"ملتقى أدباء ومشاهير العرب" في حوار مع نبيل عودة

قرأها 5
 

"ملتقى أدباء ومشاهير العرب" في حوار مع نبيل عودة

Nabeel%20Odeh%202.JPG

·       لم أعرف من فترة شبابي الا النضال بلا توقف

·       دم الانسان في كل مكان يثير غضبي وألمي

·       للأسف لم نحافظ عل مجمل نتائج "حقبة الناصرة"

·       يؤذيني استعمال الانتماءات الدينية.. لأن الانسان لا يقاس بطائفته

·       ليس السلاح النووي الإيراني أو العربي هو الانقاذ،

بل القوة الاقتصادية والعلمية ورفع مستوى الحياة للشعوب العربية

***

وجه لي "ملتقى أدباء ومشاهير العرب" مجموعة من الأسئلة، جاء فيها:

§       نبيل عودة ماذا قدمت لـبلدكْ..! ومـاذا قدمتَ لأمتك العربية؟!

§       هلترى يا نبيل عودة إن مايجري فى بلداننا العربية يمثل كل طموحات الشارع السياسي؟

§       ومـا هـو الشيء الذى تأمـل أن تراه يتحققُ، ولم يتحققْ؟!

§       صِف شعـورك وأنت ترى الدم العـربي يراق حينتشـاهـد تلفازك... ألا يحـركك ذلك؟

نظراً لأهمية التساؤلات، والحوار الذي يدور في المنتديات المختلفة حول هذا الموضوع، وتكرر الأسئلة التي توجه لي حول نفس المواضيع، رأيت ان أعمّم الأسئلة والأجوبة خارج إطار "ملتقى أدباء ومشاهير العرب". خاصة وأني أطرح رأيي الشخصي.

نبيل عودة

كان من عادة الشاعر الجاهلي الفخر بقبيلته وصنائعها.. وكان يبكي على أطلال محبوبته، ويصف فرسه وسيفه وبطولاته وكرمه… فهل هي عودة للجاهلية للتفاخر بصنائعنا؟

ليس من طباع الانسان المتزن ان يقدم عرضاً "لبطولاته وصولاته وجولاته" وأظن أن كتاباتي تكفي للشهادة حول تاريخي في نضال شعبي، ولم أناضل لأتفاخر بنضالي، انما هو واجبي الأول الذي وعيت عليه كشاب نشأ في بيت وطني، وفي ظروف مأساوية لشعبه.

ومع ذلك…

انا ولدت في فلسطين قبل نكبة شعبها بسنة ونصف تقريباً… وقد واجهت أسوأ أيام شعبنا الباقي في وطنه، ومنذ بداية وعيي كنت منظماً في اتحاد الشبيبة الشيوعية، الدرع السياسي والوطني الذي قاد نضال آلاف الشباب ضد سياسة التجهيل بلغتنا وتراثنا وقوميتنا.. وكنا دائماً عرضة، أنا ورفاقي الشباب، لملاحقة الشرطة والسجن.. وتحديد تنقلنا بأوامر عسكرية. ويمكنني القول اني لم أعش حياة شاب مفتوحة ورغدة!!

كانت الشبيبة الشيوعية هي المنظمة الشبابية الوحيدة التي خاضت نضالاً الى جانب حزبها الشيوعي، من أجل الحفاظ على الانتماء القومي وصيانة المقدسات والأرض والتاريخ ومنع تهجير الذين لم يشملهم التسجيل الأول للسكان الفلسطينيين الباقين أو العائدين الى وطنهم بعد النكبة (كما كان حال الشاعر المرحوم محمود درويش وأبناء عائلته)، بعد ان تبين انّ فلسطين ليست واردة في حساب الدول العربية، وان هناك صفقات وسخة من وراء ظهر الشعب الفلسطيني، لم تعد سراً اليوم… وأن "تحرير فلسطين" مجرد أكذوبة دعائية سافلة روجها الحكام الفاسدون والمتآمرون على الشعب الفلسطيني مع قيادت صهيونية.. ساهمت، الى جانب التطهير العرقي وجرائم التصفية الجسدية للمواطنين المتمسكين بالبقاء في وطنهم الذي نفذته الحركة الصهيونية، الى تهجير أكثرية شعبنا الى المنافي وانتظار "التحرير" الذي مضى على الوعد العربي به 60 عاماً!!

