إيران نووية.. مقبرة للحلم القومي العربي !!

نبيل عودة قرأها 6
  

إيران نووية.. مقبرة للحلم القومي العربي !!

الفكرة القائلة انإيران دولة إسلامية.. وامتلاكها للسلاح النووي سيكون

لصالح الإسلام والعرب، هوأشبه بحوار في مستشفى للمجاذيب.

نبيل عودة

في مجموعة من التساؤلات الملحة على الواقع العربي، التي طرحها الأستاذ محمد بن سعيد الفطيسي، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، باطار "منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية".. والتي وصلتني عبر البريد الألكتروني للمشاركة في رأيي بهذا الموضوع البالغ الأهمية والخطورة على احداثيات الشرق الأوسط، والعالم العربي خاصة، رأيت من المناسب ان أنشر مواقفي أيضا خارج إطار الحوار في المنتديات، لعلها تكون دافعاً لنقل هذا الحوار الهام الى مركز الصدارة في القضايا التي تشغل الفكر العربي والاستراتيجيات السياسية العربية المعاصرة. اذ ان ما ألمسه هو غياب الدور العربي من القلق الدولي حول المشروع النووي الإيراني.

الاستاذ محمد بن سعيد طرح مجموعة من التساؤلات الافتتاحية، كتب:

الكثير منا يشكك في توجهات الجمهورية الإسلامية الإيرانية وطموحاتها في الخليج العربي والعراق، يدفعهم لذلك الشعور، سنوات من التجارب السياسية والثقافية والعسكرية والتاريخية المشؤومة معها, هذا بالاضافة الى عدد من الامتدادات الايديولوجية والفكرية, وأغلبنا لا يصدق الكثير من تصريحات المسؤولين الإيرانيين في أغلب الاوقات, وخصوصاً تلك التي تدعي المساعي الطيبة الحميدة تجاه الشعوب والدول العربية والخليجية خصوصاً.   وأضاف:

ماذا سيفعل الإيرانيون بالدول العربية والخليجية خصوصاً لو امتلكت إيران السلاح النووي؟ أليست توجهاتها في العراق والخليج أكبر دليل على مقاصدها السيئة؟ أليس الفارق الشاسع في التعامل الفكري والهوة الثقافية مدعاة للخوف منها؟

ويتساءل:

اليست إيران دولة إسلامية؟ اليس امتلاك الجمهورية الإسلامية الإيرانية للسلاح النووي في حال حصل ذلك قوة للإسلام والمسلمين؟ أليس للإيرانيين الحق الشرعي والسياسي والأمني في الدفاع عن أنفسهم ضد أي اعتداء على سيادتهم، ولو كان ذلك على حساب الآخرين؟ خصوصاً وان العرب الى الآن غير قادرين على اتخاذ قراراتهم, والتخلص من التبعية للغرب؟ أليس الحكم الفارسي للخليج والاحتلال الإيراني للعرب أرحم بكثير من الاحتلال الاميركي والغربي، وخصوصا كون إيران دولة إسلامية ؟

 أسئلة محمد بن سعيد تصيب كبد الواقع المركب والمتداخل بشكل يجعل الرؤية السياسية تقع تحت ضغوطات ومشاعر قد تلغي المنطق، وهو ما نلمسه في معظم المداخلات التي كتبها  ويكتبها العديد من أصحاب الرأي  العرب.

موقفي حول الموضوع ليس جديداً، طرحته سابقاً ورأيت ان سباق إيران للحصول على السلاح النووي سيكون كارثة أيضا للشعب الإيراني.. الذي يعاني من مشكلات اقتصادية عويصة، ومن واقع اجتماعي مريع في تخلفه، ولن يكون السلاح النووي وسيلة لرفع مكانة المواطن، وتحرير حقوقه المصادرة من الجهاز الكهنوتي الإيراني. وبالطبع هناك جوانب أخرى رأيت أن أطرحها في مداخلتين وهذا نصهما:

( 1 )

ׂ

الويل للشعوب العربية، بظل العجز المريع  لدولها والتخلف الشامل في كل مرافقها.. اذا امتلكت إيران السلاح النووي. ببساطة نتوقع أن يحدث التالي:

أولاً: ستجدد إيران المشروع الفارسي التاريخي.

