"التلمود" – المرجعية اليهودية للتشريعات الإجتماعية
الباحث عمر أمين مصالحة يثري المكتبة العربية ببحث جديد: التلمود - المرجعية اليهودية للتشريعات الاجتماعية
الكتاب: التلمود
المؤلف: عمر أمين مصالحة
إصدار: مسار- معهد أبحاث وتخطيط واستشارة،
جت (2006) (215 صفحة من الحجم الكبير)
بعد كتابة الأول عن "اليهودية- ديانة توحيدية أم شعب مختار" الذي صدر قبل سنة، يعود الباحث عمر أمين مصالحة الى اليهودية من زاوية أخرى ليكمل الصورة أمام القارىء العربي، عن خبايا الديانة اليهودية وأصول التشريعات الإجتماعية الحياتية في الديانة اليهودية، المعروفة باسم التلمود، في بحث جديد شامل يحمل اسم "التلمود - المرجعية اليهودية للتشريعات الإجتماعية". وقدم للكتاب الأستاذ موفق خوري _ نائب عام مدير وزارة الثقافة.
الباحث عمر أمين مصالحة، الذي يُعَدُّ اليوم الدكتوراة في جامعة سانت بطرسبورغ (لينينغراد سابقاً) هو من مواليد 1956، من قرية "دبورية" الواقعة على الطريق الى جبل الطور المشهور في المسيحية، وهو مترجم وباحث في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، ومتخصص أيضا في الديانة اليهودية. له العديد من الأبحاث المنشورة في الصحافة العربية والعبرية، الى جانب ترجمة العديد من الكتب الدراسية وقصص الاطفال، ويعمل مدرساً في ثانوية "عمال" في الناصرة. ما يميز أبحاث عمر مصالحة، موضوعيته العلمية، واعتماده على المصادر الأصلية لمواضيع بحثه، هذا ما جعل كتابة الأول من أفضل الدراسات عن اليهودية، التي كتبت باللغة العربية، والمتميزة بالمصداقية والدقة العلمية، دون التدخل والتعليق واستنتاج مواقف شخصية، وهو بذلك أثبت نفسه كباحث ثقة، يمكن الاعتماد عليه في فهم اليهودية، واليوم يطل علينا بكتاب هام جداً لقراء العربية، حول التلمود كمرجعية للتشريعات. ويبدو أن هذا البحث، غير مسبوق في اللغة العربية، بموضوعه من حيث الإلمام والشمولية وبموضوعيته غير القابلة للتهاون بنفس الوقت. يشرح عمر مصالحة ان التلمود، يتشكل من عنصرين: الأول هو الجانب التشريعي والقانوني (هلاخي) الذي يذكرنا بأحكام الفرائض والتشريعات الواردة في أسفار الخروج والأويين والتثنية، والثاني: العنصر القصصي، الأسطوري (أجادي) بما يشمله من أقوال مأثورة وأخبار وخرافات وخيال، الى جانب السحر والتراث الشعبي. في الفصل الأول، يمهد الباحث عمر مصالحة لبحثه باستعراض نشوء أصول التشريعات اليهودية بدءاً من الموقف في جبل سيناء، حين تسلم النبي موسى، حسب القصة التوراتية، الوصايا العشر من الله، ثم دخول أرض فلسطين، ومرحلة القضاة في التاريخ اليهودي (هشوفطيم)... وصولاً الى إقامة مملكتي إسرائيل- المملكة الشمالية والتي سميت "مملكة إسرائيل"، والمملكة الجنوبية والتي سميت "مملكة يهودا .." مستعرضاً أسماء ملوكها، وصولاً الى هدم الهيكل واعادة بنائة وهدمه من جديد، والأحداث التاريخية التي عصفت بالمملكتين منذ ذلك التاريخ، مثل الاحتلالات المختلفة.. وتشتت اليهود .. سبيهم !! ويطرح الباحث أجزاء المشناة. التي تشمل مواضيع واسعة للغاية، مثل: 1- الزراعة وقوانينها - ويشمل الري والحرث والحصاد ، والموضوع الزراعي في المشناة يكاد يكون برنامجاً زراعياً كاملاً، وبالطبع له جانبه الديني، حيث يرتبط بالعبادة اليومية والتبريكات . 