أحبُّو أعداءكم
العدو، تحديداً، هو مَن عاداك هو وكرهك وتأمَّر عليك وأخلَّ بعملك ونمَّ عليك وقتلك في نفسه خشية من عقابك الفعلي. هو من ألغاك أي أخرجك عن نفسه ورغب في أن يزيلك من الوجود. قد لا تجتمع كل هذه السيئات مرة واحدة عنده وقد تتدرج لكن الأصل هو أنَّه لا يحتملك ولا يطيق رؤية وجهك ولا استماع كلامك. وغالباً ما ظلمك مجاناً وأنت ما آذيته. ويجتمع عليك كل سخطه لأنَّ شراً فيه يتأكله فلا يستطيع ان يرى فيك خيراً ولا حسناً ولا يجد مكانة لكما معاً لأنَّه قرَّر أنَّ الوجود ينبسط له ولمن أعارهم هو الحياة.
عرف القدماء هذا فقال الرومان: "الإنسان ذئب للإنسان". وعرف بعض من الأدباء ذلك فقال جان بول سارتر: "الجحيم هي الآخرون". أما الشعر العربي فقد كان فيه هجَّاء وهذا جزء من القبليَّة. انها هي البغض الجماعي الذي قد يكون أقلَّ حدة من البغض الفردي لانه ليس محسوساً مثله وفيه شيء من تخيلك للقبيلة الأخرى. غير أنَّ نظام القبائل العربية مارس الجوار ومارس الحلف أي التقارب بين العشائر. وكل مجتمع ينمو نحو القبلية، كالمجتمع اللبناني، لا يجهل العداوة الجماعية. فقد تكره أنتَ طائفة أخرى عندنا ولو لم تكره واحداً منها. أي انها كراهية بلا محسوسية لانك لا تجرؤ على المعرفة ولا تمحِّص الدوافع التي تدفعك الى البغض أي انك لست فاحصاً للذاكرة الجماعية فتعلق فيك أحداثٌ قريبة أو بعيدة وتتأصَّل فيك البعيدة كأنك واحد من التآمر الذي قيم به على جماعتك مع انك لم تكن في حادثة عمرها مئات السنين. هذه هي القبلية التاريخية التي تنزل عليك من المخيلة وانت لم يشتمْك أحد ولا أضرَّ بك أحد. انها جماعية التاريخ وفاعليته. انت لا تغفر للآخر ما قام به أجداده ضد أجدادك وقد يكون إنسان الجماعة الأخرى صديقاً لك ولكنك سجلته عدواً بسبب من انتسابه. انها لحربٌ لم تخضْها. ورثتَها كأنك كنت حاضراً لمشاهدَ قديمة. كيف تتخطَّى التاريخ أو كيف تتخطى الجرح الشخصي. ذلك هو السؤال.
•••
فلسفياً، لم يحتضنك العدو. لم يحسّ انك تؤلف معه كتلة إنسانية غير قائمة على منافع الارض. لم يفهم أنك ترثُه وأنه يرثُك ولم يدرك ان الإنسان ينتمي الى قلبه المفتوح الذي يتسع للكثيرين وينمو باجتماعهم فيه. لا شك في ان ثمَّة مجتمعات مكونة سياسياً أو طائفياً (والمجتمع الطوائفي هو أيضا سياسي لأن القلب الطاهر لا ينشئه. انه ناشىء من الخوف في كثرة من الأحيان، من التراصّ الخائف ولا علاقة له بالدين في الحقيقة). في هذه الحال يكون الدين ذريعة لحماية النفس، وكثيراً ما كان الدين ذريعة للانقضاض على الآخرين الذين هم أعداء لأنهم في الأخير أصحاب سياسة أخرى.
الطوائف مجتمعات مغلقة عندما تقوم إزاء الآخرين. ويؤسفني رجوع الناس الى القيم الدينية كلامياً ولا يوظفونها لكسر الأقفال ويرون قيماً واحدة أو متقاربة هنا وهناك ولكنها في الحقيقة تبقى ملك الله في ذاته ولا تصير ملكهم بالإرث بحيث تبقى متشدِّداً بالطائفية ولا ينتقل اليك شيء من الخلق الديني وتحسب نفسك انك تنتسب الى الله.