ثانياً: ستصل فوراً الى صفقة مع الغرب تضع الشعوب العربية ودولها بين مطرقة إسرائيل وسدان إيران.

ثالثاً: ستزداد تبعية الدول العربية السياسية.

رابعاً: ستفقد الدول العربية وشعوبها بالتالي مكانتهما المتقدمة في منطقة الشرق الأوسط لتحتلها إيران.

خامساً: في حالة استمرار الصراع الإيراني الإسرائيلي – الغربي (مع اني أرى ان إيران ستكون صاحبة مصلحة بتسوية علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة وإطلاق يدها في منطقة الخليج والشرق الأوسط عامة) ستحول إيران المناطق العربية المحاذية لإسرائيل الى بوز مدفع في صراعها، والثمن ستدفعه الشعوب العربية، ولبنان أمامنا يشكل نموذجاً حياً ومأساوياً لشعبه.

سادساً: إيران قادرة على تحويل الأسواق العربية الى مزرعة لها، خاصة أمام العجز في الأبحاث العلمية والتطويرية في العالم العربي، وأمام تضعضع وضع التعليم والعلوم وقد تصبح إيران قبلة لهجرة العقول العربية.

واقع العالم العربي اليوم يشبه واقع تركيا في الحرب العالمية الاولى – (رجل العالم المريض).. مجتمع مريض لا ينفع معه العلاج بالمسكنات. ولن تكون البدائل العربية "أتاتوركية".. بل ظلامية تقضي على جذور أي انتماء قومي عربي. وهو انتماء يعاني اليوم من تفكك وموات بفضل الفكر الأصولي الذي يرى بالانتماء الديني الأصل، ولا يعترف بأيّ صيغة قومية، كذلك بسبب فشل المشروعين القومي والماركسي، وهو موضوع آخر على كل حال...

الفكرة القائلة ان إيران دولة إسلامية.. وامتلاكها للسلاح النووي سيكون لصالح الإسلام والعرب، هو أشبه بحوار في مستشفى للمجاذيب.

إيران ستدعم الحركات الشيعية الانفصالية، وتنمي الإسلام الشيعي السياسي وتعمل على توسيع سيطرة الأصولية الشيعية (أسوة بما كان في جنوب لبنان، وما زال الخطر في وقوع انقلاب شيعي مطروحاً) وسيدخل العالم العربي الى عصر جليدي (إيراني) طويل جداً..

المأساة في المنظر السياسي العربي هو الغياب الكامل لاستراتيجية عربية... وتحول توريث السلطة الى الهدف الأسمى.. واستمرار حالة الطوارئ في الدول العربية المركزية وحالة القمع التعسفي والفساد في الأنظمة، وغياب اي تخطيط اقتصادي علمي تطويري لمجمل مرافق الحياة في العالم العربي.. والهام أيضا، عدم وجود نظام عربي مبني على استقلالية مؤسسات الدولة والرقابة والمحاسبة.

في ظل هذا الوضع.. حتى اللغة العربية ستنتهي صلاحيتها التداولية. ولا أعرف اذا كان سيتبقى من مرتكزات للفكر القومي العربي.

( 2 )

تجردوا مرة واحدة من المؤثرات الدينية التي تضللكم.

موضوع إيران لا علاقة له بالإسلام والمسلمين وعزة الإسلام والمسلمين.