 ولا بد من إضافة هامة أخرى: أثناء حرب فلسطين لم تدخل الجيوش العربية إطلاقاً الى المناطق التي حددتها الأمم المتحدة بقرار التقسيم للدولة اليهودية، رغم تواجد الجيوش العربية قرب تلك المناطق ورغم معرفة قادة الجيوش ان مذابح ترتكب ضد الفلسطينيين.. ورغم استنجاد السكان العرب بتلك "الجيوش"!!

حتى دراستي الجامعية في التخنيون – حيفا (المعهد التكنلوجي) في موضوع هندسة الميكانيكيات لم تتيسّر، اضطررت لوقفها بسبب أوامر عسكرية تفرض عليّ الحصول على تصريح عسكري للوصول الى حيفا والعودة الى مدينتي الناصرة قبل الساعة الخامسة مساءً، وكان من المستحيل ان أواصل الدراسة… فأُرسلت من حزبي الشيوعي الى الدراسة السياسية في الاتحاد السوفييتي، وهي أول فترة حرية لشاب ناشئ في أوج نشاطه وشبابه يحظى بها ويتمتع بمعنى ان يكون شاباً وان يمارس حياة الشباب، دون انتظار طرق باب البيت لاعتقاله في ساعات الفجر أو دعوته للتحقيق، الى جانب النشاط الأدبي والنهل من الثقافة العربية والإنسانية بظروف مريحة لم يحلم بها في وطنه...

لا أفاخر بما قدمته لشعبي، والذي بمحصلته كسرنا الإرهاب البوليسي ونجحنا بإلغاء الحكم العسكري.. ومع ذلك ظلّت القوائم السوداء تشمل العرب المتطرفين أمثالي، حتى بعد عودتي من دراستي، وعن تلك القوائم كتب شاعرنا محمود درويش قصيدته الشهيرة المعروفة "سجل انا عربي" التي صارت نشيداً قومياً لشعبنا.. وكتب الشاعر سالم جران قصيدة اشتهرت في وقته "سجل اسمي في القائمة السوداء / سجل اسم أبي أمي أخواني / سجل حتى حيطاني / في بيتي لن تلقى الا شرفاء".

وكانت معركة شرسة ضد القوائم السوداء لمن سمتهم السلطات العنصرية "العرب السلبيين".

وبعمل نضال مثابر حررنا بلدية الناصرة (الناصرة عاصمة الجماهير العربي في اسرائيل) من سيطرة زلم السلطة وأوصلنا الشاعر توفيق زياد لرئاستها بحصولة على ما يقارب ال 70% من الأصوات، وأحدثنا انقلاباً سياسياً في الوسط العربي، أثّر في وقته على انتخابات موازية جرت في المناطق الفلسطينية المحتلة لانتخاب رؤساء بلديات قادت الى فوز قوىً نضالية وطنية معروفة..

 للأسف لم نحافظ عل مجمل نتائج "حقبة الناصرة" في تاريخ شعبنا السياسي، لأسباب لا مكان لها هنا الآن. تجدون لي مساهمات كثيرة حولها في العديد من مقالاتي المنشورة على الشبكة الألكترونية. ولكن انتصار الناصرة فتح الطريق للمعركة الأهم، معركة الأرض... فكان يوم الأرض لوقف مصادرة آلاف الدونمات الجديدة.. وأعتقد يكفيني ان أكون برغياً صغيراً في هذه المعارك النضالية...

في تلك الأيام الهامة كنت نشيطاً سياسياً بصفوف الحزب الشيوعي الذي قاد هذا الإنجاز التاريخي النضالي الكبير، والذي صار يوماً نضالياً وطنياً لكل شعبنا الفلسطيني داخل الوطن وفي مناطق السلطة الوطنية وفي اللجوء المتواصل منذ 60 عاماً.

