آفـة المفكّريـن
آفـة المفكّريـن
عطية مسُّوح
إذا كانت نظرية المفكر الأمريكي فوكوياما عن نهاية التاريخ وأفول الأيديولوجيا دليلاً على تسرعه ورغبوية منهجه واستنتاجاته، فإن مواقفه الأخيرة، ولا سيما مواقف ما بعد الأزمة المالية التي انفجرت في منتصف أيلول الفائت، هي دليل على جديته، وقد تكون ـ وليتها كذلك ـ دليلاً على شيء من النزاهة في قراءة الوقائع والتفكير بها، وهي على كل حال دليل على الشجاعة التي جعلته يعلن تراجعه عن أفكار سبق أن طرحها فأحدثت صخباً في عالم الفكر والسياسة، ونوقشت على نطاق واسع في العالم كله.
طرح فوكوياما نظريته عن نهاية التاريخ منذ نحو عقدين من الزمن، لكنه بدأ بالتراجع عن بعض أفكارها ومقولاتها منذ نحو عشر سنوات. وها هوذا اليوم يبتعد عنها ابتعاداً كبيراً، بل يبدو كأنه يغادرها من خلال طرح أفكار أخرى يمكن وصفها، أو وصف بعضها، بالواقعية والإنسانية.
فوكوياما باحث وخبير، ومفكّر لم يكن على درجة كبيرة من الشهرة أو العالمية قبل أن يصوغ نظريته عن نهاية التاريخ، في مقالة نشرت بعد أن اتضحت أزمة النظام السوفييتي وبدأت ملامح انهياره تلوح في الأفق، أي في ثمانينيات القرن العشرين. ونظراً لما أثارته مقالته من ردود أفعال ومناقشات في أمريكا والعالم فقد أدخل عليها الكثير من التعليلات والأفكار الإضافية فتحولت إلى كتاب، ثم كانت محوراً لعشرات الدراسات والكتب، وترجمت إلى مختلف اللغات، وغدت بذلك من أهم نظريات البرجوازية في الربع الأخير من القرن العشرين، بل يمكن القول إن نظريته ونظرية (صدام الحضارات) للأمريكي هنتنغتون، هما نظريتا العالم الرأسمالي بعد انهيار النظام السوفييتي وبروز نظام القطب العالمي الواحد.
باختصار شديد، أراد فوكوياما أن يقول إن النموذج الاقتصادي والسياسي الليبرالي الأمريكي هو أرقى ما توصلت إليه البشرية، وهو السقف الذي تنتهي عنده تجربة الشعوب، والذي يطمح كل شعب إلى الانتهاء إليه. ويرى فوكوياما أن غاية هذا الطموح المشروع لن تتحقق لكل الشعوب، فليس باستطاعة شعوب الأرض كلها أن تصل إلى هذا السقف، وبالتالي فلا بد للعالم من قادة أو قيادة إذا صح التعبير ـ وهذه القيادة هي للولايات المتحدة الأمريكية.
لا نحتاج إلى عرض كامل لأفكار فوكوياما التي بشرت بنهاية أمريكية للتاريخ، فهي معروفة، وقد ترجمت إلى العربية أكثر من مرة، وعقدت حولها الندوات ودُبّجت المقالات. بل يمكن التذكير بأن ثمة في بلداننا العربية من تعامل تعاملاً انتقائياً ذرائعياً مع أفكار فوكوياما، فاتخذ منها حجة لرفض الديمقراطية ووصم كل دعوة إليها بأنها مستقاة من الفكر السياسي الأمريكي.
غير أن ما نجد ضرورة لعرض بعضه اليوم هو أفكار فوكوياما الجديدة، كي يطَّلع قارئنا على ما آل إليه هذا المفكر، بعد تجربة عقدين من السياسة العدوانية التي قادتها نخبة (المحافظين الجدد) في الولايات المتحدة وبعض حلفائها في الغرب.
لقد أعلن فوكوياما انفصاله عن (المحافظين الجدد) الذين مثّلتهم بوضوح الإدارة الأمريكية في عهد بوش. وقرن انفصاله هذا بانتقادات عميقة لهذه الإدارة وسياستها العالمية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. وبيَّن الأثر السلبي لهذه السياسة على موقف شعوب هذه المنطقة من الديمقراطية التي قرنها الكثيرون بالسياسة الأمريكية. وأكد فوكوياما أن الديمقراطية التي يجب أن تكون مطلباً عالمياً وهدفاً للشعوب المحرومة منها قد ظهرت وكأنها وسيلة الإدارة الأمريكية لتحقيق مصالحها السياسة والاقتصادية.
ورأى فوكوياما أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة ـ وخاصة بعد الأزمة المالية أن تكون المثل الذي تتطلع إليه الشعوب وتتمنى بلوغ سقفه العالي (الذي كان بالنسبة إليه سقفاً للتاريخ)، وبالتالي فإن المجال عاد لينفتح أمام بروز أقطاب عالمية جديدة، ويعلّق آماله على تفهم الرئيس المنتخب أوباما لهذه الحقيقة وقدرته على التعامل مع عالم متعدد الأقطاب.
وبالمناسبة، فقد أعلن فوكوياما أنه أعطى أوباما صوته الانتخابي، مكرساً بذلك انفصاله عن القوى التي كان واحداً من مفكريها الكبار.
كيف يمكن لنا أن ننظر إلى ذلك كله؟
هل كان فوكوياما، كما وُصِف سابقاً، أداة في يد القوى الأمريكية المتطرفة؟ وهل هو مُعبِّر فعلاً عن مصالح إمبريالية معينة؟
أهو كذلك، أم إنه مفكر مجتهد، تسرّع في قراءة أحداث العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولا سيما انهيار القطب السوفييتي، ووضع نظرة ذات حكم قاطع ونهائي؟
بغضّ النظر عن صحة هذا التفسير أو ذاك، فإن ما يمكن أن يستخلصه أحدنا هو أن من المفيد للمفكر، أن يتحلّى بالتأني في قراءة الظاهرات والأحداث، وأن يسعى ليكون موضوعياً ونزيهاً في تعليلها، وأن يتجنب الأحكام المطلقة والنهائية، وألا يبتّ في أمر ما يزال مفتوحاً على احتمالات عديدة.
لقد تسرع فوكوياما وهو يقرأ تدهور النظام السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي، كما تسرع كثير من دعاة الرأسمالية ومفكريها وإعلامييها حين تحدثوا عن انهيار فلسفة ماركس، رابطين بها انهيار نظام منسوب إليها، وكما يتسرع الكثيرون في الحكم على هذا الحدث أو ذاك، كأن يبتّوا بتّاً نهائياً بما ستؤول إليه سياسة الولايات المتحدة في عهد أوباما، أو بغير ذلك من الأحداث المهمة.
التسرّع آفة المفكّرين، والأحكام القاطعة النهائية مطبّ لا بد للمفكر الجاد من تجنبه، أما التراجع عما يتبين أنه خطأ قاد إليه التسرع، فهو فضيلة على كل حال.