سعيد فرحات

بثينة سليمان قرأها 635
  

سعيد فرحات

بثينة سليمان 

انتهى الأمر بسعيد فرحات في قبر عند طرف جبّانة بلدته. لم يعرف أحد ماذا كان يفعل في الساعات التي سبقت موته. تكهنات كثيرة ظلت احتمالات. تشخيص الطبيب أنها ذبحة قلبية. لم يمت سعيد فرحات بذبحة قلبية. لقد تعرض للاختناق أثناء النوم.

فرحات لم يكن لديه أعداء، بل على العكس كان مثل كل الذين يموتون، طيبا وحنونا، عطوفا وكتوما، محبّاً ومقلاًّ في الكلام. رجل ستُذرف الدموع من أجله، من أجل غيابه المفاجئ. في جنازته سيعلو الصوت وتتقطع الحناجر وتُلطم الوجوه. ثم يُدفن وينتهي بحكايات يجمّلها الجميع. ستُخرج زوجته ملابسه وتوزعها على الفقراء. ابنته الكبرى ستحمل صورة تظن أنها جميلة وتكبّرها عند المصور، وتضعها في مكان يجعل كل من يدخل بيتهم يتذكر شكل فرحات. فالموت الذي يباغت دائما يشوّه الذاكرة فلا تعود التفاصيل جاهزة. أمر مقلق كان بالنسبة الى إبنه الصغير، الولد الذي كان في العاشرة. يحب أن يقرأ عن الموت. يقرأ ولا يفهم. فهم حقيقة واحدة.

ما إن مات والده حتى اختفت صورته. يتذكر شاربيه الغليظين ثم ينسى لون عينيه. لم يعد من شيء يساعده في استعادة صورته. يفكر في أن سعيد فرحات لم يكن موجودا أصلاً. الصور التي يراها ترعبه. صور لغائب. يسمّيها رسوماً، يُدخلها على الكومبيوتر ويغيّر فيها، فيصبح والده كثيف الشعر، ثم يعدّل في استدارة الوجه وقاعدة الفكّين. يزيل الشاربين ويضيف ذقنا طويلة. يتخيل والده في العالم الآخر رجلاً آخر. الولد الذي رافق جنازة والده وتقبّل التعازي، كان يفكر في الصور، والرسوم التي صنعها.

مات سعيد فرحات سجّل في دفتره. ولأن الجميع كانوا ينادونه سعيد فرحات، قرر أن يسمّيه باسمه. أن يكتب عنه وأن يؤلف حكايات لا علاقة لها به.

كتب عن رجل خارق له جناحان، ثم رسمه. رسم رجلاً شاهده في فيلم. علّق الصورة في غرفته وكتب، كتب ورسم كثيرا. ثم مزّق كل شيء. عاد إلى مدرسته لكن لم يعد كل شيء كما كان.

تغيّر كل شيء في حياته. تغيّرت فكرة الصورة، تغيّرت الأمكنة، وتغيّرت معلّمته. المعلّمة التي يحبّها، كانت تخبره عن النمل والمطر، عن العشق والسعادة، عن العلكة والهمبرغر. رأى في عينيها الموت. لكنه أرجأ سؤاله. كان الموت في ذلك العمر يلوّن كل شيء حوله. السواد الذي زنّر به روحه جعل حياته تبدو شريطاً من الحزن البائس. كان الصغير يتيه في دوامة أسئلته.

تضيق عليه حياته، فيسأل. يسأل عن موت أبيه. عن موت سعيد فرحات خنقا. كذبت أمه وقالت إن وجهه كان يشعّ بالنور وهو مسجّى. كان وجهه أزرق داكنا. كذبت عمّاته حين قلن إن فرحات كان أخا محبّاً. كذبت جارتهم التي شاهدها تقبّل والده. كذب عمّه حين بكى. كذب الدكنجي الذي ترك فرحات لديه سجل ديون متراكمة. كذب الجيران. كذب الجميع. عرف حينها أن الموت يلغي الصورة ويمحو كل شيء. أراد أن يسأل المعلّمة عن الكذب، لكنه أجّل السؤال. أجّل كل شيء إلى حين، إلى أن تهدأ الحكايات وينقطع الزوار، وتخف حدّة السواد. أجّل أسئلته وأخذ يكتب. كتب عنها ولها. سكت وكتب. كتب عن رجل انتظر طفلا ذكرا، ضرب زوجته حتى تنجب ذكرا يحمل اسم سعيد فرحات. كتب عن سعادته لغياب سعيد فرحات وعن خلاص روحه. يريد أن يعود الى روتين أيامه والى شيطنة المدرسة والى أحلامه ومغامراته الليلية مع جسده، أن يعبر عالم الطفولة نحو رجولة لا تزال غامضة وخيالات تحرّك فيه عالما مثيرا، يكمّلها ببحث محموم عبر الإنترنت وحكايات يسمعها ممن سبقوه إلى الرجولة. لكن موت سعيد فرحات، أدخل غيمة من القلق على حياته، جعله غير متوازن، غير متأكد من غده، غير واثق من قدرته على ولوج الرجولة. العجز كلمة لم تدخل قاموس يومياته، لكنه لمّح عن خوفه من أن يفشل في اكتشاف تلك اللذة التي يتباهى بها أترابه الذين سبقوه. فكّر أن يسأل المعلّمة عن الرجولة. لكنه أجّل كل شيء. مرّت شهور حملته غيمة القلق بين طياتها ورافقه هاجس الموت وأخّر الخوف بلوغه الوشيك. الشيء الوحيد الذي كان يزيّن نهاراته، صوت معلّمته وهي تغيب في ثرثراتها اليومية. كتب عن معلّمته، رسمها، رسم عينيها الضيقتين وشفتيها الرقيقتين وبشرتها البيضاء. كتب شيئاً عن ذلك البياض وأراد أن يمحو بهذا البياض سواد الموت الذي لفّه. ثم قرر أن يسأل. اقترب من معلّمته وسألها سؤالا خمّنته. اقترحت عليه زيارة مرشد المدرسة، فهو يستطيع أن يشرح كل شيء أفضل منها. كان بياضها مشعّاً وفتاكاً بالنسبة الى طفل باغته احتلام الليل. رأى في المنام والده يقبّل معلّمته، لكن والده لم يكن والده. رأى نفسه يقبّل معلّمته وهي تثرثر كثيرا ومطوّلا، يقبّل عنقها وهي تميل به حتى لا تمنع نفسها عن الكلام. تشدّه إليها وتسترسل في ثرثرتها، تجعل جسده الصغير يرتعش بين يديها وهي تجيبه عن سؤاله، تمسك بيده وتجعلها فوق صدرها، تضحك كما لم يرها تضحك من قبل، وتشهق كما لم يسمعها تشهق من قبل. ترتخي بين يديه الصغيرتين فيشعر بها كما لم يشعر قبل. تقول له: "الموت سر الحياة وحزنها الأكبر، لكننا نملك نعمة النسيان، ننسى، الذين يموتون ننساهم، ننسى حكاياتهم وننسى كل شيء عنهم، أما الكذب فهو حقيقتنا التي نلوّنها كما نريد ونصدّقها. أما الرجولة فأن تشعر بنفسك، أن تكون أنت وترضي غرور نسائك".

دوّن الصغير إجابات معلّمته ورسمها عارية دون حجابها الذي يخفي شعرها وعنقها. أغلق دفتره معلناً ولادة سعيد فرحات جديد.

النهار