لم أعرف في شبابي أياماً بلا واجبات سياسية ووطنية وثقافية وإعلامية، وما عدا السنتين في موسكو، كنت دائم الانشغال بالتثقيف السياسي والفكري والنضال المتواصل.. وعندما وصلت الى قناعة ان الحزب الشيوعي لم يعد ذلك الجهاز الذي نشأنا وتثقفنا في صفوفه، لم أتردد في نقده رغم ان ذلك قادني للخروج من التنظيم، والنشاط الفكري والسياسي والأدبي كمستقل لا يعرف إخفاء مواقفه والتودّدَ لكسب مواقع وامتيازات، كما هي حالنا الفاسدة اليوم..

الدم العربي، أو دم الانسان في كل مكان يثير غضبي وألمي ويجندني الى جانب أصحاب الحق بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الاثني.. ويؤذيني استعمال الانتماءات الدينية.. لأن الانسان لا يقاس بطائفته وعقيدته الدينية، انما بأفعاله ومساهماته ومواقفه.. والدين لله والوطن للجميع!!

ان ما أكرهه في عالمنا العربي هو التعامل مع الأقليات الدينية والإثنية بتمييز وبقمع غير عادي، ما يدفع الأقليات للهجرة.. الأمر الذي يشوّه الفسيفساء الوطنية العربية.. ويشوه تعدد الثقافات.. ويفقد العالم العربي آلاف العقول من أهم الاختصاصات العلمية ومن كل الانتماءات.

حلمي ان أرى عالماً عربياً دمقراطياً يعمل على تطوير اقتصاده ومرافقه الحيوية، ويمحو الأمية – كارثة العرب الرهيبة، ويتقدم في تقليص البطالة التي يعاني منها اليوم ما يقارب ال 30 مليون عربي... تجعل المجتمعات العربي مجتمعات فقر مدقع وتخلف مريع!!

لا مستقبل للشعوب العربية بالتطرف الديني والكراهية الطائفية ضد الآخرين المختلفين.. يجب سنُّ قوانين صارمة تقتلع من الجذور هذه الظواهر المرضية المدمرة، والتثقيف على احترام الانتماءات المختلفة مهما تعددت.

أمنيتي ان أرى الأنظمة العربية تطور مؤسسات السلطة المستقلة، وتضع رقابة على تصرفات المسؤولين … وان ننتهي من زمن الزعماء الأبديين والتوريث …

امنيتي ان ارى تطوراً في التعليم والعلوم والأبحاث والخدمات الاجتماعية وارتفاعاً في مستوى الحياة والصحة. عندما توظف اسرائيل 15 ضعفاً في الأبحاث العلمية أكثر من كل العالم العربي.. الى أين سيصل العالم العربي..؟ انظروا، حتى إيران تتقدم علمياً.. ولن يكون تقدمها لمصلحة العرب بل لعودة الفرس الى أطماعهم التاريخية في العالم العربي.. اليوم يحتلون جزراً عربية في الخليج، ومناطق عربية في إطار إيران، وأنظارهم تتطلّع نحو تحويل الخليج العربي الى فارسي بالفعل وليس بالتسمية فقط. والوهم ان سلاحاً نووياً سينقذ العالم العربي أو ايران هو وهم.. الخطر انْ تتحول إيران الى إسرائيل ثانية بأطماعها وسطوتها على دولنا المتخلفة، وهذا أقرب للمنطق السياسي.. وربما نصبح كعرب، بين السدّان الإيراني والمطرقة الإسرائيلية.

الويل لعالم عربي لا يرى أهمية تطوره الشامل.. لا ليس السلاح النووي هو الإنقاذ، بل القوة الاقتصادية والعلمية ورفع مستوى الحياة، وجعل الصوت العربي يُحسب حسابُه في المحافل الدولية، والعمل على نزع أسلحة الدمار الشامل من الشرق الأوسط.

 وما أخافه ان الزمن لا يرحم، لأنه لا ينتظر القاصرين!!

نبيل عودة- كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة - nabiloudeh@gmail.com