أنت تكره الآخر لكونه آخر أي لم يرصف نفسه معك في العلاقات الفردية او في علاقات الجماعات. والآخر يجب أنْ يموت بطريقة أو بأخرى وفي الواقع إنَّ قلبك هو الذي مات على رغم ما ظننته فيك من قوة. ثم تخترع لنفسك صورة وجود وما هو بوجود فتقول بعلاقات طوائف، أي علاقات مسيَّسة هي في التنظيم القانوني أي في صورة غير وجدانية للجماعات. هي حفظ أو محاولة حفظ للناس في دنياهم أي خارجاً عن القلب لئلا يعمّ الموت وليس عدم نشر الموت هو الحياة. وما صح من إعدام الآخرين معنوياً أو في العمل السياسي هو إيَّاه إعدام الفرد للفرد معنوياً وشيء من تحطيم وجوده.
هذا ما عرفه يسوع الناصري: "سمعتم أنَّه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك" (متى 5: 43). في الواقع إنَّ العهد القديم قال فقط: "تحب قريبك كنفسك". (لاويين 19 :17) ولم يدْعُ الى كراهية. واحتسابي في قراءة كلام يسوع انه يرد على اليهود ولا يرد على الشريعة اليهودية. هم أخذوا يكرهون الأعداء لكونهم غوييم (أي من الأمم الأخرى) أو باللغة اللبنانية من الطوائف الأخرى. فعندما يقول السيد: "أحبُّوا أعداءكم" يُسقِط جدار العداوة اذ أصبح هو سلام العالم، يُبطِل الطوائف بمعناها المجتمعي المتراصّ المنغلق .. يُبطل الشرقية والغربية في بيروت كما يزيل الجدار الفاصل بين دولة اسرائيل والضفة الغربية. يُلغي الهويات التي أقامها الناس في ما بينهم لأن الهوية، إذا كانت مشتقة من "هو" أي ما تحدِّد بها نفسَك إزاء الآخر، فهي من الخطيئة. أما إذا كان الـ "هو" هو الله فهويَّتُك وهويَّة الآخر هي الانتماء الى الله وحده وتالياً ليس في الحب من هوايات دنيوية.
ولا يكتفي يسوع بالدعوة الى حب الأعداء بل يزيد "باركوا لاعنيكم، أحسنوا الى مبغضيكم... لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات". الهوية هي التي تكتسبها من البنوة الواحدة. ولكي يضرب السيد كل فارق بين البشر قال عن الله: "انه يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين".
أنت والآخر (المسلم والمسيحي في هذا البلد على اختلاف المذاهب) واحد بسبب من الانتساب الواحد الى الله ويستتبع هذا الانتساب الواحد الى البلد. فالوطن هو المكان الذي نعيش فيه الكلام الالهي أو ليس بشيء. الأمة هي أمَّة الله والباقي قيود في سجلات الدولة.
ما كان يهم يسوع الناصري أنْ يقطع شروش العداوة وهذا ممكن إنْ بادر المكروه بالمحبة. المبتغى ألاَّ يولِّد البغض فيك بغضاً وأنْ تحاول شفاء الآخر بالحب. قد تجمع جمر نار على رأسه بهذا الحب كما يقول بولس. لكن الكاره قد لا يرتدع فتكون أنْتَ خلَّصتَ نفسكَ من شعور العداء ويبقى هو وحده في العداوة.
كل فكر غير هذا الفكر يعني أنَّنا نجعل الآخر في كفة ميزان ونحن في كفة ميزان أخرى. والإيمان الكبير ليس فيه ميزان. لذلك اختتم المسيح كلامه في هذا الفصل بقوله: "كونوا كاملين كما ان أباكم في السموات هو كامل". في السياق، الكمال يبدأ في الإعراض عن رصف البشر كتلاً كتلاً او جماعة أصدقاء وجماعة أعداء. الكمال يلغي المقابَلة ويشدُّ البشر جميعاً الى وحدة واحدة وهي وضعهم في الله فانه وحده لحمتُهم. وهو لا يقابلهم بعضهم مع بعض إذ لا يعرف الإزائية. الطائفة الالهية الوحيدة هي التي يراها في نفسه أي التي أدركت بنوَّتها له بالايمان، وأدركت الأخوَّة فيها بالمحبة. وبعد هذا كلُّ العقد الى انحلال أوْ ليس من عقد.
البغض تضخِّم الأنا المستقلة عن الأنا الأخرى. ففي الحب: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا/ نحن روحان حللْنا بدنا" أنا يسعدني أن تراني كما ترى أخي بعطاء من القلب واحد بعد أن أزلتُ "أناي" المستبِدَّة وصرتُ كما يراني أخي بمحبته فأتكوّن به ويتكوّن بي وما هو لي هو له. هو لي لانه هكذا يريد.
لا ضربة للعداوة الا بانسكابي فيك وانسكابك فيَّ ليكون الله واحداً فيَّ وفيك.
المطران جورج خضر