الفراغ الذي لا يمكن ملؤه

د. مفيد مسُّوح قرأها 3,273
  

الفراغ الذي لا يمكن ملؤه

في أربعينية منصور الرحباني

د. مفيد مسُّوح

 Mansoor%20-%2017%20-%20framed.JPG

أربعون يوماً مرّت فوق حزننا وفراغٍ كبيرٍ كبير في عالمٍ بنت صروحه جهودٌ جبارة في جبالٍ من الصوّان وعلى شموخ الأرز ومجد الياسمين.

أربعون صباحاً بدون منصور.. أربعون نهاراً بساعاتها التي كانت فيما مضى وقتاً طويلاً عند منصور، كما كانت فيما مضى عنده وعند عاصي الذي سبقه في الرحيل، وقتاً كافياً لإبداعات كثيرة من الكلمات والألحان والشروحات والتحديدات والتعليمات والتواصل الفني والأدبي والاجتماعي والمتابعات في كافة المجالات.. أربعون ليلة وطاولة منصور في بيته بأنطلياس جامدة صامتة وحيدة تتسلى بتراقص خيالات شعلة الشمعة المضاءة عند صورة الأخوين وهي تقتات بقايا نفَسيهما وتستعيد صور ساعات اعتادت لذّتها عبر سيرة طويلة مرافقة ألحاناً ساحرة وكلمات هي عذب الكلام.

أربعون مضروبة بأربع وعشرين ساعة وقد كانت الساعة عند منصور ستين دقيقة من العمل والتفكير والإبداع.. والنجاح المنقطع النظير.. وهاهو غدي يؤبّن أباه ضارباً عدد السنوات بعدد الساعات بعدد الدقائق ليصل إلى الاستنتاج الذي وضعنا فيه التراثُ الرحبانيُّ قبل العملية الحسابية: كلّ حياة منصور وعاصي عملٌ وجدّ.. سيرةٌ كاملة من العطاءٌ وإلإبداع.. نذرٌ للفنّ والحبّ.. للوطن والإنسان.. للبنان والعالم.. للمجتمع السليم القويّ القائم على أكتاف أبناءٍ أقوياء أشدّاء متحابّين متكاتفين من أجل البناء والتطوير والخير والمحبة والفرح.

وإذ يعترف العالم للخالدين في التاريخ من الأدباء والعلماء والفنانين والفلاسفة والمفكرين ورجال المجتمع بفضلهم الكبير وبتراثهم الذي خلّدهم عبر هذا التاريخ، الذي قد لا ينصف أحياناً ولكنه ينصف عموماً، فإن لبعض من هؤلاء مكانة خاصة وفرادة تضعهم في قمة سلّم المجد، و"الأخوين رحباني" من هؤلاء.

بعض الفراغ في حياة مبدعين تعوّضه البدائل التي يوفّرها المجتمع وقد تطورت عما سبق أو فرضت نفسها بحكم قوانين الإحلال. وقد لا تأتي البدائل بمستوى الأصل، وغالباً ما تكرس هذا الانحدار "تجرنة" الحياة وتسويق الفن والأدب، والذي يفترض له أن يمثل الجانب الروحي في حياة الناس، وما أسوأ أن تكون لعناصر هذا الجانب قيمة سلعية.

ولكن فراغاتٍ أخرى يعجز أيُّ معروضٍ أن يكون وريثاً له. هذه الفراغات تبقى كما هي محجوزة لاستذكار من ملأها بحقٍ وعن جدارة فكانت مملكة لا تورّث وفضاؤها تشغله إشعاعاتٌ لا تتخامد ولا يأفل نورها.

بل أبعد من هذا.. فإن التراث الرحبانيّ نورٌ يملاً الفراغ الذي تحجزه له العقول السليمة والقلوب النظيفة والذائقة الثريّة الأنيقة فتتوارثه الأجيال إذنْ وبه تثرى الكنوز ويحلو تفاخر من عاصر ومن كان أقرب ومن سمع ومن فهم ومن أحسّ بفيض ما ملأ الأوقات نبضاتٍ واهتزازاتٍ وتفاؤلاً وثقةً وعزّة وسلاماً ومسرّة.

في فرادة المثال الرحباني لخلود المبدعين أن الفراغ الذي بدأ برحيل عاصي ما ادّعى منصور ملأه. قال: "نصف منصور مات مع عاصي ونصف عاصي سيعيش مع منصور". ولو كان منصور هو الذي سبق عاصي لكنا سمعنا تعبيراً مشابهاً، ذلك أن الأخوين عاصي ومنصور عاشا وحدةً فريدة لا نظير بحجمها وبعظمة عطائها.

بغياب عاصي توقف إبداع الأخوين رحباني حتماً، وقبلنا إعلان منصور بأن روح عاصي تعيش بجسده ورافقنا منصور وأولاده يتابعون المسيرة الرحبانية بانعطاف سلسٍ تناغماً مع تطور الحياة وتقنيات التعبير والتواصل وتمشياً مع التغير في حياتنا وأذواقنا دون ابتعاد عن أسس الرسالة الرحبانية الإنسانية التي تعمّقت جذورها بعد غياب عاصي وبقي فراغ الأخوين رحباني محجوزاً لتراثهما.

وبغياب منصور لن يبحث أحدٌ منا عمّن سيملأ الفراغ الكبير الذي تركه هذا العبقري الفذّ. سيبقى فراغ منصور، المسرحيّ والشاعر والموسيقار والفنان الكبير، فراغ أبي المسرح الغنائي في مجلّده الضخم – الأخوين رحباني، وفراغ بطل لبنان في سيرته الفنية التربوية التثقيفية الذاخرة.

لن يملأ فراغك أحد يامنصور.. تسافر وحدك ملكاً ويبقى التاج يكلّل أيقونتك.. كما هو تاج عاصي.. ملكان أنتما التقيتما بعد فراق طويل وقد اطمأن قلباكما على وصول ما أردتما إلى قلوب الناس وعقولهم.

ناما قريري العيون لأن الفراغ الذي تركتماه لن يبرحه النور الذي أشعلتما قناديله ولأن الناس الذين نموا أطفالاً في ملايين البيوت يستمعون ويسعدون ويحلمون على كلمات مسرحياتكم وعلى نغمات أغنياتكم، قد نمت سواعدهم وتأنقت أذواقهم وهم سيحملون القناديل كي تبقى الحياة حلوة والساحات مضاءة.

وأنت يا منصور.. يامن عشتَ اثنتين وعشرين سنة بساعاتها.. بصباحاتها ولياليها وأوراقها وأوتارها بدون عاصي الجسد وكنت إليه مشتاقاً في كل تلك الساعات، إنك إله الوفاء بحقًّ. لا تقلق على أشياء الأخوين رحباني التي احتفظتَ بها طيلة بعدك عن عاصي.. والتي كانت لك منارة استذكارٍ ومصدر إلهام لامتداد زمن الأخوين.. فالقلوب اللبنانية المخلصة المدينة لكما بكل جميلٍ وراقٍ ونقيٍّ وغنيّ ووطنيّ وإنساني وبكل ما يدعو للفخر والاعتزاز، ستكون مخلصة بقدر إخلاصكما للبنان وستحوّل بيتكما الجميل في أنطلياس إلى متحف للبطولة والنبل والفن والإبداع.. متحف الفراغ الذي لا يمكن ملؤه ببديل، وسيظلُّ اسمُكما بحقٍّ أرفعَ وسامٍ على صدر لبنان الكبير.