد أسباب بقائه.

10-         هل من كلمة توجِّهينها للمراة العربية التي لازالت تحلم بمَن يخلّصها من ظلمها؟

•   سأكذب عليك لو قلت لك أنني واحدة من الدَّاعيات لتحرر المرأة بالمفهوم "الأمريكي" أو "الغربي" ولكني أرى أن المرأة العربية التي تخدم في الأرض في صعيد مصر وتجني القمح في قرى المغرب أجمل من تلك التي تعتقد أنها "قاعدة" على إيديولوجية مغايرة. الظلام الحقيقي في اللاّوعي وفي الاعتقاد أن العدو هو ذلك الأخ المقهور أو تلك الأخت المقهورة، وأن الحرب على "القيم" هي الحرب على "التخلف" .. لا أعتقده شخصياً وتلك أشياء لا أؤيدها لأني أعتبرها جزءاً من الخراب السائد عندنا. ظلْم المرأة في جهلها وظلْم الرجل في عدم إدراكه أنه يُدفع دفعاً نحو الانسداد لخدمة الآخرين أحيانا، ولخدمة مصالح أدت إلى خرابه أيضاً. أنا لست امرأة ليبرالية، بل امرأة عربية بسيطة تؤمن أن الأرض لمن يخدمها.

11-         لك الحرية في توجيه رسالة للشعب العربي، ماذا تقولين؟.

• إسقاط الأنظمة جزء من الحرب على الاحتلال الراهن الذي نعيشه في دولنا. وأعني بها الأنظمة بمعناها الشمولي، الغائب والملغي فيما يخص الأداء الصحيح.. هذه ليست دعوة إلى الحرب، بل دعوة إلى استعادة المقعد الأمامي من هذا الكون !.

-       في النهاية أشكر الأستاذة الأديبة ياسمينة صالح على الوقت الذي قدمته لنا.

-       سرتني جلستي معك عزيزتي مجدولين. .