إشكالية الديمقراطية في (هرطقات) جورج طرابيشي
هل هي ثمرة برسم القطف أم بذرة برسم الزرع؟
في كتابه الجديد (هرطقات عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية)، يبدو الأديب جورج طرابيشي باقياً في المحراب الإجتماعي الإنساني الكبير والواسع الذي يتصدى لأساس قيام المجتمعات الحديثة، مجتمعات الألفية الثالثة المرتكزة على الأسس القوية التي عمادها العقل والثقافة والفلسفة والتراث والقضايا النفسية.
* * *
كتاب جورج طرابيشي الجديد الصادر عن (دار الساقي) في بيروت على مساحة 229 صفحة من القطع الوسط، جاء تحت مظلة من (رابطة العقلانيين العرب تسعى الى نشر الفكر العقلاني النقدي الجذري، وهي ترحب بأن تنشر ما لا يجد طريقه الى النشر بسبب جرأته الفكرية). كما ان هذا الكتاب يأتي بعد سلسلة كتب عن (دار الساقي) نفسها عالجت كلها، ومنذ العام 1998، ما يتعلق بالعقل العربي والعربي الإسلامي والثقافة العربية عموماً، وذلك تجسد في الكتب التالية: من النهضة الى الردّة: (تمزُّقات الثقافة العربية في عصر العولمة) (2000) و(نظرية العقل: نقد نقد العقل العربي (1) 1998، و(اشكاليات العقل العربي: نقد نقد العقل العربي (2) 1999، (وحدة العقل العربي الإسلامي: نقد نقد للعقل العربي (3) 2002، و(مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام (1998)، و(مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة (2006)، وباللغة الانكليزية كان كتاب: Woman Against Her Sex: A Critique Of Normal El - Saadawi (1989). وهناك كتابان للمؤلف صدرا في العاصمة السورية دمشق عن دار بترا، الأول: (المرض بالغرب: التحليل النفسي لعصاب جماعي)، والثاني: (ازدواجية العقل، دراسة تحليلية نفسية لكتابات حسن حنفي.
* * *
اذن هكذا يتابع المؤلف تصديه وعرضه لهذه القضايا البارزة على الصعيد الاجتماعي الإنساني في عصر العولمة، وهو في كتابه الجديد (هرطقات عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية)، يعالج مجموعة كبيرة من المواضيع التي تصب في معين واحد. انطلاقاً من: إشكاليات الديموقراطية في العالم العربي، بذور للعلمانية في الإسلام، من قتل الترجمة في الإسلام، الفلسفة العربية المستحيلة، الإنتلجنسيا العربية والإضراب عن التفكير، التوفيق المستحيل في التوفيقية، الذات العربية وجرحها النرجسي: عودة الى إشكالية التراث والحداثة في الثقافة العربية، أساطير سياسية عربية، المثقف وسقوط الماركسية، الدين والآيديولوجيا والميتافيزيقا: قراءة دلالية لـ(رحلة ابن فطومة) لنجيب محفوظ، صورة (الأخرى) في الرواية العربية: من نقد الآخر الى نقد الذات في (أصوات) سليمان فياض، عداء الغرب في الخطاب الآسيوي. اختراع أوروبا، العلمانية: مسألة سياسية لا دينية، تركيا الحديثة: من العلمانية الى إعادة الأسلمة.
ومن اجل وضع القارئ في ما ذهب اليه جورج طرابيشي في كتابه الجديد، ومستشهداً بقول للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ليست الكثرة من إمارات الحق، ولا القلة من علامات الباطل)، يشير الى ان (المقالات المجموعة بين دفّتي هذا الكتاب تندرج في عداد ما درجت العادة على تسميته بـ(حصاد العمر). ففي لحظة بعينها من الحياة، وتوقعاً للرحيل، يجد الكاتب نفسه منساقاً الى الرجوع الى (دفاتره العتيقة)، كما يقال ايضاً، ليعدم منها ما يعتقد انه لا خسارة بإعدامه، ويستبقي منها ما هو جدير بأن يبقى من بعده، ولو لأجل معلوم بدوره.
(وقد تأتَّى لي ان ألاحظ ان بعضاً من هذه المقالات التي استبقيتُها - وكم كنت أتمنى لو انها كلها كذلك - تخرج في مضمونها عن الدروب المطروقة، بل تكاد تكون أقرب الى الهرطقة. والهرطقة في اللاهوت المسيحي ترادفها البدعة في الفقه وعلم الكلام الإسلاميَّين. وربما ههنا تحديداً تكمن مفارقة الشرط الوجودي والمهني معاً للكاتب. فمهما يكن من حرصه على الانتماء بضميره الى أهل الجماعة، فلا خيار له إلا ان ينتمي بقلمه الى أهل البدعة. هذا اذا كان حريصاً على ان يرقى، في نظر نفسه على الأقل، الى مصاف كاتب مبدع. وهل من الصدفة أصلاً ان يكون المصدر الإشتقاقي للبدعة والإبداع في اللغة العربية واحداً؟
(وعلى أيّ حال، فان الهرطقة تبقى أحد السبل القليلة المتاحة للمقاومة - أو على أقل تقدير للوقاية - في زماننا هذا، الذي هو زمان سيادة الأصوليات والارتداد العربي - والإسلامي بشكل عام - نحو قرون وسطى جديدة).
* * *
الى هذا التقديم التوضيحي، ذهب الناشر الى الإضافة بأن (الهرطقة في المعجم اللاهوتي المسيحي تقابلها البدعة في المعجم الإسلامي. ولكن على حين ان الهرطقة في المعجم الأول لا تعني سوى الخروج على العقيدة القويمة، فان البدعة مشتقة في العربية من نفس المصدر الذي تشتق منه كلمة إبداع. فكأن لا مبدع إلا ان يكون مبتدعاً، أيْ خارجاً في محصلة الحساب على الإجماع والفكر الجماعي. من هنا الطابع (المهرطق) للدراسات المجموعة في هذا الكتاب، والتي لا تقدم أجوبة بقدر ما تثير أسئلة وتعيد صياغة الإشكاليات، ومنها إشكالية الديموقراطية: هل هي ثمرة برسم القطف ام بذرة برسم الزرع؟ وهل هي محض آلية مرهونة بصندوق الاقتراع أم هي أيضاً ثقافة، ومرهونة بالتالي بصندوق جمجمة الرأس؟، ومنها إشكالية العلمانية: أهي محض إفراز للتطور التاريخي للمسيحية أم لها أيضاً بذورها في الإسلام؟ وفي هذه الحال، ما النِّصاب القرآني الحقيقي لعقيدة الحاكمية الإلهية؟، ومنها إشكالية الترجمة في الإسلام: لا كيف رأت النور، بل كيف قتلت؟ ومنها إشكالية الحداثة: هل أوروبا هي التي اخترعتها أم انها هي التي اخترعت أوروبا؟ ..
وأولاً وأخيراً: لمَ الممانعة العربية؟ أثقافة كراهية الآخر أم الاعتمال المتفاقم للجرح النرجسي؟