منحوتات أنيش كابور العملاقة
أنيش كابور يستوحي من علاقته بسلمان رشدي منحوتة عملاقة
ملايين الدولارات تقدم لمخيِّلته كي يحيلها تجريديات غامضة
هلسنكي: فاروق يوسف / صحيفة الشرق الأوسط
يستمتع البريطانيون هذه الأيام، بمعروضات الفنان أنيش كابور، الذي يمكن ان يقال فيه انه النموذج المثالي للفنان المكرس في عصرنا، حيث تضع مؤسسات كبرى عديدة بين يديه امكانيات مادية، يكفي جزء منها لرعاية المئات من الفنانين. هذا الفنان صاحب الأعمال الضخمة والغامضة، لا يتنازل ولا يؤمن بمبدأ مسايرة الجمهور، ومع ذلك فهو مطلوب ومرغوب وتتنافس غاليريات العالم على عرض أعماله. ما هو معروض له في لندن اليوم، رغم أحجامه العملاقة، تجريديٌّ وعصيٌّ وشعبيٌّ، في آن واحد.
الفنان البريطاني أنيش كابور المولود في بومبي (من أب هندي وأم عراقية) عام 1954، يعتبر اليوم النحات الأكثر شهرة في العالم الذي تتسابق المتاحف والقاعات الفنية وحتى المدن الكبرى لاحتضان عروضه المثيرة وأعماله التي تطل علينا من جهة ارتباطها بلغز الانسان. عودته هذه المرة الى «غاليري ليسن» في لندن (حتى نهاية نوفمبر من هذه السنة)، وهو الغاليري عينه الذي احتضن اعماله مرات عديدة من قبل، تأتي بعد انجازه عملين في الولايات المتحدة، كرساه اعلاميا بصفته ظاهرة فنية خارقة: «مرآة السماء» في نيويورك و«بوابة السماء» في شيكاغو. الاول يبلغ قطره 35 قدما فيما يزن الثاني 125 طنا من الفولاذ (بلغت تكلفته عشرة ملايين دولار). مع هذين العملين أصبح واضحا أن لا أحد من الفنانين ينافس كابور في تفرده بلقب عملاق الفن الجديد. ما الذي قدمه كابور في عمليه ليكون موقع ثقة استثنائية إلى هذا الحد؟ ربما تكون المفاجأة في حد ذاتها سببا لاجتراح معجزة، وهي أن يقبل العامة بدهشة على عمل فني من غير أن يتخلى مبتكر ذلك العمل عن رؤاه وأفكاره الغامضة، وهذا بالضبط ما حدث مع كابور. حيث اقام من خلال عمليه ميزاناً دقيقاً بين استفهام عامي يرافقه الرضا وبين درجة عالية من الصدق الفني. فالمرآتان الشاسعتان اللتان عرضهما، شكلتا في حقيقتهما حقولاً خصبة لفكرة جمال، تشترك كل العناصر في تأليفه، لا يكون المتلقي فيها مجرد عابر سبيل، بل يصبح جزءاً من مشهد كوني متغير. كابور استحضر بعمليه كل القوى المتناقضة التي عالجها بصبر انتقائي منذ أن تحول من الرسم التقليلي (حيث كانت سطوح لوحاته تنطق بلون واحد) الى النحت. فكانت قطعه النحتية تقيم على الحد الهلامي الفاصل بين مفردات نفسية لا يمكن تلمس الطريق اليها حسياً. كابور هو ابن الفلسفة الشرقية الذي يجد لكل مظهر صدى روحياً عميقاً.
سبعة أعمال نحتية، تملأ حالياً كل مساحة ممكنة في «غاليري ليسن»، وتكاد كل منحوتة تحتاج إلى قاعة خاصة بها. وللمرة الأولى يشغل فنان بمفرده هذه المساحة برمتها. أشكال غامضة تعكس ميتافيزيقية هذا الفنان، الذي قرر لمرة جديدة ان يغوص بعيداً في تجريديته. في كل عمل معروض، ثمة فكرة مختلفة ورؤية جديدة لا تشبه تلك الموجودة إلى جانبها. ها هو حائط يتحرك هنا، ليكشف عن شكل ضخم على شكل نصف كرة، بلون الدم. وكأنما الحائط يضخ روحه دماء في هذا الكوكب أو نصف الكوكب. في مكان مجاور قوس كبير مصنوع من المرايا تلعب عليه انعكاسات الضوء الخاطف، يحيلنا إلى أجواء حكايات أسطورية. ثمة عمل آخر، مستوحى من حوارات وزيارات أقامها الفنان مع الكاتب المعروف سلمان رشدي. علاقة تجسدت في عمل مركب من صندوقين من البرونز التصقا بالشمع الأحمر، وكتب عليهما المقطعين الأولين اللذين يستهل بهما رشدي كتابه المعنون «صلة الدم». تحية لسلمان رشدي أو رمز صلة روحية، يبدو انها اخترقت روح كابور. الأعمال السبعة تتماهى مع تجارب كبار النحاتين المعاصرين من جهة زهدها وبلاغتها المقتضبة وتوترها: تشليدا وريتشارد سيرا وكارل اندريا. غير أن كابور يتفوق عليهم، كونه لا يزال مصراً على الإمساك بعنصر الحكاية. كابور يمزج الرموز الشعائرية بقوتها السحرية الغامضة لينتج أشكالاً تجريدية، لا تذكر بأي شيء سبقها. واذا ما كان كابور يستلهم الاشياء الطبيعية كالصخور والحصى والزهور والفاكهة فإنه يرى في النار والهواء والتراب والماء عناصر يعيد من خلالها الأشكال الطبيعية الى أصولها، حيث النبوءة التي تسبق الفتنة. مسكونا بحكاية الخلق يسبقنا كابور إلى فكرة العالم في حالته الأولى، حيث لا نهار ولا ليل، لا خطيئة ولا ندم. وليس غريباً على من تربَّى وهو يشم عطر التوابل أن يلجأ في عدد من أعماله الباهرة الى مادة الـ«بيكمنت» وحدها وهي تراب الصبغة (اللون)، ذلك لأنه أراد أن يمزج الزوال بالثبات، ليهبنا كما يفعل دائما فكرة عن واقعة ثالثة. عام 2003 توج الفنان من قبل «تيت غاليري» في لندن ملكاً للفن الجديد، حين عرض له واحداً من أكثر الأعمال الفنية عبثية في عصرنا. كان بطول 150 مترا، و35 ارتفاعاً وهو ما جعل المتحف يضيق بزائريه ويلغي أية إمكانية للنظر المباشر. أنيش كابور اليوم، هو فنان عالمي على الرغم من أن بريطانيا تفخر به ابناً لثقافتها (عام 1990 ذهب الى بينالي فينيسا ممثلاً للفن في الجزر البريطانية، وفي العام الذي تلاه نال جائزة تيرنر، وهي كبرى الجوائز في بريطانيا). ومع ذلك فإن كل ما تلمسه يداه يومئ الى الشرق دائماً.