"حجر يطفو على الماء".. في أمسية شعرية نقدية
"حجر يطفو على الماء".. في أمسية شعرية نقدية
جمعية "الأدب المقارن" - القاهرة
تقيم جمعية "الأدب المقارن" المصرية أمسية شعرية نقدية خاصة بديوان "حجَر يطفو على الماء" للشاعر رفعت سلام، الذي صدر مؤخرًا عن دار "الدار" القاهرية.
يشارك في الأمسية- التي تقام مساء الأربعاء القادم بمكتبة القاهرة بالزمالك- الدكتور محمد عبد المطلب والناقد محمد سمير عبد السلام، فيما يديرها الدكتور علاء عبد الهادي.
والعمل الشعري الجديد يفاجئ القارئ بتجربة مغايرة تمامًا لما هو شائع في الشعر العربي، حيث يغامر الشاعر بالمزج- في كل صفحة على امتداد العمل- بين النص اللغوي ونص تشكيلي متداخل معه، قام هو نفسه بصياغته، دون استعانة بأحد الفنانين التشكيليين.
ويقوم النص الشعري على "تعدد الأصوات" المختلفة، حيث يقدم كل صوت نفسه بصورة مستقلة على مراحل تمتد بامتداد العمل، إلى أن تأتي خاتمة العمل بجميع الأصوات متزامنةً، متقاطعةً، مختلطة.
لكن هذه الأصوات المتقطعة تحتضن، متزامنةً، صوتًا ممتدًّا، من بداية العمل حتى نهايته، يقع- بصريًّا- في قلب الصفحة، حيث تحيط به تلك الأصوات. هو صوتٌ فانتازي، غريب، قد يمثل وعي ولا وعي الشاهد الذي رأى كل شيء، والعرَّاف، والبهلول، والحكيم، والصعلوك، والشاعر، والعاشق الذي يهيم على وجهه في الأزمنة والأمكنة بلا أسلاك شائكة، لا في الوعي ولا في الحضور الطباعي لصوته.
ولا يترك الشاعر الهامش فارغًا، كما المعتاد؛ بل تحتله أصوات تبدو- للوهلة الأولى- "هامشية". أصوات لا يدري أحد من أين جاءت على وجه التحديد. شذراتٌ من أساطير، أبياتٌ من شعرٍ قديم، أقوالٌ مأثورة أو غير مأثورة، صرخاتٌ، عباراتٌ عابرةٌ من شارعٍ ما، حِكمةٌ غابرةٌ ممَّا قبل التاريخ، إلخ. هي الأصوات التي ترفرف- في السِّر- في فضاء الذاكرة.
أما النص التشكيلي- الذي قام الشاعر بصياغته- فيقدم بدوره مستويين من العناصر: مستوى أقرب إلى الرمزي، الإيحائي، الذي قد ينتمي إلى الوعي والحساسية الراهنة، وله حضوره المهيمن في قلب الصفحة أساسًا، بالخطوط السميكة والحجم الكبير، ومستوًى يستمده- بالأساس- من عناصر اللغة الهيروغليفية (تلك الأبجدية التي تقوم على رسم الكائنات الأولية المتعايشة مع الإنسان)، فضلا عن بعض الكائنات الدنيا، التي تتحرك- غالبًا- في حدود الهامش البصري للصفحة.
وإذا كانت رسوم المستوى الرمزي، الإيحائي، ليست موحدةً أو ثابتة (هي متغيرة، متبدلة، متداخلة العناصر غالبًا)، فإن رسوم الهامش ثابتة في الشكل، لكنها ليست ثابتة الموقع؛ إذ تتحرك وتمشي بلا ضابط أو رابط، وفق ما يحلو لها. وأحيانًا ما تحاول أن تقحم نفسها في المتن بين الحين والحين، متخليةً عن موقعها الهامشي. كائناتٌ بريةٌ، بعضها أليف وديع، وبعضها قاتل أو- في الحد الأدنى- كريه.
وفي أعلى كل صفحة يكمن الصقر الإلهي الفرعوني "حورس"، يطل على العالم، ويحرسه، وربما يراقبه في انتظار لحظة التدخل الفاصلة.
إنها رؤية للعالم الراهن، وإيقاعاته المتخبطة المتلاطمة. أصواتٌ ووجوه صارخة من ألم وعذاب، أو صارخة في وعيد وتهديد. وجوه عادية راهنة من الحياة اليومية للمدينة القاهرة، ووجوه أسطورية أو تاريخية تحمل ظلالها وأصداءها وأصواتها العابرة للزمان والمكان. وديناصور غابر- قادم من عصور ميتة- لا يريد أن يترك المشهد لأصحابه الأحياء. وامرأة تحلق في سماء المشهد تبحث عن عاشقها لتمنحه ما لم تمنحه امرأة. ورجل يهيم على وجهه في الأزمنة والتواريخ، لا يدري تمامًا ما يبحث عنه.. وكائنات أو رموز تشكيلية تجوس وتتخلل المشهد المتغير، متغيرة بدورها، مومئةً أو مندسةً أو مقتحمة للعالم المتضارب المختلط.
تجربة تجمع- في آن- اللغوي بالبصري، وتعيد النظر في العلاقة بين الهامش والمتن، وتطرح سؤال تعدد الأصوات في القصيدة العربية الراهنة، بل "تزامن الأصوات والكائنات والرموز" في المكان الواحد.