2- العبادات والمواعيد - عن تبجيل السبت والعبادة فيه ومواعيد الصيام والأعياد والاحتفالات والتقويم العبري . 3- النساء - ويشمل قوانين الزواج والطلاق والجنس بين الزوجين. 4- الجنوح والجنايات - ويشمل التشريعات المدنية ومسلكيات التصرف اليومي، وأنواع العقاب، ونظم التجارة والسياسة . 5- المقدسات - مخصص لأعمال الضحايا (القرابين) مهام رجال الدين وواجباتهم. 6- الطهارة - ويشمل أمور التطهر من النجاسة، ويتحدث عن الصلة بين بني البشر والإنسان اليهودي والكائنات الأخرى، وما يجوز أكله من الحيوان. يبين الباحث الخلافات والتناقضات في التشريعات اليهودية، ومع ذلك تحولت هذه التناقضات الى شرائع مقدسة لدى المجتمعات اليهودية. ثم يعالج أقسام المشناة الستة "سدريم" وأسفار كل قسم، التي تشمل كل تفاصيل حياة الفرد اليهودي في جميع مناحي حياته اليومية والعامة. يوضح الباحث عمرمصالحه للقارىء العربي جذور الدين والعقيدة اليهودية، التي لا تدع للفرد مساحة للاجتهاد .. إنما أموراً جاهزة وفرائض نهائية. صحيح ان الباحث لا يعالج وقع هذه الفرائض على الإنسان المعاصر، لكن القارىء يستطيع ان يصل الى النتيجة الأساسية، بان الدين اليهودي يتعامل مع الانسان باحكام وعقلية لم يعد شيء يربطها بالواقع الإنساني المعاصر، وهذه اشكالية كل الديانات السماوية، ربما كون الديانة اليهودية ديانة محدودة بالعدد، يجعلها اشبه بالمحمية الطبيعية، ومع ذلك نجد في الغرب، والى حد ما في إسرائيل، تيارات يهودية لم تعد تستطيع التماثل مع قيودات الدين الاصلية، فأنشأت اتجاهات حديثة ليبيرالية، تقوم بينها وبين التيار الديني اليهودي المحافظ (الأورتوذكسي ) حرب عنيفة، لدرجة عدم الإعتراف بيهوديتهم ورفض التعامل معهم على كل المستويات. يفسر عمر مصالحة مصادر كلمة المشناه، والذي جاء من "شنه" الذي يعني بالعربية كرَّر أو ردَّد وذلك لان أسلوب التعليم كان يفرض على الطالب ان يردد ما يسمعه من المعلم. وقد استعمل هذا الإصطلاح للدلالة على دراسة "الشريعة الشفوية".
الكتاب يستعرض اسماء مؤلفي المشناه والتلمود حيث بدأها الحاخام هليل الأول في بابل. ويستعرض الباحث ما اشتملت عليه المشناه. اما اسم التلمود فهو مشتق من الجذر العبري "لمد" أي درس وتعلم، وهو نفس الأصل السامي لكلمة "تلميذ" العربية. ويشرح الباحث ان التلمود من اهم الكتب الدينية عند الشعب اليهودي، وهو الموجه والمنظم للحياة الاجتماعية، وهو الثمرة الأساسية للشريعة الشفوية، أي تفسير الحاخامات للشرائع التوراتية. ويؤمن البعض ان نصوص التلمود أوصي بها من الروح القدس نفسه (روح هكودش) باعتبار انها مساوية للشريعة المكتوبة (التوراة).
ليس من السهل استعراض الكتاب بكل تفاصيله. فالكاتب لا يترك أي فراغ للتأويل، بل يطرح جميع التفاصيل بتناقضاتها احياناً، ليوضح جذور الدين اليهودي، ببحث واسع لم يغفل أي تفصيل. الكتاب يثري المكتبة العربية بمرجع هام جداً وضروري لفهم احدى اقدم الديانات ومصادرها، وطرق تفكيرها، بعيداً عن الاستنتاجات الارتجالية، وبهذا يخدم الباحث الحقيقة العلمية المجردة
نبيل عودة