سامحونا .. سامحونا .. سامحونا
ياسمينة صالح *
نحن الذين سكتنا دهراً ونطقنا كفرا .. نحن الذين عبرنا الكلمات كي لا نقول شيئا.. كي لا نقف في الصفوف الأمامية خوفاً من موتٍ يرافق خطانا.. سامحونا ..
اليوم نستيقظ على دمكم الغزير، في غزة وبيت حانون، والناصرة وجنين .. نستيقظ على وجهكم الذي نعرفه جيداً نعرف كم خنَّاه في مسيرتنا الطويلة نحو الوهم الذي أسميناه سلاماً، لنغضّ أبصارنا عندما تقصف الصواريخ قباب أحلامنا، وعندما يصنع الحكام منا ناقة صالح على هذه الأرض التعيسة .. سامحونا!
أيها الطالعون من الصمت .. الصَّارخون بالشهادة ..الغاضبون.. الثَّائرون.. الصَّابرون/ الصابرون كيف استطعتم زلزلة تاريخنا المكتظَّ بالغموض وبالصواعق ؟ كيف استبدلتم فراغاتنا باليقين؟ كيف استطعتم استدراجنا إلى هذا المدى المفتوح على دمكم لنعرف حدود خياناتنا الطويلة، وما اقترفناه في حقِّكم من الذنوب، ومن الآثام ؟ سامحونا!
الآن بإمكاننا الإعلان للقبيلة والعشيرة أن الجبناء والقتلة يحكموننا باسم السلام المبجَّل، وأننا لن ننتمي إلى هذه الأرض كما ينتمون إليها لأن الدم وصل إلى الركبتين ولأن المدن التي لا تناهضكم هي التي وقفت ضدَّكم مرتين مرة لأجل دمكم ومرة لأجل تاريخيكم .. سامحونا!
لن يكفي الدهر كله ليغسل خطايانا .. لينسى الحاضر شكلنا البائس/ صمتنا البائس/ وجودنا البائس لن تكفينا اللغة لنعتذر لكم واحداً واحداً يا أحبابنا الموتى/الأحياء لندفنكم كما يليق دفن الشهداء فسامحونا!
سامحونا لنموت أقل فجيعة لتعبركم أحلامنا البريئة التي صدقت طوق الحمامة والنجاة واستسلمت لغيلان الحضارة والتجارة والدعارة! سترقص نانسي عجرم في دبي لترفع من معنويات الشعوب الصامتة والميتة. ستغني نجوى كرم عن الأسمر الذي "أخطأته" القذيفة وظل يحبها نكاية في الحرب السادسة التي كادت ترمي إسرائيل في البحر، وكادت تقتل الزعماء العرب بالجلطة!.
سامحونا هـــا عجزنا عن العودة إلى النقطة الصفر عندما اكتشفنا أننا كنا الصفر المكرَّر في معادلةٍ أنتم أبطالها يا جيل الصبر الطويل والليل الطويل .. والحزن الطويل ..
سامحونا .. سامحونا .. سامحونا
* أديبة جزائرية