في إيران يسمي الشعب الإيراني شيوخه وأئمته "بالعرب" احتقاراً لهم... هناك تراجع هائل في كل ما يتعلق بالانتماء الإسلامي.. هناك عودة واضحة للفارسية.. وتنامي في الأطماع الأقليمية في الخليج العربي، حيت تحتل إيران جزراً عربية، ولأيران أطماع بأرض العراق، أو رغبة بجعله دولاً يتبع بعضها نظام طهران. عملياً القضاء على إمكانيات العراق التي كانت تبشر بنهضة عربية يحسب لها الحساب. وربما تنظر لفرض سيطرتها وسطوتها على نفط السعودية وسائر دول الخليج.

لم يثبت ان السياسة تبنى على قواعد دينية. بل أشد الأعداء لبعضهم هم المنتمون لنفس العقيدة. هل نسينا حرب المجاهدين الأفغان بالمجاهدين الأفغان؟ لا أريد الحديث عن التكفير والكراهية بين السنة والشيعة وحرمان الأقليات منهم من كافة حقوقهم المدنية والانسانية. ولا أتحدث عن المسيحيين.. بل عن المسلمين.

السياسة تحكمها مصالح لا علاقة لها بالدين. تقررها المصالح الكونية المتعددة: مناطق نفوذ، أمن قومي، اقتصاد، أطماع جغرافية لتعزيز الوضع الاستراتيجي للدول.. فتح أسواق واخضاعها لمصالح اقتصادية للدولة المتنفذة.. تبوء مكانة دولية على خارطة السياسية والقرار الدوليان..

"إسلام" إيران هو أفضل آلية سياسية لاخضاع العالم العربي وسحقة... السؤال، هل يتصرف النظام الإيراني كنظام إسلامي؟

الإسلام الإيراني مجرد آلية أخرى في تنمية النفوذ والقدرة على الامتداد ورفع مكانة المصالح الاستراتيجية الإيرانية..

أين غابت الرؤية القومية العربية؟

أين تلاشت فكرة الدولة العربية القومية الموحدة؟

أين ذهب مشروع جمال عبد الناصر لبناء الدولة القومية الجبارة المتطورة وذات الكلمة الحاسمة في عالم لا يحترم الضعفاء.

هل تظنون ان ارتباط أمريكا بإسرائيل، هو مجرد عشق او تأثير يهود أمريكا؟

ما أسخفكم اذن.

ابحثوا عن السب في العلوم التي تطورها إسرائيل.. ابحثوا عن السبب في التكنلوجيات والتكنلوجيات الدقيقة التي رفعت إسرائيل الى مقام أهم مصدري الهايتك في العالم... احفظوا هذا الرقم وفكروا بالقوة العلمية والاقتصادية للمؤسسات التي تقف ورائه:  80% من صادرات إسرائيل هو الهايتك!!

ابحثوا عن السبب في التطوير الزراعي الذي صارت إسرائيل تشكل أفضل خبرة عالمية في مجاله، حتى الصين العظيمة تلجأ الى إسرائيل لتنمية زراعتها، استمعت إلى خبير زراعي إسرائيلي يقول، انه يبني دفيئات مشتركة لتتنمية البندورة الشيري في الصين، وانه يكتفي بأن يأكل كل صيني حبة بندورة واحدة في السنة.

الزراعة أيضا هي مجال استراتيجي هام، يشكل منفذاً لزيادة الطعام مئات الأضعاف في نفس مساحات الأراضي. عدا تطوير الثروة الحيوانية والسمكية وتحول إسرائيل الى أهم المصدرين الزراعيين أيضا.

لا أتحدث عن تطوير العلوم العسكرية والتكنلوجيات العسكرية وأقمار التجسس والاتصالات التي تدرُّ على إسرائيل مليارات الدولارات، وتجعلها دولة غنية بدخل قومي إجمالي يصل الى 24 - 25 ألف دولار للفرد الواحد بالحساب السنوي.. ولفهم هذا الجانب.. الدخل في سوريا لا يتجاوز ال 400 دولار للفرد الواحد من النتاج القومي الاجمالي ومصر ربما تجاوزت قليلاً ال 1500 دولار. وخطة إسرائيل في السنوات العشر القادمة الوصول الى 35 ألف دولار.. ونحن نيام!!

ستقولون: كاتب متصهين.. كما هاجمني كاتب فلسطيني أحبه وأحترمه رغم كل شيء، استاء من النماذج التي أسوقها للمقارنة مع الواقع العربي.. وله عذره، لأن الحقيقة مؤلمة ويؤلمني حقاً واقع شعوبنا العربية.. واقع أنظمتها الفاسدة والمفسودة. واقع غياب وزن سياسي لكلمتها كما كان الحال في فترة عبد الناصر، رغم كل ما يقال من انتقادات حول أخطاء النظام الناصري، الا انه أعطى للصوت العربي وزنه وهيبته.

الايمان الديني لوحده لن يعطيكم آليات لتطوير الزراعة والصناعة والقضاء على الفقر وتطوير التعليم والعلوم  - أضيفوا لصلاتكم شيئاً من القطران، هل تغيب عنا هذه المقولة العبقرية لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟...

 الايمان الواعي يقوي إرادتكم، اما الايمان المغلق فيعطيكم آفاقاً نصية جميلة ووعوداً بالجنة للخاضعين لفساد أولي الأمر.. يعطيكم زغلول النجار واعجازاته العلمية، التي لا يستطيع ان ينفعنا منها باعجاز نصنع بواسطته مسبحة من التي يشتريها حجاج بيت الله في مواسم الحج، من صناعة الصين أو جاراتها.

أليس من العار على دولنا "الوطنية الثورية" أن تتخلف في مجال العلوم والتعليم والقضاء على الامية والغرق في البطالة كآفة اجتماعية لا علاج لها تقود الى هجرة أفضل العقول العربية؟

وتريدون مواجهة إيران أو إسرائيل..؟!

بئس تفكيركم!!

بئس مصيركم!!

ماذا بنت دولنا القومية ـ أكثر من سجون الرأي؟

لماذا يقبع أفضل المفكرين العرب في السجون أو يختارون العواصم الاوروبية لحريتهم الشخصية والفكرية؟

أمامكم نموذج من غير المريح الحديث عنه.. إسرائيل (7 مليون).. يعجز 340 مليون عربي عن إقناعها بقبول خطة سلام عربية تعطيها كل مطالبها، أكثر مما تعطي للفلسطينيين. وهي الخطة السعودية التي ربما صيغت تفاصيلها في واشنطن.

فكيف الحال اذا صرنا بإسرائيل أخرى من ورائنا؟

المشكلة ليست فقط إيران النووية. المشكلة أين النظام العربي القادر على مواجهة التحديات. أين الاستراتيجية العربية لبناء توازن في القوة الأمنية للعالم العربي أمام التحديات الرهيبة في العالم والمنطقة العربية؟

أموال لا تنقص.. وعقول لا تنقص.. ولكن لا توجد إرادة.. لأن الأهم هو توريث السلطة.

هنا انا في حزن كبير ورؤية سوداوية بلا أي مصدر للضوء في آخر النفق.

أجل سيبقى لكم دينكم.. لن يصادره منكم أحد. ستبقى لكم فتاوى الرضاعة.. وفتاوى الميكي ماوس وفتاوى البول وفتاوى خطر استعمال اليد اليسرى بالطعام، وسيبقى لكم ذلك المخبول السعودي الذي يصف حوريات الجنة ويدخل باورغيا بالبث الحي والمباشر.. وبالطبع ستبقى لكم  "الاعجازات العلمية" لزغلول النجار وسائر الهراطقة.. ليبقى عقلنا في متاهة الماضي.. يتفاخر بالأجداد ويعيش حاضره مخدراً منغلقاً امام ما يدور قرب بيته، مما قد يعيده الى خيمة في الربع الخالي.

سلاح نووي بيد إيران، واستمرار العجز العربي والتنبلة العربية.. لن يبقى من عزتنا القومية والدينية الا أطلال للبكاء...

نبيل عودة – كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com